الاستشراق الفرنسي بإفريقيا: قراءة نقدية لمرتكزاته وأهدافه

  • 21 -1 - 2019
  • أ.د. نفيسة دويدة


أ.د. نفيسة دويدة

أستاذة التعليم العالي في التاريخ المعاصر-

بالمدرسة العليا للأساتذة- ببوزريعة- الجزائر

 فتحية بن حميمد

طالبة في السنة الثالثة دكتوراه في التاريخ المعاصر-

جامعة الجزائر 02 بوزريعة- الجزائر

يُعَدُّ البحث في موضوع الاستشراق بصفةٍ عامّةٍ راهنــاً متجدّداً، تقتضيه التحوّلات المتسارعة بين العالمَيْن الشرقي والغربي، ولذلك فهو يتضمّن جوانب وخلفيات عدّة، تتمايز حسب الرؤية والتصورات المسبقة للباحث، وأيديولوجيته الفكرية والثقافية، بالإضافة إلى المناحي المقصودة من الدراسة (إن كانت أدبية، اجتماعية، تاريخية أو علمية.. وغيرها)، كما أنّ انتماء الباحث منهجيّــاً ومستواه العلمي يؤثّران بصفةٍ غير مباشرةٍ على مسار العمل البحثي.

وعليه؛ نحاول في هذه الدراسة تقديم تعريفٍ موجزٍ بالاستشراق الفرنسي، وتبيان ظروف ظهوره، وأهدافه، وتقديم قراءةٍ نقديةٍ في مرتكزاته ودواعي اهتمامه بالقارة الإفريقية. وعلينا الأخذ في الحُسبان أنّ الجزءَ الأوّل المرتبط بـ«وظيفية الاستشراق» قد حظي بالتنوّع والكثرة في الدراسات الأكاديمية؛ أما الجزء الثاني المتعلق بحضوره في إفريقيا (ولاسيما منطقة جنوب الصحراء)؛ فإننا نسجّل نقصــاً بشأنه، وهذا تحديداً ما حَدَا بنا إلى محاولة الإسهام في الموضوع وفق ما توفّر من مادةٍ معرفيةٍ متاحة.

ويمكن بدايةً طرح المنطلقات الافتراضية للإشكالية البحثية المطروحة، والمتعلقة أساساً بدَور الاستشراق الفرنسي بإفريقيا، وتوجيه القارئ إلى بضع تساؤلات نراها جوهرية؛ مثل: (ما جدوى البحث في موضوع الاستشراق في وقتنا الراهن؟ وهل تندرج إفريقيا جنوب الصحراء ضمن النطاق الرئيسي لدائرة الاستشراق الفرنسي؟ وإلى أيّ مدًى نجح المشروع؟)، خاصّة في ظلّ شحّ المادّة المتعلقة بذلك.

مفهوم الاستشراق:

في البداية؛ يمكن القول بأنّ الكثير من الدراسات العلميّة قد اتفقت على أنّ المعنى الاصطلاحي للاستشراق Orientalism يُقصد به: ذلك العِلْم الحديث الذي يدرس فيه الغربُ مسائلَ الشرق وعلومه ودياناته، ويعتني بتحليل تاريخه، وفَهْم تقاليده، وتفكيك بناه الفكرية والثقافية[1].

وقد تحوّل المفهومُ في الفترة المعاصرة (خاصّةً في القرنَيْن 18 و19م)، واتخذ أبعاداً واتجاهاتٍ سلبيةً خطيرة؛ لأنه ارتبط بالظاهرة الاستعمارية، وأصبح ملازمــاً لها، وفي خدمتها، وما انفك بعض الباحثين والمنظّرين أن قسّموا مراحل نشوء الاستشراق وفق ذلك إلى ثلاث مراحل، هي:

- المرحلة الأولى: الاستشراق الاستعماري Colonial Orientalism: امتدت من ظهور المصطلح إلى غاية سنة 1960م.

- المرحلة الثانية: الاستشراق ما بعد الاستعماري Post Orientalism: ركزت فيها الدراسات الاستشراقية على الجوانب اللغوية والثقافية.

نجح الاستشراق الفرنسي في دراسة كلّ مقوّمات الشخصية للشعوب الإفريقية، من لغةٍ وعاداتٍ وتقاليد، سعياً لفصلهم عن ماضيهم وحضارتهم، ولتكريس إدماجهم بالثقافة والحضارة الفرنسية الغربية

 - المرحلة الثالثة: الاستشراق الجديد New orientalism: وهي مرحلةٌ قصيرةٌ نسبيّاً، ارتبطت بظهور العولمة والتقنيات التكنولوجية[2].

أما بالنسبة للاستشراق الفرنسي؛ فإنه فعلاً تميّز بخصوصياتٍ عدّة؛ جعلته يحظى باهتمام الباحثين والدارسين، لعلّ أولها هي ارتباطه تاريخيّاً بتحولات الرأسمالية الفرنسية، وتغيّر أنماط الحكم مع بروز الدولة القوميّة، ومحاولة التخلُّص من مشكلات هذه الأخيرة عن طريق بناء الدراسات الاستشراقية ودعمها، ومن ثَمَّ توجيه أنظار العالم والفرنسيّين إلى جدوى الانفتاح على الآخر (الشرق) في اتجاهاتٍ مختلفة ذات طابعٍ نفعيٍّ بحت، واقتحام تلك الخصوصيات المحلية للمجتمعات المغلوبة، ومن ثَمّ خدمة مصالحه.

وشكّلت الثورة الفرنسية الكبرى (1789م) محطةً مهمّة؛ أبانت عن دَور السياسيّين في تحويل الانتكاسة إلى حركةٍ إيجابيةٍ تحت مسمّياتٍ عدّة، كاستثمار التراث العالمي وغيره، وكانت نقطة التحوّل الحاسمة في مجال تكريس دَور الاستشراق مع الحملة الفرنسية بقيادة «نابليون بونابارت»Napoléon Bonaparte على مصر والشام سنة 1798م[3].

إنّ الخلفية التاريخية لتفسير ظهور الاستشراق الفرنسي بصفةٍ عامّةٍ (والموجَّه إلى إفريقيا بصفةٍ خاصّة) تستدعي- في رأيي- فَهْمَ مجمل المسارات التي تمخّضت عن استمرار الصراع الإسلامي– المسيحي، والممتد عمليّــاً منذ أيام الحروب الصليبية، وانكماشه قليلاً في فترة العصور الوسطى، ومعاودة ظهوره في الفترة الحديثة، والمزامن لنشوء السلطنة (والخلافة) العثمانية.

ومن جهةٍ أخرى؛ لقد سهّلت علوم النهضة في أوروبا خلال القرنَيْن 15 و16م القيام بالحملات الاستكشافية الغربية؛ التي جابت البحار والمحيطات في رحلة بحثها عن التوابل والحرير، والتي كانت تحركها تارةً روحُ المغامرة وحبُّ الاستطلاع والاستكشاف، وتدفعها تارةً أخرى الرغبةُ الدفينةُ في كسر شوكة المسلمين، ومن ثَمَّ تحقيق المكاسب المادية والتفوق العسكري والسياسي، وهكذا بدأ التنافس الشرس واللامحدود بين الإمبراطوريات الاستعمارية، كالبرتغالية والإسبانية والهولندية والإنجليزية والفرنسية.

وأصبح من الواجب دعم الحركة التجارية الناشئة، على السواحل الإفريقية والآسيوية والأمريكية، بالقوى العسكرية الحامية التي تكفل الدفاع عن المصالح والمكاسب المحقّقة، ووجد الاستشراق في هذه المرحلة فرصــاً مهمّة للاطلاع على الأنماط المعيشية لشعوب تلك المناطق، والوقوف بتأمّلٍ على ثقافاتها ومستويات تفكيرها، ومن ثَمّ فَهْم آليات التعامل معها؛ فكثّف المستشرقون نشاطهم، ودعمتهم الحكومات، وتقاطعت أدوارهم مع أطرافٍ أخرى لضمان خدمة المشروع الاستعماري.

وبالنسبة لفرنسا؛ فلم يكن من السَّهل لها أن تستحوذ على مناطق وأقاليم مهمّة في آسيا وأمريكا؛ نظراً لتقاسمها بين باقي القوى (وبالأخصّ بعد السيطرة الإنجليزية عليها)؛ لذلك فإنها (أي: فرنسا) ركزت جهودها في القارة الإفريقية، وعملت على إزاحة خصومها ومنافسيها من البرتغاليّين والهولنديّين بها، وتكللت جهودها ببسط النفوذ على أغلب السواحل الشمالية والغربية لإفريقيا، وكذا على كامل الساحل الشمالي، ومنطقة جنوب الصحراء في شريطٍ متّسعٍ إلى الداخل.

وعقب انتهاء مرحلة الكشوف الجغرافية؛ بدأت مرحلة التوسّع التجاري والاستنزاف المادي للأقاليم والمناطق الإفريقية، والتي تحققت فيها المساعي الفرنسية بواسطة الغزو العسكري، وبإقامة الحاميات والقلاع والموانئ، ومن ثَمّ التوغل نحو الداخل والعمق الإفريقي بالتدريج طيلةَ القرنَيْن 18 و19م[4].

ولم يكد القرن العشرون يحلّ حتى انتقلت السياسة الفرنسية بإفريقيا إلى مرحلتها التالية، وهي السيطرة على العنصر البشري وتطويعه واستغلاله. وكان من أبرز الوسائل التي استعانت بها، إلى جانب تواصل مهام المستشرقين، هو الاعتماد على المُنصِّرين، وإعادة تفعيل دَور الكنيسة المسيحية الكاثوليكية، متخذةً شعار «الوحدة تحت لواء الصليب».

دواعي الاهتمام بإفريقيا:

يمكن الإشارة إلى أنّ دواعي اهتمام فرنسا بإفريقيا- كما سبق القول- ظلّت قائمةً على عدّة جوانب أساسية؛ مثّلت الأرضية في نشاطها بها طيلةَ قرونٍ متواصلة، ولعلّ من أبرز تلك الأهداف ما يأتي:

1- توطدت الصلات بين الشرق وإفريقيا بصفةٍ عامّةٍ وفرنسا بواسطة النشاط التجاري، وعن طريق تبادل السفراء والقناصل أحياناً، وتوالي الرحلات الفرنسية، ثم احتلال الشمال الإفريقي وحملة نابليون على مصر، والتي حدّدت العلاقة الجديدة بين الشرق والغرب، إضافةً إلى النفوذ الفرنسي في سوريا ولبنان، وفي هذا الصدد يقول الباحث محمد محمد حسين: (إنّ الحافز الأساسيَّ لتكوين الإمبراطورية الاستعمارية الثانية هو- في اعتقادنا- حافزٌ أدبيٌّ لردّ اعتبار فرنسا؛ فغزو الجزائر سنة 1830م كان ردَّ فعلٍ متوقّعٍ لفقدان فرنسا جزءاً من مستعمراتها فيما وراء البحار، ثم لهزيمة نابليون سنة 1815م. وغزو تونس سنة 1881م كان ردَّ فعلٍ لهزيمة نابليون الثالث سنة 1870م. ونجد انعكاس هذه الروح في عبارات التفاخر التي كانوا يطلقونها على إمبراطوريتهم، فَهُم تارةً يسمّونها «فرنسا ذات المائة مليون من السكان»، وتارةً «فرنسا الممتدة في بقاع العالم الخمسة»، وتارةً «فرنسا العظمى». وكان الرأي العام الفرنسي يقاوم بكلّ قوة منح الاستقلال للمستعمرات؛ ظنّاً أنه إذا لم تستمر فرنسا في مكانها بين الإمبراطوريات الاستعمارية؛ فسوف تنزل إلى دولةٍ من الدرجة الثانية أو الثالثة)[5].

2- القرب الجغرافي بين فرنسا والقارة الإفريقية، والحفاظ على المكتسبات السابقة المتمثّلة في مستعمراتها بالشمال الإفريقي (الجزائر ثم تونس، وموريتانيا والمغرب الأقصى لاحقاً)، فكان من الحتميّ ربط تلك المستعمرات في الشمال والجنوب بعضها ببعض؛ وفق أنظمةٍ مدروسة، كان للاستشراق الدَّور الأبرز في وضعها وتهيئتها.

3- غِنَى القارة الإفريقية الاقتصادي بالموارد الخام، وتوفّرها على طاقةٍ بشريةٍ مهمّة، من شأنها سدّ الحاجة إلى اليد العاملة الرخيصة، ومَثَّل نظام الرِّق والعبودية طريقاً ميسوراً ضمن التجارة الثلاثية بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا؛ مكّن هؤلاء من إنعاش أسواقهم، ودعم تجارتهم.

4- التأثير في الرأي العام الداخلي بفرنسا وخارجها، وإقناعه بجدوى تلك الجهود الاستشراقية ما دامت ستكفل رفاهية الفرد والمجتمع الفرنسي.

مرتكزات الاستشراق الفرنسي بإفريقيا:

إنّ عمل الاستشراق الفرنسي لم يكن متيسّراً؛ لولا تضافر الجهود الرسمية وغير الرسمية لإنجاح المشروع الكولونيالي الفرنسي في المنطقة، وإحكام القبضة على خيراتها. وكانت مرتكزات العمل الاستشراقي بإفريقيا قائمةً على عدّة مستوياتٍ متكاملة الأداء والمسؤوليات؛ تمثّلت أساساً فيما يأتي:

1) توظيف الحركة العلمية «التفوقية»:

لقد لجأت فرنسا مباشرةً، بعد انتشار المدّ الثوري ابتداءً من سنة 1789م، واستقرار أنظمتها السياسية المتعاقبة، إلى محاولة اللَّحَاق بالركب العلمي في أوروبا، وأبدت الاهتمام بأنواع البحوث المختلفة، ومنها على الخصوص تلك التي تندرج بصفةٍ مباشرةٍ باهتماماتها الراهنة في المستعمرات (مثل: البحوث الطبية والأنثروبولوجية، والجغرافية، والأثرية، واللسانية، والنفسية، والسوسيوثقافية.. وغيرها)، وبالطبع فإنها حاولت توجيه تلك الجهود إلى ما يخدم سريعــاً مصالحها، ووفق الأيديولوجية المناسبة التي اقترحتها قبلاً الفئات المستشرقة من الضباط العسكريّين والمحقّقين وآباء الكنيسة وغيرهم[6].

إنّ المدخل الأساسي للاستشراق الفرنسي بإفريقيا تمثّل في مواكبة منحى تلك النظريات العلميّة «الوهمية»، التي مفادها إثبات تفوّق الإنسان الأوروبي أو الأبيض، وإبراز مدى تحضّره ونقاوة أصله أمام الأجناس الأخرى، وباتت المهام الحضارية المنتظرة للقوى الأوروبية أكثر من ضروريّةٍ في الأوساط الإفريقية؛ التي باتت جاهزةً تماماً للعمل بعد مرورها بمراحل التدجين والتطويع.

وقد حرصت فرنسا على إثارة وتبنّي هذا المبدأ العنصري المقيت؛ فوجّهت الدراسات الاستشراقية المختلفة إلى إيجاد الفوارق العِرْقية والأنثروبولوجية، وغيرها، بين الأوروبيّين والشعوب الإفريقية[7]، واستمرت هذه الأفكار إلى غاية اليوم، حتى في ظلّ حصول مستعمراتها على الاستقلال السياسي، حيث عانت منها عدة دول، ولم يكن من الهيّن التخلُّص منها، والنماذج في هذا الإطار أكثر من أن تُحصى.

2) مبدأ التأريخ لإفريقيا الجديدة (إفريقيا المسيحية):

في إطار مبدأ التبرير الذي باتت الحكومات الفرنسية تُشرف عليه في مستعمراتها الإفريقية، ويندرج ضمن المساعي الاستشراقية؛ كتب الفيلسوف دافيد هيوم David Hume فقال: «إنّ إنسان إفريقيا لا يملك شيئاً من الصناعات والعلوم والفنون»، وقال المفكر ترولوب[8] A. Trollope في السياق ذاته موضحاً: «أنه (أي: الإفريقي) لا يعرف شيئاً يقرّبه من الحضارة التي يعيشها زميله الإنسان الأبيض، الذي يقلّده كما يقلّد القردُ الإنسان»[9].

 أما الفيلسوف المعروف أرنولد توينبي Arnold Toynbee[10]؛ ففي دراسته لنشوء الحضارات وتطوّرها، وتحديده لإسهامات الشعوب فيها؛ فإنه أعطى الإنسانَ الإفريقيَّ صفراً، مستنداً في ذلك الترتيب إلى العوامل العِرْقية، حيث قرّر أنّ «الإنسان الأبيض» هو الأذكى، و«الإنسان الأسود» يمثّل الغباء الكامل، ويقع في الوسط باقي الشعوب الصفراء والحمراء والسمراء، ولكن بنسبٍ تقلّ عن إسهامات الرجل الأبيض، وتفُوق مستوى الإنسان الأسود[11].

عكف المستشرقون الفرنسيون على دراسة الإسلام في إفريقيا تحت مفهوم «الإسلام الأسود»، فتعمدوا إبراز المظاهر الوثنية عند بعض الأفارقة؛ دحضــاً للمظاهر الإسلامية المتوغلة في ثقافتهم

وظهرت تفسيراتٌ أخرى مكمّلة: إمّا وفق مبدأ جغرافيّ أو مناخيّ أو غير ذلك، ولكنها كلّها هدفت في النهاية إلى تسويق تلك الصورة السالبة عن إفريقيا؛ لكي تُسوّغ حملاتها الاستعمارية المسعورة، وتعطي لنفسها صورة المنقذ أو السيد «المسيح» الأوروبي، الذي يخاطر بحياته، ويضحّي بنفسه مقتحمــاً الأدغال الإفريقية، من أجل إنقاذ تلك «الكائنات» الحية. وهناك مَن رأى أنّ «الإنسان الإفريقي» قد ظلّ مكانه في وحشيّته البُدائية القديمة، حيث كان يرى موكبَ التاريخ يمرُّ أمامه عبر قرونٍ لا حصر لها، وهو ذاهلٌ لا يفقه ما يرى ولا يُدركه[12].

واستمرت هذه الدعاوى الغربية المُغرضة في العمل، وهذا ما كان يبدو أنه يعطي الأحقية للأوروبيّين في الاستحواذ على تلك المناطق الإفريقية، ولكنهم في ذلك كانوا يتناسون كلّ تاريخ تلك الشعوب وحضارتها، ويُسقطونها من الإسهام في الزّخم والتراكم الحضاري، وخاصّةً بالنسبة للدول والممالك الإفريقية التي اعتنقت الإسلام، وجمعتها روابطُ عديدةٍ بالعالم الإسلامي خلال فتراته الذهبية.

وبدَوره أشار المفكر بازل ديفيدسون إلى عملية استغلال مسألة التأريخ للعنصر البشري الإفريقي، وهي إشكاليةٌ لا تزال قائمةً في ظلّ تجاهل الغرب للمراحل السابقة لحضوره بالقارة؛ فقال عن ذلك: (إنّ مخططات التاريخ الإفريقي، حتى عهدٍ قريب، ظلّت فارغةً جرداءَ مضللةً كخرائط الجغرافيا في القرن 19م، ولكنّ المُؤرّخين وعلماء الآثار شرعوا يعلموننا الكثير، وأضاؤوا لنا مصابيح منيرةً تلمع فوق المخطوطات التاريخية، وهكذا اختفت من أذهاننا تلك المخلوقات الإفريقية التي قيل لنا: إنّ رؤوسها تنمو تحت أكتافها العارية! ولم يعد أحدٌ يؤمن الآن بأنّ القارة كانت مأوًى للسحالي ذات الشعور والذقون... حلّت محلّ هذه الصّور الخيالية صورٌ أخرى للإنسان بعظمته وحضارته، وبدأنا نُدرك أنّ إفريقيا- كغيرها- كانت مأواه؛ عاشَ فيها كالإنسان في كلّ مكانٍ صغيراً حينــاً وكبيراً أحياناً، شُجاعاً وجبانــاً؛ مزيجــاً من القوة المروّعة والضعف الخائر)[13].

3) «الغاية تبرر الوسيلة» شعار الاستشراق:

كثيراً ما شاع تداول عبارة «فرق تسد» على أنها لسان حال الإدارة الاستعمارية الفرنسية، وبالفعل فإنّ الدراسات الاستشراقية بصفةٍ عامّةٍ ركزت في محاولة إيجاد الخصوصيات المفرّقة بين الشعوب المستعمَرة، والفوارق الإثنيّة واللغوية التي من شأنها إعلاء شأن البعض وإذلال الطرف الآخر. وكان من الواضح أنّ مخططات الحكومة الفرنسية تتجسّد تدريجيّاً بكلّ الوسائل المتاحة، وأنها قد تعرفت على القبائل والواحات والمسالك والآبار واللهجات والنباتات وغيرهم[14].

ولم يكن عسيراً أن يَتمّ توظيف كلِّ تلك المعارف والمخطوطات التي جمعها وترجمها وحقّقها المستشرقون- كما سبق القول-، وتكاثفت الجهود خاصّةً بعد إنشاء «مدرسة اللغات الشرقية» بباريس منذ منتصف القرن 17م[15]، والتي اهتمت بتزويد السُّلطة متى ما شاءت بالكفاءات البشرية المطلوبة في مجال الترجمة والتحقيق واللغات وغيرها، وقد عملت دومــاً بالمبدأ المكيافيللي الشهير، وذلك على جميع المستويات.

ومن جهةٍ أخرى؛ تَمّ استحداث إداراتٍ محليّة تشرف على المهام ذاتها في كلّ بلدٍ من أقطار المستعمرات الفرنسية؛ وُضعت تحت تصرّف القادة العسكريّين والمجموعات المختلفة من الموظفين، وكذا بعناية المستشرقين من المترجمين والخبراء اللغويّين والسوسيولوجيّين وعلماء الأنساب والخطوط والرسوم وغيرهم[16]. كما استحدثت اللجان العلمية المختلفة والجمعيات والمجلات المتخصّصة، ولعلّ أبرزها «مجلة العالم الإسلامي» التي لعبت دَوراً فاعلاً في مجال الدراسات الاستشراقية، واعتُبرت بوابة العالم الغربي نحو العالم الإسلامي[17].

4) التعليم الممنهج ونشر اللُّغة الفرنسية:

لقد كان للتعليم دَورٌ أساسيٌّ وفاعلٌ في تسهيل أداء الكولونيالية، خاصّةً أنه كان تعليمــاً مدروســاً من حيث الأساليب والطرائق والوسائل والشريحة المستهدفة التي يعنيها، ويمكن توضيح ذلك الهدف اختصاراً في الحصول بكلّ الطرق على نُخَبٍ أهليةٍ مواليةٍ قلبــاً وقالبــاً للمستعمر، تُناط بها مهامّ الوساطة والتأثير على إخوانها، ولذلك باشر المستشرقون بدراسةِ التراث الشعبيّ في المناطق المستعمرة، وأتقنوا اللغات واللهجات المحلية، واندمجوا بشكلٍ كافٍ في هذه الأخيرة، ومنهم مَن تزوّج منهم، أو اعتنق دينهم[18].

بالإضافة إلى أنّ التعليم قد أرسى قواعد «اللُّغة الفرنسية» لدى هؤلاء، وباتت اللُّغة الرسمية التي لا تحظى بمنافس، وأوجدت الهيئات الحكومية الفرنسية المختلفة عدّة أشكالٍ لتفعيل استعمالات اللُّغة.

ولا تزال إلى اليوم رابطة «الفرنكوفونية» تحاول جاهدةً أن تحافظ على قوّتها ووجودها أمام التوسّع الشاسع للغة الإنجليزية، وتكمن خطورتها في السّعي لفصل الأفارقة عن كلّ ما يربطهم بماضيهم وحضارتهم، وتكريس ارتباطهم بالثقافة والحضارة الفرنسية، فقد وجدت الإدارة الفرنسية نفسها أمام تحدّياتٍ خطيرة؛ اقتضت بذل الجهود كافّةً لمواجهتها دون تباطؤ؛ في الوقت الذي سعت فيه لِسَحْق اللغات المحلية في العمق الإفريقي، لتجعلَ من لغتها لغةً سائدةً لا بديل عنها[19].

وأصبحت ترصد الجوائز والميزانيات الضخمة للترويج للفكر الفرنكفوني والرؤى الغربيّة المتطرفة؛ عبر الفنون الأدبيّة المختلفة، وخصوصاً في الشعر والرواية والقصة والسينما والمسرح[20]. علمــاً أنّ نشاطها لا يقتصر على تحدي الإسلام وحدَه، بل إنها ظلّت تسعى لنسف ما كان يُعرف بأدب ما بعد الكولونيالية بأكمله، كما أنّ الفرانكفونية هدفت للقضاء على حركة معاداة الفرانكفونية في جميع الميادين[21].

والجدير بالذكر؛ أنّ بعض المستشرقين القلائل قد التزموا بالموضوعية في أبحاثهم ودراستهم؛ بل خدموا العلوم في سياقها الإسلامي الإفريقي، وكانوا من أشدِّ المعارضين للأفكار الاستشراقية الاستعمارية، منهم المؤرخ هيكست صاحب الدراسات الرائدة عن الإسلام بنيجيريا (منها: سيف الحق "حياة الشيخ عثمان دان فوديو وزمانه")، وكذلك موراي لاست في كتابه (الخلافة الصكتية)، وهونيك رائد التاريخ الصونغائي، ومن أهمّ كتاباته (حركات الجهاد في القرن 9م)، و(ألف عامٍ من تاريخ غرب إفريقيا)[22].

وبالعودة لدَور المستشرقين الفرنسيّين في عملية إعادة ترسيخ الوعي بأهمية حضور الإنسان الأوروبي؛ نجد أنهم ساهموا بطريقةٍ ما في تكريس البُعد البراغماتي في السياسة الفرنسية تجاه إفريقيا، وبالخصوص في مجال التعليم الممنهج، حيث عبّر المستشرق الفرنسي ألفرد لوشاتلييه Alfred Le Chatelier: (إنه ينبغي لفرنسا أن يكون عملها مبنيـّـاً قبل كلّ شيءٍ على قواعد التربية العقلية؛ ليتسنّى لها توسيع نطاق هذا العمل والتثبّت من فائدته. ويجدر بنا- لتحقيق ذلك بالفعل- أنْ لا نقتصر على المشروعات الخاصّة التي يقوم بها الرهبان المبشِّرون وغيرهم بها.. وأنا أرجو أن يخرج هذا التعليم الى حيّز الفعل ليبثّ في معتنقي دين الإسلام التعاليمَ المستمدّة من المدرسة الفرنسية)[23].

5) التنصير وأدواته:

مثّلت الحملات التنصيرية المتواصلة، التي جابت أنحاء القارة الإفريقية، ركيزةً أساسيةً في عمل المستشرقين الفرنسيّين، وذلك لأنّ الدين لطالما اعتُبر موضع التأثير والإخضاع. ولم يكن غريباً وجود تقاطعٍ وظيفيٍّ في أداء المؤسّستَيْن؛ مع ملاحظة أنّ أية صعوبات محتملة كان يتمّ تجاوزها بعد استنفاذ وسائل العمل التنصيري المتعددة: من تعليمٍ خاص، ومساعداتٍ اجتماعية، والتزاماتٍ مجانية، لترقية واقع الأفارقة.. وغيرها[24].

حقّقت السياسة الاستعمارية الفرنسية «التغريبية» أهدافها لدى فئةٍ معتبرة من الشباب الإفريقي، فألحقت الفساد بعقولهم، وملأتها بالأفكار والعُقد الشاذة، فأصبحوا مسلوبي الهُوِيّة

 إنّ النزعة الدينية التنصيرية للاستشراق الفرنسي؛ كانت سمةً واضحةً حتى بين مستشرقي العصر الحديث، فلم يستطيعوا التخلُّص منها، وعُرف بها أبرز أعلام الاستشراق الفرنسي: من (بيربروجر)، إلى (دو ساسي)، ثم (لويس ماسينيون). وقد قيل عن عمل «شيخ المستشرقين» المحدثين (سلفستر دو ساسي) أنه قد غلبت على مواقفه النزعة التنصيرية، و «أنّ عمل "دو ساسي" قد وَفّقَ بين طريق العالم وطريقة المعلّم المقدس»، وسار على خطاه المستشرق المعروف (لويس ماسينيون)، والذي عبّر عن المضمون ذاته بقوله: «... إنّ الطلاب الذين يأتون إلى فرنسا يجب أن يُلوَّنوا بالمَدَنِيّة المسيحية»[25].

6) البحث الأنثروبولوجي والتراثي:

اتجه الباحثون كذلك إلى دراسة تاريخ الإسلام بإفريقيا، وتاريخ الممالك العظمى بها، وعمدوا إلى تشويههما، ومن ذلك: القول بأنّ الدين الإسلامي دينُ بلاطٍ لا يتعدّى مجموعةً من الطقوس؛ إذ وُضع في خدمة الملوك والمشايخ من جهة، ومن جهةٍ أخرى أنه لا يتعدّى ممارسةَ طقوس السحر والشعوذة؛ ليتغلغل في العمق الفكري والثقافي لهذه الشعوب[26].

وعكفوا في الوقت نفسه على تشويه تاريخ الممالك الإسلامية وزعمائها؛ ولاسيما الممالك التي رفضت الأفكار الغربية والانقياد لإرادة الاستعمار، فوصفوها بأوصافٍ طائفيةٍ قَبَلِيّة، فالخلافة الصكتية التي أسّسها عثمان دان فوديو ما هي في نظر هنريث بارث إلا تمرّدٌ عرقيٌّ من لدن الفولبي ضدّ هيمنة الهوسا، وفي رأي هوغين في كتابه (الإمارات المحمدية بنجيريا) على أنها ثورة تخريبية قام بها الفولاني، وهي في نظر بوفيل عبارةٌ عن صراعٍ عرقيٍّ سياسي[27].

كان الأدب والفنّ حقلاً خصبــاً للدراسات الاستشراقية الفرنسية، ويظهر عمق التناغم بين تلك الدراسات والمشروع الإمبريالي- مثلاً- في ظهور حقلٍ دراسيٍّ حديثٍ باسم الأدب الاستعماري، حيث صرّح بعض رواده بالهدف الاستعماري المتوخّى منه، وأكّدوا أنه «تضمّن قيمةً إثنوغرافية معبّرة عن نفسيات الأعراق في المجال الاستعماري، وتلك معرفةٌ ملزمةٌ لهيمنتنا»[28].

ويظهر البعد الاستشراقي الكولونيالي- أيضاً- في الاهتمام الشديد بالأساطير والقصص، حيث أظهروا ملامحها الوثنية، وكان القساوسة قد عكفوا على جمع الحكم والأمثال والأشعار الإفريقية، وعملوا على إدراجها في الدروس المسيحية. كذلك فإنهم تفانوا في دراسة اللغات الإفريقية، ووضع قواميس لكلماتها، وكتابتها بحروفٍ لاتينية، وترجمة الكتاب المقدس إليها، والكلُّ كان يصبّ في خدمة المشروع الاستشراقي الاستعماري[29].

7) الاستنزاف المادي بدعوى نشر الحضارة:

لا يمكن فصل علاقة الاستشراق بالاستعمار، سواء في إطارها الأوروبيّ العام أو الفرنسيّ الخاص، وعن المحيط الاجتماعي والسياسي والجغرافي والقومي والتاريخي والثقافي: «فالاستشراق والاستعمار الفرنسيّ هما أبناء وطنٍ واحدٍ ومجتمعٍ واحدٍ وثقافةٍ واحدةٍ وتاريخٍ ومصيرٍ واحد؛ يعكسان تفوّق فرنسا، فمصلحتهما مشتركة». والأمر ينطبق على الاستشراق والاستعمار الأوروبي؛ إلا أنّ الاستعمار والاستشراق الفرنسيّين كانَا أكثر تحالفــاً وانسجامــاً ودقّةً في استراتجيتهما المشتركة، وأكثر خطراً وتهديداً في أهدافهما، وأكثر استعماريةً من غيرهما «... فالعلاقة بينهما كانت عضويةً جسداً وروحــاً»[30].

وبناءً على هذا؛ فقد راهنت فرنسا على مستشرقيها وعلى أدوارهم، كما بالقدر نفسه على جيوشها العسكرية، بل كانوا في طليعة الجيوش أدلّاء يقودونها ويراقبونها، ومرافقين لحملاتها، مقدّمين لها الخدمات والخبرات والمعلومات الضرورية، فقد اعتُبر المستشرق «الخبير المدرّب والمجهّز تدريبــاً وتجهيزاً خاصَّيْن أبعاداً إضافية، وكان يمكن اعتبار المستشرق العميلَ الخاصّ للقوة الغربية»[31].

إنّ الاستشراق واحدٌ في شكله العام، وفي منطلقاته الغربية، وله الأدوار الثقافية نفسها، وهو في الوقت نفسه يختلف من دولةٍ إلى أخرى، وتوجد فيه استشراقاتٌ عديدة؛ فالاستشراق الفرنسي يختلف عن نظيره السويدي والأمريكي والإنجليزي وهكذا، وهو مختلفٌ من عصرٍ لآخر. وما تجدر الإشارة إليه: أنّ استخلاص خصائص كلّ مدرسة استشراقية؛ يوجب على الباحث التطرق بالتفصيل وبيان إنتاج تلك المدارس، وتأصيلها تاريخيّاً، وتتبّع تطوّرها، وبيان خصائص منهجيةِ كلٍّ منها[32].

إنّ خصوصية الاستشراق الفرنسي لا ترجع لطبيعة الفرنسيّين، ولا تعود لموضوعٍ استشراقيٍّ اختصّوا به عن غيرهم، أو لعصرٍ سادوا فيه؛ لكنّ الأمر عائدٌ لموقعهم الجغرافي المجاور للإسلام، وكذلك سياسة فرنسا الثقافية المهيمنة وأهدافها الخاصّة المتبّعة في المنطقة في القرنَيْن الأخيرَيْن خاصّة[33].

ويمكن إجمال الخصائص المميزة للمدرسة الفرنسية في مجموعة النقاط الآتية:

- تميّز الاستشراق الفرنسي في مجمل توجهاته بالطرح التاريخي الفيلولوجي، وروحه الصليبية التنصيرية، وأهدافه الاستعمارية، ووصايته وهيمنته الثقافية[34].

- أولى الاستشراق الفرنسي أهميةً بالغةً باللغة العربية وفقهها ونحوها وآدابها، وبرزوا في هذا المجال بروزاً واضحاً، الأمر الذي ظهر في إنتاجهم ومؤلفاتهم في هذا المجال، وأضحت مجال تخصّص العديد منهم من أمثال المستشرق بوستيل POSTEL[35].

- إنّ إجراء مقارنةٍ بين الاستشراق الفرنسي والأوروبي؛ يخلص إلى خاصّيةٍ مهمّة تُميّز الاستشراق الفرنسي عنه، وهي الاهتمام والتركيز على الخصوصية الثقافية والهُوِيّة الوطنية ومهاجمتها، والاهتمام بالمواضيع العامّية واللهجات المحلية والعادات والتقاليد والتمايز الثقافي بين السكان وبين الجهات والأقاليم والقبائل والطوائف[36].

- إنّ ما ميّز الاستشراق والمستشرقين الفرنسيّين بالخصوص في الغالب تعصُّبهم الشديد ضدَّ الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم، والاهتمام بالتاريخ الروحي للتاريخ الإسلامي، وهو ما يؤكده العديد من الباحثين، إذ إنه من النادر أن نقرأ لمستشرقٍ فرنسيٍّ شيئاً طيّبــاً عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، أو يدرسه دراسةً موضوعيةً بعيدةً كلّ البُعد عن الذاتية والتعصُّب الديني، وإن حدث وقال شيئاً حسنــاً عنه وعن الإسلام؛ فإنه يتحفّظ في أقواله تحفّظــاً ملاحظــاً!

- ضمّ الاستشراق الفرنسي في صفوفه الكثير من الضباط العسكريّين، فكان العديد منهم مجنّدين في جيوش الاحتلال الناطقين باسمه بين السكان، فالعلاقة الوطيدة بين الثلاثي: (الاستشراق والاستعمار والإمبريالية) هي علاقةٌ فكريةٌ وثقافيةٌ وروحيةٌ ونفسية، وهي خاصيةٌ امتاز بها المستشرقون الفرنسيّون عن المستشرقين البريطانيّين- مثلاً-[37].

- تُعدّ فرنسا أول دولةٍ أوروبيةٍ تتواصل مع العرب المسلمين؛ بالرغم من أنّ بدايات التواصل كانت «تلقائية» بطيئة، تمّت على يد أفراد حرّكتهم الرغبة والفضول في تعلّم لغة العرب والمسلمين وعلومهم، وبعض أوجه الحضارة الناشئة والمتصاعدة بسرعةٍ على الحدود الفرنسية، فقوّة الدولة الإسلامية في الأندلس وحداثة حضارتها وريادتها وقربها الجغرافي منها شكّل حافزاً مشجّعاً بل مغريـاً للاحتكاك بها والنهل منها[38].

معالم الدراسات الاستشراقية الفرنسية في إفريقيا:

يمكن تحديد أهمّ معالم الدراسات الاستشراقية الفرنسية في إفريقيا بدايةً؛ في أنّ الدّين الإسلامي كان قد حظي باهتمام الدراسات الاستشراقية الفرنسية؛ لكونه الدين المنتشر بكثافةٍ في أغلبية مستعمراتها جنوب الصحراء؛ الأمر الذي أكده الحاكم العام الفرنسي لمستعمرة السنغال (ويليام بونتي) بقوله: «إنّ من واجبنا دراسة المجتمع المسلم في مستعمراتنا بكلّ تفاصيله... سوف نجد في هذه الدراسة الأسس الثابتة والتوجهات الأكثر ملائمة لخططنا وقراراتنا تجاه المسلمين»[39].

 وبناءً على هذه التوصيات وغيرها؛ عكف المستشرقون الفرنسيون على دراسة الإسلام في هذه البقاع تحت مفهوم «الإسلام الأسود»، وهو مصطلحٌ أطلقه الباحث بول مارتي، وملخصه: «أنّ الإسلام بإفريقيا ينتمي إلى الرؤية الإفريقية التقليدية والعادات والديانة الإفريقية القديمة؛ أكثر من انتمائه إلى الأصل المعروف المتوارث من الجزيرة العربية، وهذه الاختلافات– بزعمهم- عميقةٌ واسعةٌ في العقائد والعبادات والمعاملات، وفي الرؤية الكلية عن الكون والحياة»[40].

وتأكيداً لتلك الفكرة السابقة عن الإسلام (الأسود)؛ عكف المستشرقون على إبراز المظاهر الوثنية عند بعض الأفارقة؛ دحضــاً للمظاهر الإسلامية المتوغلة في ثقافتهم، فعلى سبيل المثال: قام الباحثان غريول وجيرمين بدراساتٍ مستفيضة عن علوم الفلك والكونيات عند مجموعة «دوغون» (المتواجدة شرق مالي)؛ متحاشيــاً الإشارة إلى «بانجاغارا» الإسلامية الواقعة وسط بلاد «دوغون»[41].

كما أنّ من مظاهر الغزو الثقافي المنظّم على الإسلام، التي حمل لواءها المنصِّرون والمستشرقون في المنطقة، هو محاربة الأسماء العربية، حيث توجد هذه الأسماء بكثرة في بلاد يوربا، وهي أسماءٌ تتصل بأسماء الآلهة التي كانوا يعبدونها قبل إسلامهم مثل: أوغن وشنغو، ولم يتفطن لهذا الأمر كثيرٌ من العلماء؛ بل تبعهم في ذلك بعض المسلمين المثقفين[42].

وما تجدر الإشارة إليه: أنه لا تزال توجد في غرب إفريقيا- إلى يومنا هذا- ألقابٌ ترادف أسماء معيّنة، وقد أجاز العلماء منها ما كان خاليــاً من العيوب ومن أسماء الجاهلية، في اللغة الفلانية، أمثال: (بلو وثنيو وغطاطو) من أسماء الرجال، و (غوغو ونانا) من أسماء الإناث[43].

وفي الوقت نفسه؛ عمل هؤلاء المستشرقون على إبعاد سكان تلك المناطق عن كلّ ما يربطهم بأصلهم، ومحاولة هدم ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم؛ فتغيرت الأواني الإفريقية إلى أوروبية؛ بل تغيّرت حتى ألعابهم التقليدية (مثل: لعبة التماسيح، وقفز النعاج، وسباق الخيل)، والتي كانت تعبيراً عن روح هذه الشعوب البريئة والسمحة[44].

وتمّت الاستعانة ببعض القادة العسكريّين والإداريّين الذين عملوا بمناطق استعمارية أخرى، وتَمّ نقلهم إلى إفريقيا لتطبيق السياسة العنصرية، واحتواء المسلمين عبر زعماء الدين ومشايخ الصوفية والطبقة المثقفة والمؤثّرة؛ ونجد منهم- مثلاً- كُلّاً من «كابولاني» و «دوبون» وآخرون[45].

خاتمــة:

في الختام.. يمكن القول بأنّ هذه الدراسة المقتضبة؛ قد هدفت بالأساس إلى محاولة نفض الغبار عن أحد الموضوعات المميزة والمهمّة في تاريخ القارة الإفريقية، التي لا تزال تراوح مكانها بين مظاهر الفقر والأوبئة والتخلُّف والمجاعات وغيرها، ولا تزال حكوماتها تتغنّى حينــاً بالنضال التحرري ضدّ الاستعمار، وذلك برفع شعارات مناسباتية برّاقة، وبين محاولة إيجاد حلولٍ براغماتية للتعايش مع الواقع المرير لمواطنيها تارةً أخرى.

ولعلّ أبرز النتائج والتوصيات المطروحة في هذا الصدد هي: ضرورة إعادة كتابة التاريخ الموضوعي للقارة الإفريقية وفق البحوث والدراسات الرصينة؛ التي تبتعد عن أن تكون مجرَّد أداةٍ تستحضر آليات الاستعمار وأذنابه، وكذا التصدي لكلّ محاولات تشويه الدين الإسلامي، الذي أكّد بعضهم- تضليلاً- اختلافه عن الإسلام الأول (بالجزيرة العربية)، ووصفه بـ«الإسلام الأسود».

نجح الاستشراق الفرنسي في دراسة كلّ مقوّمات الشخصية للشعوب الإفريقية، من لغةٍ وعاداتٍ وتقاليد، سعياً لفصلهم عن ماضيهم وحضارتهم، ولتكريس إدماجهم بالثقافة والحضارة الفرنسية الغربية. ولذلك بات من الضروري إعادة النظر- بدقّةٍ وحياديةٍ- في ذلك التراث الذي خلّفه المستشرقون، والعمل على مراجعته وتحقيقه من جديد وتصحيحه بأقلامٍ إفريقيةٍ وطنيةٍ جادّة، ووفق نمط مدروسٍ ومؤسس.

لقد حقّقت السياسة الاستعمارية الفرنسية «التغريبية» أهدافها لدى فئةٍ معتبرةٍ من الشباب الإفريقي، فألحقت الفساد بعقولهم، وملأتها بالأفكار والعُقد الشاذة، فأصبحوا مسلوبي الهُوِيّة.. لا هُمْ حافظوا على أخلاقهم ومقوماتهم؛ ولا استطاعوا أو سُمح لهم بالاندماج في المجتمع الفرنسي، وهو بيت القصيد في السياسة الاستشراقية الفرنسية.

ولذلك توجّب التركيز على التوعية والتعليم الخاصّ، الذي يستهدف تعزيز قيم الهُوِيّة والقومية، ويغرس من جديدٍ الروح المكافحة في سبيل التحرر الفكري والنفسي من عُقد النقص أمام الآخر.

تفطَّن المستشرقون لأهمية التاريخ في حياة الشعوب؛ فسعوا إلى تشويه تاريخ الممالك الإسلامية وزعمائها في إفريقيا. وقد شكّل الأدب والفنّ وغيرهما مجالَيْن خصبَيْن للدراسات الاستشراقية، حيث اهتموا بالأساطير والأمثال والحكم وأدرجوها في الدروس المسيحية.

ولذلك أيضاً لا يزال موضوع الاستشراق الأوروبي في إفريقيا جنوب الصحراء حقلاً خصبــاً للبحث والدراسة، وخصوصاً أنه لم يحظ إلى يومنا هذا بالاهتمام والانتباه من قِبَل الباحثين العرب، حيث ما زالت الدراسات عنه شحيحةً وقليلةً إذا ما قورنت بنظيرتها المتعلقة بالاستشراق الأوروبي في المشرق الإسلامي مثلاً.

[1] انظر مثلاً: إدوارد سعيد: الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة. محمد عدناني، دار رؤية للنشر، القاهرة، 2006م، ص110.

[2] المبروك المنصوري: الدراسات الدينية المعاصرة من المركزية الغربية إلى النسبية الثقافية: الاستشراق، القرآن، الهوية والقيم الدينية، الدار المتوسطية للنشر، تونس، 2010م، ص52.

[3] يرى الباحث الفرنسي روبير مونتران Robert Montran أنّ العقد الأخير من القرن الــثامن عشر الميلادي بمثابة الانطلاقة الحقيقية للدراسات الاستشراقية بفرنسا، وأنّ الاهتمام بالمؤلفات الشرقية حقيقةً قد بدَا واضحــاً في المصنف الشهير المعنون: (وصف مصر)، والذي صدر عن العلماء الذين رافقوا نابليون بونابارت في حملته على مصر، وكان البوابة الأولى للشروع في حركة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية.

انظر: يوهان فوك: تاريخ حركة الاستشراق: الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا حتى بداية القرن 20م، ترجمة. عمر لطفي العالم، دار المد الإسلامي، ليبيا، 2001م، ط02، ص125.

وكذا:

 Alfred Le Chatelier: La conquête du monde musulman, ed. Leroux, Paris, s.d, p.72-73.

[4] Fernand Rouget : L’expansion coloniale au Congo français, ed. Emile Larose, Paris , 1906.

[5] بسليح بوعلام: "الثقافة الإفريقية طموحات ومتطلبات"، مجلة الثقافة، العدد 96، (ديسمبر 1986م)، ص22.

[6] لتفصيل أكثر انظر: ألكسي دوتوكفيل: نصوص عن الجزائر في فلسفة الاحتلال والاستيطان، ترجمة وتقديم. إبراهيم صحراوي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2008م، ص51.

[7] إن توظيف العلم لخدمة الاستعمار الفرنسي؛ كان قد تجسّد تقريبــاً في كلّ المستعمرات، ولاسيما الإفريقية، واختلفت الأساليب فقط في كون أنها- مثلاً- تعاملت مع منطقة الشمال الإفريقي على أساس أنها كانت تابعةً في فتراتٍ تاريخيةٍ معيّنة للحضارة الغربية (أي إفريقيا اللاتينية)، وأنّ شعوبها من الأمازيغ البربر يتشابهون– علميــّاً- فعلاً مع الأوروبيين.

[8] (1815-1882م) كاتبٌ إنجليزي شهير، ألّف ما يزيد عن خمسين مجلداً.

[9] عبد الرحمان شلقم: إفريقيا القادمة: دراسة في الفن والأدب والتاريخ الإفريقي، منشورات اللجنة الشعبية العامة للثقافة والإعلام، ليبيا، 2008م، ط3، ص05.

[10] توينبي (1889- 1975م) من أشهر المفكرين والمؤرخين في القرن العشرين، من أبرز أفكاره في نظرية تفسير تاريخ الحضارات: هو وضعه الفوارق بين المُجتمعات البدائية والمتحضرة؛ وهذه الأَخيرة اعتبرها الأقلّ عدداً من الأُولى، فهي تبلغُ واحداً وعشرين مُجتمعاً، اندثَرَ مُعظمُها، ولم يبقَ غيرُ سبع حضارات؛ تمرُّ ستٌّ منها بدَور الانحلال، وهي: الحضارة الأُرثوذكسية المسيحية البيزنطية، والأُرثوذكسية الروسية، والإسلامية، والهندوكية، والصينية، والكورية-اليابانية؛ أمَّا السابعة (أي الحضارة الغربية) فلا يُعَرف مصيرُها حتَّى الآن. انظر لأكثر تفصيل: صدقي عبد الله خطاب: "أرنولد توينبي"، مجلة عالم الفكر، م05، 1974م، ص292.

[11] شلقم، المرجع السابق، ص06.

[12] نقلاً عن: شلقم، المرجع السابق، ص05.

[13] شلقم، المرجع السابق، ص08.

[14] انظر: أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار البصائر، الجزائر، 2007م، ج06، ط06، ص 39.

[15] وهي في الأساس مهد الاستشراق الفرنسي، حيث تأسست في البداية بغرض تكوين مترجمين باللغات العربية والفارسية والتركية، وأيضاً سفراء قادرين على العمل في الإمبراطورية العثمانية، أي أنّ مهمتها تمثلت في تدريس اللغات والحضارات الشرقية وما يتصل بها من علومٍ مكملة، ولكنها ما انفكت أن اعتنت أيضــاً باللغات الحية "ذات الفائدة المعترف بها للسياسة والتجارة، فأضيفت لغات جديدة، واندمجت مع مدرسة اللغات الشابة التي أسسها "كولبير" (J. B. Colbert) في عام 1669م؛ لتدريب المترجمين في عام 1874م. ولعل من أبرز وألمع خريجيها هو "أبو الاستشراق"- كما يلقب- "سلفستر دو ساسي" (S. De Sacy). انظر: سعد الله، المرجع السابق، ج06، ص33.

[16] انظر: أبو القاسم سعد الله، المرجع السابق، ج06، ص11.

[17] La revue du monde musulman.

وهي مجلةٌ مهمّة، تأسست بالمغرب الأقصى، كان قد تولّى إدارتها المستشرق ألفرد لوشاتلييه، وأسست لرؤى الاستشراق المعاصر، وقد قدّم- مثلاً- مديرها رؤيته لمؤتمرٍ أسماه «غزو العالم الإسلامي»؛ ضمّنه خلاصةَ تصوّره لما يجب القيام به من قِبَل البعثات التنصيرية، وذلك في مؤتمر القاهرة سنة 1911م، وعالج ما أسفرت عنه الجهود المبذولة من أجل قيام إعلامٍ متعدّد الجنسيات لدراسة العالم الإسلام. وقد قال عن ذلك: «في اليوم التالي للثورة العثمانية (سنة 1919م)؛ بدأ التطلع بالنسبة للإسلام لعصر نهضة اجتماعية، لكن قادة الحزب الليبرالي تناسوا برنامجهم بمجرد وصولهم للسلطة». انظر:

    Le Chatelier : "L’islam dans l’Afrique occidentale", Revue du monde musulman, N0 06, 1911, p255.

وانظر:

http://howiyapress.com/%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5%d8%a9-%d8%a2%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%ba%d8%b2%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a-1911%d9%85/

[18] هذا لا يعني أنّ التعليم الفرنسي قد مسّ كلّ أنحاء المستعمرات، وإنما خصّ مناطق محدّدة امتلكت القدرة على الاندماج والتأثر أكثر من غيرها، ونجد تقريبــاً في كلّ المستعمرات الفرنسية السابقة بعضَ الأسر والقبائل التي اشتهرت أبــاً عن جدٍّ بخدمتها وتفانيها في سبيل الاستعمار، وهي التي آلت إليها غالبــاً مقاليد الحكم لاحقــاً بعد الحصول على الاستقلال.

[19] بمبا، "الاستشراق ودَوره في المشروع الإمبريالي في غرب إفريقيا"، مجلة قراءات إفريقية، العدد 34، (ديسمبر 2017م)، ص96.

[20] بمبا، ص96.

 نفسه.[21]

 نفسه، ص97.[22]

[23] نقلاً عن: الطيب بن إبراهيم: الاستشراق الفرنسي وتعدد مهامه خاصة في الجزائر، مكتبة رحاب، الجزائر، 2001م، ص114.

[24] وفي المناطق ذات الجاليات المسلمة الكثيرة؛ كانت سياسة الاستشراق قائمةً على أساس هزِّ صورة الإسلام وتشويهها في نفوس معتنقيه، وتصوير «المسيحية» على أنها الملجأ الأفضل. انظر: الطيب بن براهيم، المرجع السابق، ص72. وكذا:

عمر فروخ ومصطفى الخالدي: التبشير والاستعمار في البلاد العربية، المكتبة العصرية، بيروت، ط05، 1973م ص63.

[25] نصري، المرجع السابق، ص110.

 بمبا، المرجع السابق، ص95.[26]

 المرجع نفسه.[27]

[28] مهدي صالح: "الفرنكوفونية ومستقبل الثقافة في إفريقيا"، مجلة دراسات إفريقية، العدد 17، 1997م، السودان، ص91.

[29] بمبا، المرجع السابق، ص96.

[30] ابن إبراهيم، المرجع السابق، ص (162-163).

[31] ابن إبراهيم، المرجع السابق، ص (177-178).

[32] ساسي، المرجع السابق، ص116.

[33] ابن إبراهيم، المرجع السابق، ص88.

[34] المرجع نفسه، ص89.

[35] ساسي، المرجع السابق، ص109.

[36]  ابن إبراهيم، المرجع السابق، ص314.

[37] الطيب بن إبراهيم، المرجع السابق، ص175.

[38] بن إبراهيم، المرجع السابق، ص (231-231).

[39] آدم بمبا: مرجع سابق، ص94.

[40] بمبا، المرجع السابق، ص94.

[41] المرجع نفسه.

[42] موسى عبد السلام مصطفى أبيكن: "الغزو الفكري الاستعماري على التراث العربي في غرب إفريقيا"، مجلة القسم العربي، العدد 21، 2014م، باكستان، ص89.

[43] موسى عبد السلام، المرجع السابق.

[44] الناصر عبد الله أبو بكرو: "مقومات الثقافة السنغالية: دراسة تطبيقية للإسلام والاستعمار"، مجلة دراسات إفريقية، العدد 25، 2001م، السودان، ص171.

[45] أحمد أمل محمد إمام: الإثنية والنظم الحزبية في إفريقيا (دراسة مقارنة)، د.ط، المكتب العربي للمعارف، مصر، 2015م، ص125.