الاتحاد الإفريقي وآليات دعم الحكم الرشيد في إفريقيا

  • 7 -1 - 2019
  • كوثر مبارك


كوثر مبارك

يُعدّ الاتحاد الإفريقي المنظمة الإقليمية الجامعة للدول الإفريقية، وتأتي نشأة الاتحاد بوصفها خطوةً استكمالية في طريق الوحدة والتكامل بين دول القارة الإفريقية، وفكرة إنشاء الاتحاد الإفريقي ليست بالجديدة، إنما هي إحدى صور الاستجابة للتطورات السياسية والعالمية وسياسات العولمة.

وقد جاءت فكرة الاتحاد الإفريقي، الذي تمّ إعلانه رسميّاً في 2002م، بعد أن أدت منظمة الوحدة الإفريقية الدّور المنشود منها، إذ كان لابدّ من وجود منظمة إفريقية تتسم بالمزيد من المرونة، وتحمل الكثير من الآليات للتصدي للتحديات التي تواجه القارة الإفريقية، على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان أحد الأهداف الرئيسة للاتحاد خلال نشأته هو: تحقيق الحكم الرشيد في بلدان القارة الإفريقية.

ويُعدّ الحكم الرشيد وإرساء دعائم الديمقراطية من أهمّ التحديات التي تواجهها القارة الإفريقية؛ بعد أن تحرّرت من الاستعمار الخارجي واستقلت بسلطتها.

ظهر مفهوم «الحكم الرشيد» لأول مرّة في الأدبيات الاقتصادية والإدارية، وتبنّت المؤسسات الاقتصادية العالمية- كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي- المفهوم، وتطور المفهوم وتعدّدت مجالاته، وانتقل إلى الحقل السياسي والاجتماعي، وبات واحداً من أهمّ القضايا الداعمة للاستقرار السياسي في البلدان النامية، وصار من أهمّ القضايا المطروحة على الساحة السياسية الإفريقية، وقد طُرح في بداية التسعينيات، وبالتحديد في «وثيقة كمبالا»، التي وُضعت في مؤتمر «الأمن والاستقرار والتنمية والتعاون في إفريقيا» الذي عُقد في عام 1991م، وجاء فيها: أنّ «الحكم الرشيد» أساس تحقيق الاستقرار.

ويعرّف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الحكم الرشيد بأنه: «ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة شؤون البلاد على كلّ المستويات، ويشمل الآليات والمؤسسات والعمليات، والتي من خلالها يعبّر المواطنون والجماعات عن مصالحهم، ويمارسون حقوقهم القانونية، ويوفون بالتزاماتهم، ويقبلون بالوساطة لحلّ خلافهم»[1].

وتهدف هذه الدراسة إلى البحث في دَور الاتحاد الإفريقي، بوصفه المنظمة الأمّ في إفريقيا، في دعم وإرساء الحكم الرشيد في إفريقيا. وتدور الدراسة حول عددٍ من المحاور الأساسية: القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، أجهزة الاتحاد الإفريقي ودَورها في دعم الحكم الرشيد، آليات دعم الحكم الرشيد، نماذج تطبيقية.

أولاً: القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي:

تُعدّ «قمة سرت»، المنعقدة بمدينة سرت في ليبيا عام 1999م، اللبنة الأولى لإنشاء الاتحاد الإفريقي، وقد جاء عقب انتهاء تلك القمة «إعلان قمة سرت»، الذي تضمّن عدداً من النقاط الأساسية، وهي: إقامة اتحاد إفريقي يضمّ ممثلين لكلّ الدول الإفريقية، الإسراع بإنشاء الجماعة الاقتصادية الإفريقية، وضع حدٍّ للنزاعات التي تقف في طريق التنمية والتكامل، المسارعة بإنشاء المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان، إنشاء لجنة لمراجعة ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية وإعداد النصّ القانوني للاتحاد الإفريقي[2].

من آليات دعم الحكم الرشيد، التي تسمح للاتحاد الإفريقي بالتدخل في شؤون الدول الأعضاء، لإعادة الأمن والاستقرار، أو دعم الحكومات الرشيدة: (المساعي الحميدة، والوساطة، وإرسال قوات حفظ سلام، ومراقبة الانتخابات)

وعلى الرغم من عدم ظهور مفهوم الحكم الرشيد في إعلان سرت؛ فإنّ روح المفهوم كانت حاضرةً في نصوص الإعلان، التي تري ضرورة حلّ النزاعات لتحقيق التكامل والتنمية، وذلك إدراكاً من القيادات الإفريقية أنّ الصراعات والنزاعات تقف عقبةً في تحقيق الحكم الرشيد، ومن ثَمّ التنمية، وتعيق التوسع في العلاقات الخارجية وتحقيق التكامل الإقليمي.

وتأكيد الإعلان للإسراع بإنشاء المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان؛ هو خير دليلٍ يؤكد رؤية القيادات الإفريقية وإيمانهم بأهمية حقوق الإنسان، والتي تُعدّ الركيزة الأساسية للحكم الرشيد والتداول السلمي للسلطة.

وشهد عام 2000م عقد «قمة لومي» بجمهورية توجو، وتبلور في تلك القمة القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي[3]، وقّعت 53 دولةً على القانون التأسيسي للاتحاد، وانضمّ آخر عضوٍ للاتحاد في 2011م، لتصبح جنوب السودان العضو الـ 54 بالاتحاد، ويتخذ الاتحاد من أديس أبابا بإثيوبيا مقرّاً له.

ويتكوّن القانون التأسيسي للاتحاد من 33 مادةً تأسيسيةً، تحمل بدايةً أسماء الدول الأعضاء في الاتحاد، ثم إعلان أهداف الاتحاد ومبادئه، والأجهزة الرئيسة بالاتحاد، والعضوية بالاتحاد وشروط قبولها.

وينصّ القانون، في المادة الثالثة منه ضمّن أهداف الاتحاد، على تعزيز المبادئ والمؤسسات الديمقراطية، والمشاركة الشعبية، والحكم الرشيد.

كما نصّ على تعزيز وحماية حقوق الإنسان والشعوب طبقاً للميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والمواثيق الأخرى ذات الصلة بحقوق الإنسان والشعوب.

وفي المادة الرابعة من القانون، والتي تحدّد المبادئ الأساسية له، نصّت ضمن المبادئ على: احترام المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والحكم الرشيد.

وبذلك كان «إعلان لومي» هو انطلاقة مصطلح الحكم الرشيد والتداول السلمي للسلطة بمعناه الصريح.

وقد حدثت طفرةٌ في مفهوم الحكم الرشيد والتداول السلمي للسلطة في القارة منذ «قمة ديربان»، في جنوب إفريقيا عام 2002م، حيث اعتمد رؤساء دول وحكومات القارة المبادئ التي يجب أن ترشد بعثات مراقبة ورصد الانتخابات، وتنص تلك المبادئ[4] على ما يأتي:

أولاً: الانتخابات الديمقراطية هي أساس سلطة أيّ حكومة تمثيلية.

ثانياً: تشكّل الحكومات المنتخبة عنصراً أساسيّاً في عملية إرساء الديمقراطية، وبالتالي فهي عناصر أساسية للحكم الرشيد، وسيادة القانون، وصون وتعزيز السلام والأمن والاستقرار والتنمية.

ثالثاً: يشكّل إجراء انتخابات ديمقراطية بُعداً مهمّاً في منع الصراعات وإدارتها وحلّها، ولابدّ من إجراء الانتخابات الديمقراطية وفقاً لمعايير الحرية والنزاهة والشفافية.

اعتمد الاتحاد الإفريقي في دورته العادية الثامنة، المنعقدة في أديس أبابا بإثيوبيا عام 2007م، الميثاق الإفريقي حول الديمقراطية والانتخابات والحكم الرشيد[5].

يتكوّن الميثاق من 53 مادة، كلها تدور في فلك التداول السلمي للسلطة ودعم وإرساء الديمقراطية في القارة الإفريقية، وحماية حقوق الإنسان، واستقلال القضاء.

فقد جاء في المادة الثانية من الميثاق- في أهدافه-: تعزيز التزام كلّ دولةٍ طرفٍ بالقيم والمبادئ العالمية للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، تعزيز مبدأ سيادة القانون القائم على احترام الدستور وسيادة النظام الدستوري، تعزيز الانتخابات المنتظمة الشفافة الحرة العادلة لإقامة سلطة وحكومة شرعية، رفض وحظر وإدانة التغيّرات غير الدستورية للحكومات في أيّ دولةٍ عضو؛ باعتبار ذلك تهديداً خطيراً للاستقرار والسّلم والتنمية.

ثانياً: أجهزة الاتحاد الإفريقي:

تأتي المادة الخامسة من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي لتحدد أجهزة الاتحاد، يستمر القانون في وصف أجهزة الاتحاد، ويحدّد مهام كلّ جهازٍ وسلطاته وصلاحياته، حتى المادة 23، ويتكوّن من 9 هيئات، بالإضافة إلى أيّ جهاز آخر يقرر المؤتمر إنشاءه، وتتلخص أبرز تلك الأجهزة في:

- المؤتمر: وهو الجهاز الأعلى بالاتحاد.

- المجلس التنفيذي:

يتألف المجلس التنفيذي من وزراء الخارجية، أو أيّ وزراء آخرين أو سلطات تعيّنها حكومات الدول الأعضاء.

ويصدر المجلس التنفيذي قراراته بالإجماع، وإن تعذر ذلك فبموافقة أغلبية ثلثي الأعضاء. غير أنّ البتّ في المسائل الإجرائية، بما في ذلك معرفة ما إذا كانت مسألةٌ ما إجرائيةً أم لا، يتمّ بأغلبيةٍ بسيطة.

والمجلس يختصّ بالنظر في أغلب المهام المكلّف بها الاتحاد، وينظر في كلّ أمور القارة الإفريقية، ويوجّه المجلس عنايةً خاصّةً بدعم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وإرساء سياسات الحكم الرشيد في إفريقيا.

وشهدت الدورة العادية للمجلس التنفيذي، المنعقدة في مابوتو بموزمبيق في 2003م، عدداً من التوصيات التي أطلقها المجلس حول الانتخابات والحكم الرشيد في إفريقيا.

وركّز المجلس التنفيذي في تلك الدورة على الانتخابات في جنوب إفريقيا، وأثنى المجلس على مفوضية الاتحاد الإفريقي، واللجنة الانتخابية المستقلة لجنوب إفريقيا، بشأن المبادرة التي تمّ اتخاذها لتنظيم مـؤتمرٍ حـول الانتخابـات والديمقراطية والحكم الرشيد في بريتوريا، بجنوب إفريقيا، من 7 إلـى10 أبريل 2003م[6].

ورحّب المجلس باقتراح مفوضية الاتحاد الإفريقي الخاصّ بـصياغة مـشروع وثيقة حول الديمقراطية والحكم الرشيد، وتضمينها جميع التعهدات التـي أعلنتها الدول الأعضاء في هذا الصدد، وطلـب منها تقديم هذه الوثيقـة لبحثها خلال الاجتماع المقترح للخبراء الحكوميّين.

- اللجان الفنية المتخصصة:

هي لجانٌ فنية متخصّصة، تكون مسؤولةً أمام المجلس التنفيذي، وتتعدد وتختلف أنواعها ومهامها وفقاً لمتطلبات الاتحاد، ومنها المعنيّ بأمر الصحة والتعليم والنقل والموصلات والسياحة وغيرها، ويجوز للمؤتمر إنشاء لجانٍ فنية متخصّصة وفقاً لرؤيته واحتياجات الاتحاد، ولجانٍ تقوم بمهام المتابعة والرصد وتقديم التقارير والتوصيات[7].

وهناك لجانٌ يتمّ تأسيسها بناءً على قراراتٍ من المؤتمر، يكون دَورها متابعة سير العملية الانتخابية في إحدى الدول الأعضاء، كما في لجان إدارة الانتخابات التي أُنشئت خصيصَى لمراقبة ومتابعة الانتخابات التشريعية في السنغال في 2017م؛ للوقوف على العملية الديمقراطية في البلاد[8].

- مجلس الأمن والسّلم الإفريقي:

أصبحت قضية استقرار النُّظُم الديمقراطية في إفريقيا إحدى القضايا المهمّة إلى جانب قضايا الأمن والدفاع، وبات الدفاع عن استمرارية تلك النُّظُم ودعم الحكم الرشيد أحد التحديات التي تواجه الاتحاد الإفريقي، ومع كثرة المصاعب التي تواجه الحكومات الديمقراطية، وتعرضها للانقلابات أو الصراعات الداخلية، سواء الإثنية أو القبَلية، لم تعد الوساطة أو المساعي الحميدة وحدها كافية.

تنبّه أعضاء الاتحاد إلى ضرورة إنشاء هيئةٍ يكون لها آلياتٌ محددةٌ وقوية، للتدخل في شؤون الدول الأعضاء، لحلّ وفضّ النزاعات، وحفظ الأمن والاستقرار، ودعم النُّظُم الديمقراطية والحكم الرشيد.

جرت مداولاتٌ عديدةٌ بين القادة الأفارقة بشأن مسألة سُبُل كفالة السّلم والأمن في إفريقيا، وفي القلب منها قضايا الحكم الرشيد، وقد طُرحت في هذه المداولات أفكارٌ طموحةٌ بشأن التخلّي عن آلية منع وإدارة وحلّ النزاعات واستبدالها بمجلسٍ للسّلم والأمن الإفريقي.

وتمّ بالفعل طرح البروتوكول المؤسِّس لمجلس الأمن والسّلم الإفريقي في قمة دربان في 2002م، وتبنّت القمة البروتوكول المُنشئ للمجلس، ودعت الدول الأعضاء للتصديق عليه، على أن يظلّ إعلان القاهرة بشأن آلية منع وإدارة وحلّ النزاعات سارياً خلال الفترة الانتقالية لحين التصديق على البروتوكول ودخوله حيّز النفاذ[9].

ودخل البروتوكول حيّز النفاذ في 26 ديسمبر 2003م، وذلك بعد مصادقة ثلثي الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي عليه، وبدأ المجلس الممارسة الفعلية لمهامّه ابتداءً من 25 مايو 2004م.

جاء بروتوكول مجلس السّلم والأمن في اثنتين وعشرين مادة، فضلاً عن الديباجة، ممثلاً إطاراً شاملاً لتعزيز السّلم والأمن والاستقرار في القارة الإفريقية ودعم النُّظُم الديمقراطية والحكم الرشيد.

وتأتي نصوص الفقرة الأولى من المادة الثانية من بروتوكول المجلس لتنصّ على طبيعته، وذلك بأنه جهازٌ دائمٌ لصنع القرار فيما يتعلق بمنع الصراعات وإدارتها وتسويتها داخل الاتحاد الإفريقي، ويعاون المجلس كلٌّ من: المفوضية، ومجمع الحكماء، ونظام للإنذار القاري المبكر، وقوة إفريقية للتدخل السريع، وصندوق خاص.

وتحدّد المادة الثالثة أهداف المجلس، والتي تدور جميعها حول: الحفاظ على أمن وسلم القارة الإفريقية، والحدّ من النزاعات، وتعزيز الممارسات الديمقراطية وتشجيعها، والحكم الرشيد، وسيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، واحترام قدسية حياة الإنسان[10].

- هيئة الحكماء:

تتكوّن الهيئة من خمس شخصيات ذات ثقلٍ على مستوى القارة، ولها إسهاماتها في مجالات السّلم والأمن والتنمية، وتقوم هيئة الحكماء بتقديم النصح إلى المجلس، وإلى رئيس المفوضية في جميع المسائل المتعلقة بصون السّلم والأمن والاستقرار وتعزيزه في القارة.

وتأسست اللجنة في عام 2007م، أي بعد حوالي 5 سنوات من إنشاء بروتوكول المجلس، ساهمت في حلّ الصراعات وبناء السلام، بما في ذلك النزاعات المتعلقة التي تنشب على إثر الانتخابات في القارة، كما كانت تتولى ملف المصالحة الوطنية في مجال حقوق النساء والأطفال في النزاعات المسلحة، ودعم النُّظُم الديمقراطية والحكم الرشيد.

ومن أبرز تدخلات اللجنة: ما قامت به في جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 2011م، حيث تواجدت اللجنة بقوةٍ داخل الدولة لتشجيع إجراء عملية انتخابية سلمية وشفافة بعد انتهاء الصراع في الدولة، واستمر وجود اللجنة حتى عام 2017م، وقامت اللجنة بعقد سلسلةٍ من التحقيقات وبعثات تقصي الحقائق.

يُعدّ مجلس الأمن والسّلم الإفريقي أبرز الأجهزة التي أوكلت إليها قضايا دعم الحكم الديمقراطي وإرساء الحكم الرشيد في الدول الافريقية

واستطاعت اللجنة إعطاء منبرٍ وصوتٍ للعديد من أحزاب المعارضة الكونغولية، وأتمّت اللجنة مهامّها، وقامت بصياغة تقريرها عن مجريات الأمور في الكنغو[11].

وعلى الرغم من طول مدة بقاء اللجنة في جمهورية الكنغو، والمفاوضات التي أجرتها مع المعارضة والحكومة، فإنّ النتائج النهائية لم تكن مرْضية، فقد ظلّ رئيس البلاد (جوزف كابيلا) متمسكاً بالحكم بالرغم من انتهاء مدته الرئاسية، ورفض ما تمّ الاتفاق عليه من إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، وتمّ تأجيل الانتخابات إلى ديسمبر 2018م، وسط احتجاجاتٍ من المعارضة وشجبٍ دولي لتخلّي الدولة عن المسار الديمقراطي والقانوني، وبقاء الرئيس بالرغم من انتهاء مدته[12].

وهناك عددٌ من الأجهزة المتخصّصة الموجودة داخل الاتحاد، والتي تسعى لتحقيق أهدافه في القارة، ومنها: (برلمان عموم إفريقيا– محكمة العدل الإفريقية– المجلس الاقتصادي والاجتماعي- المؤسسات المالية)، وكلّ تلك الأجهزة ما يزال دَورها محدوداً على أرض الواقع في القارة، وبخاصّةٍ ما يتعلق بقضايا دعم الديمقراطية والحكم الرشيد، وإن كان لبرلمان عموم إفريقيا دَورٌ متميزٌ في الرقابة والإشراف على الانتخابات التي تُجرى في نطاق القارة، بالتعاون مع باقي أجهزة الاتحاد.

ثالثاً: آليات دعم الحكم الرشيد:

هناك عددٌ من الصلاحيات الموكلة للاتحاد الإفريقي تسمح له بالتدخل في شؤون الدول الأعضاء، سواء لإعادة الأمن والاستقرار، أو فضّ المنازعات، أو دعم الحكومات الرشيدة.

وتشتمل صلاحيات تدخل الاتحاد على: (المساعي الحميدة– تقديم توصيات– الوساطة– إرسال قوات حفظ سلام– المفوضية السياسية– المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان- وثيقة النيباد– فرض عقوبات على الدول– مراقبة الانتخابات).

- المساعي الحميدة وتقديم التوصيات:

وهو أحد الحلول السلمية للمنازعات، ويُقصد بالمساعي الحميدة: دخول الاتحاد الإفريقي بين الطرفَيْن المتنازعَيْن لتقريب وجهات النظر بينهما، ومحاولة تهيئة المناخ لإجراء مفاوضات بين الطرفَيْن.

وبذلك تعدّ «المساعي الحميدة» من أهمّ وسائل المساعدة لإجراء المفاوضات والوصول إلى الحلول السلمية للأزمة دون التدخل في الشؤون الداخلية، وذلك لأنّ دَور الاتحاد في المساعي الحميدة يتوقف عند تهدئة الأجواء لإجراء المفاوضات أو وضع شروطٍ مادية للتفاوض.

ولا تحمل المساعي الحميدة قوةً إلزاميةً تُجبر الأطراف المتنازعة على التفاوض، إذ تنحصر أهداف الاتحاد من بذله للجهود في المساعي الحميدة على: تيسير الاتصال بين الأطراف المتنازعة، وتسهيل تقديم تنازلاتٍ ومحاولة تبريرها[13].

وإلى نفس معنى المساعي الحميدة يذهب معنى تقديم التوصيات، حيث إنها أيضاً وسيلةٌ سلميةٌ لحلّ النزاعات؛ من خلال تهيئه الأجواء لإجراء المفاوضات، وأحياناً يتمّ تقديم توصية في إطار المساعي الحميدة.

ومن أهمّ أمثلة المساعي الحميدة التي يبذلها الاتحاد الإفريقي: مساعي الاتحاد تجاه حلّ الأزمة في تشاد، والتي تعود جذورها إلى صراعٍ على السلطة منذ الاستقلال 1966م، ثم امتد الصراع، ليأخذ أشكالاً مختلفة، ما بين صراعٍ ديني وصراعٍ قَبَلي وعِرقي، ثم صراعٍ بسبب النخب التي تقود الجماعات الدينية والقبَلية، وفى إطار ذلك يسعى الاتحاد إلى بذل المساعي الحميدة، وذلك من أجل تعزيز الأمن والاستقرار، واستعاده التهدئة، والحفاظ على الأمن الداخلي، وفضّ التوتر القائم بين الأطراف المتنازعة في تشاد.

- الوساطة:

الوساطة وظيفةٌ وقائية، تهدف إلى تهدئه الأجواء المحيطة بالنزاع، وتسهيل التوصل إلى حلٍّ بين الأطراف المتنازعة، ويتمّ اللجوء إليها عندما يشتدّ النزاع وتبدأ استعدادات الحرب، أو عندما يقع القتال بالفعل.

إنّ مصطلح «الوساطة»- عموماً- يشير إلى قيام طرفٍ ثالثٍ بالتوسط بين الأطراف المتنازعة؛ عن طريق الاشتراك معهم في المفاوضات التي تُجرى، واقتراح مسارات مناسبة لتدارك الأزمة.

ويقوم الاتحاد الإفريقي بالوساطة بين الأطراف المتنازعة، عن طريق تقديم المقترحات والحلول الوسط من أجل التقريب بين وجهات النظر، ولكن في حاله احتدام الصراع والحرب؛ فإنّ دَور الاتحاد يقتصر على محاوله إيجاد حلٍّ مؤقتٍ لوقف إطلاق النار؛ تمهيداً لوضع حلٍّ شاملٍ للأزمة[14].

ومن أهمّ أمثلة الوساطة: تدخّل الاتحاد في النزاع الداخلي في كينيا، وهو نزاعٌ عِرقي بالأساس، وتدخّل رئيس مفوضية الاتحاد في 2008م (ألفا عمر كوناري)؛ ليؤدي دَور الوسيط بين الأطراف المتنازعة في قمة للاتحاد في أديس أبابا في فبراير 2008م، وكانت مهمّة الوساطة هي تأكيد تحمّل الرئيس الكيني وزعيم المعارضة مسؤولية النزاع، وضرورة التوصل إلى حلٍّ سلمي، وكانت تلك الجهود تُبذل لمحاولة إخماد النيران والكفّ عن أعمال العنف في كينيا.

وتُعدّ المساعي الحميدة، وتقديم التوصيات، والوساطة، من الوسائل الناعمة التي يستطيع بها الاتحاد التدخل في شؤون أعضائه؛ لإعادة الأمن والاستقرار، ووضع الحكم على المسار الصحيح.

- نظام الإنذار القاري المبكر:

يتكوّن النظام من وحدة مركزية للمراقبة والرصد تُعرف بـ«فرقة الأوضاع»، وتُعدّ جزءاً من إدارة السّلم والأمن في الاتحاد، وتتصل بوحدات فرعيةٍ للمراقبة والرصد داخل الآليات الإقليمية، مثل آلية الإكوموج Ecomog في تجمّع الإيكواس بغرب إفريقيا، ويتمّ ربط الوحدات بالمركز للتنبؤ بالنزاعات.

ويتكوّن من 21 عضواً، فضلاً عن رئيس الجهاز، ويختصّ النظام بجمع البيانات والمعلومات، ورصد النزاعات والتوقع بها، وتوجيه باقي آليات المجلس، وتقديم النصح والمشاورة بناءً على المعلومات التي تمّ جمعها.

وشهد عام 2006م اجتماعاً بين عددٍ من الخبراء الحكوميّين التابعين للاتحاد، من أجل تعزيز دَور نظام الإنذار المبكر في مكافحة قضايا الإرهاب ومنع نشوب الأعمال الإرهابية.

وتعاون النظام مع الأمم المتحدة، ووكالاتها، والمنظمات الدولية الأخرى ذات الصلة، ومراكز الأبحاث، والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية، للوصول إلى معلوماتٍ وإحصائيات دقيقة، والتنبؤ بالنزاعات والبؤر الإرهابية[15].

وعلى الرغم من دَور نظام الإنذار القاري المبكر في التعاون مع المنظمات الدولية، ودَوره في جمع المعلومات، فإنّ دَوره في الحدّ من أزمات القارة يكاد يكون منعدماً على أرض الواقع، فلم تعرف القارة تنبؤاً حقيقيّاً بأزماتٍ وتمّ حلّها قبل نشوئها.

- القوة الإفريقية الجاهزة:

وهي عبارةٌ عن أداةٍ لمنع الصراعات الداخلية والحدودية في الدول الإفريقية قبل وقوعها، والتعامل مع الصراعات فور وقوعها دون انتظار تفاقمها، ولردع أيّ عدوانٍ خارجيٍّ على القارة، ولمنع تدويل الصراعات الإفريقية، وتنقسم إلى أربع تقسيمات: (شمال – شرق – جنوب – غرب)[16].

تُعدّ «القوة الإفريقية» الجاهزة أحد أهمّ أسلحة الاتحاد الإفريقي في التصدي للنزاعات في القارة ودعم الحكم الرشيد والنُّظُم الديمقراطية، وكان من المتوقع منذ تأسيس القوة أن تظهر نتائج ملموسة في حلّ أزمات القارة.. وقد نجحت بالفعل القوات الإفريقية في بعض الأزمات الإفريقية، ولكن اقتصر دَورها على حفظ السلام، ومراقبة وقف إطلاق النار، كما تمّ في إقليم دارفور عام 2004م، حين تدخلت القوات الإفريقية لحفظ السلام بقوةٍ من الجنود، وصل قوامها إلى 200 جندي[17].

أما عن الأزمة في بوروندي عام 2016م، بسبب إعلان الرئيس «بيير نكورونزيزا» أنه سيرشّح نفسه لفترةٍ رئاسيةٍ ثالثةٍ مثيرة للجدل، فقد وقف الاتحاد وقواته عاجزاً على الرغم من موت المئات، وفرار أكثر من 230 ألف بورونديّ بسبب الصراع بين الحكومة والمعارضة، ولم تتدخل القوات الإفريقية، وظلت تنتظر إذن حكومة بوروندي للتدخل[18].

وهكذا يظلّ تدخل القوات الإفريقية في أيّ دولةٍ مرهوناً بموافقة حكومتها على التدخل والانتشار من عدمه، وقد لا ينتظر الواقع العملي تلك الموافقة، فتتفاقم الأزمة وتصبح خارج السيطرة.

- صندوق السّلم:

تمّ إنشاء صندوق السّلْم لتوفير الموارد المالية اللازمة لمهام دعم السّلم والأمن والأنشطة الأخرى المتعلقة بهما، ويتمّ تجميع موارد هذا الصندوق من مصادر متعددة، تتمثّل في: مساهمات الأعضاء، والمساهمات من مصادر داخل إفريقيا وخارجها، بشرط ألّا يتعارض ذلك مع أهداف الاتحاد ومبادئه[19].

ويختصّ الصندوق بتمويل كلّ عمليات دعم السّلم والأمن والاستقرار في القارة، والتصدي للممارسات الإرهابية، وحفظ دعائم الحكم الرشيد والنُّظُم الديمقراطية.

وتعاني ميزانية الصندوق من تدهورٍ حادٍّ منذ تأسيسه، وشهد عام 2016م قراراً من المؤتمر بمنح صندوق السلام مبلغ 325 مليون دولار في عام 2017م، حيث يرتفع إلى ما قدره 400 مليون دولار بحلول عام 2020م[20]، وعلى الرغم من تلك المنح فإنها لا تكفي إلا لتغطية 25% من عمليات السلام في القارة.

- مبادرة النيباد:

هي واحدةٌ من الآليات التي يستخدمها الاتحاد الإفريقي لمواجهة تحديات القارة الإفريقية، والنيباد هي مبادرةٌ للشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا، وقد برزت تلك المبادرة على الساحة الإفريقية في اجتماع منظمة الوحدة الإفريقية الـ37 بزامبيا في يوليو 2001م، وفيه تمّ اعتماد الاستراتيجية المؤسِّسة للمبادرة.

والنيباد هي إحدى المحاولات الجادة لتنمية القارة الإفريقية والقضاء على الفقر، من خلال الشراكة مع المجتمع الدولي، والشراكة الإقليمية على مستوى الدول، وعلى مستوى التكتلات الاقتصادية الموجودة داخل القارة الإفريقية.

ويأتي في مقدمة مبادئ النيباد: إعلان الحكم الرشيد؛ بوصفه مطلباً أساسيّاً للسّلم والأمن والاستمرارية السياسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن أهداف ومبادئ النيباد في التنمية الاقتصادية وتحقيق التنمية المستدامة.

وأحرزت النيباد تقدّماً ملاحظاً في مجال الحوكمة السياسية، وبخاصّةٍ في القضايا والعمليات الانتخابية، فعلى سبيل المثال: عقدت انتخابات سلمية في 13 بلداً في عام 2010م، وفي 20 بلداً في عام 2011م، وساهمت الآلية الإفريقية لـ«استعراض الأقران»، التي اعتمدتها لجنة رؤساء الدول والحكومات لتنفيذ الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا في آذار/مارس 2003م، فيما حدث مؤخراً من تحسيناتٍ في الحوكمة الاقتصادية والسياسية في المنطقة، بتصرفها على أساس أنها وكالةٌ تقيد الإجراءات الحكومية، وقد انضمّ 33 بلداً إلى الآلية، واستكمل 14 منها العملية، وبلغت مراحل مختلفة من تنفيذ توصيات الاستعراض[21].

على الرغم من مجهودات الاتحاد الافريقي؛ فإنها ما زالت محدودةً بالنسبة لحجم التحديات التي تواجه القارة الافريقية فيما يتعلق بالديمقراطية والحكم الرشيد

وهناك عددٌ من الآليات الأخرى التي يستخدمها الاتحاد لدعم الديمقراطية وإرساء الحكم الرشيد في إفريقيا، كفرض العقوبات على الدول المخلّة بشروط الديمقراطية، وتُفرض العقوبات بعد إقرارها من المؤتمر الهيئة العليا بالاتحاد الإفريقي.

ويدعم الاتحاد آلياته لتنفيذ أهدافه في القارة، مثل آلية الرقابة على الانتخابات ومتابعة سير العملية الديمقراطية في الدول الأعضاء؛ من خلال البعثات الإفريقية للرقابة على الانتخابات، كما في الانتخابات الكينية 2013م.

رابعاً: نماذج تطبيقية:

هناك عددٌ من الحالات التطبيقية التي نجح الاتحاد الإفريقي فيها، من خلال آلياته وأجهزته، في تحقيق أهدافه فيما يتعلق بدعم وإرساء قواعد الديمقراطية، وفي المقابل هناك بعض الحالات الأخرى أخفق الاتحاد في الوصول فيها إلى نتائج مرْضية، وسنعرض عدداً من الأزمات التي تصدّى لها الاتحاد الإفريقي.

موقف الاتحاد الإفريقي من الانقلابات العسكرية:

يتخذ الاتحاد الإفريقي موقفاً صارماً من الدول التي تتعرض إلى انقلابات عسكرية وتتخلّى عن تداول السلطة بطريقةٍ سلمية، كما يتصدّى الاتحاد للتغيرات غير الدستورية في الحكومات الإفريقية.

ويتزايد قلق الاتحاد الإفريقي من تنامي الانقلابات العسكرية في القارة، واتخذ موقفاً رافضاً لكلّ التطورات غير الدستورية في تداول السلطة، وأكد أعضاء الاتحاد في إعلان الجزائر الصادر عن القمة الإفريقية بالعاصمة الجزائرية في يوليو 1999م، فرض عقوباتٍ على الدول المخالفة لمعايير الديمقراطية، وكلّ العقوبات تتعلق بالعضوية وفرض عقوبات اقتصادية، لمنع تفشّي تلك الظاهرة في القارة.

شهدت غينيا بيساو في عام 2009م انقلاباً عسكريّاً أطاح بالرئيس المنتخب «جواو برناردو فييرا»، وأعلن الانقلابيون أنّ أسباب انقلابهم على الحكم هي: ضمان صيانة ونزاهة الديمقراطية، ووضع البلاد على المسار الصحيح. وانتهى الانقلاب بمقتل الرئيس (فييرا)، وحدوث توترات وصدامات في البلاد[22].

وتدّخل الاتحاد الإفريقي ورفض الانقلاب العسكري، وضغط على جميع الأطراف المتصارعة من أجل الإسراع بعودة الديمقراطية والشرعية الدستورية للبلاد.

وعُقدت انتخاباتٌ رئاسية في 28 يونيو 2009م، وأشرف عليها الاتحاد الإفريقي، وانتهت الانتخابات بفوز «مالام باكاي سانها»، ولكنه تُوفي في باريس في عام 2012م، وعادت الفوضى والتوترات وعدم الاستقرار إلى البلاد، وسيطرت مجموعاتٌ عسكرية على الحكم، وتمّ تعيين «رايموندو بيريرا» رئيساً للبلاد، وأعقب ذلك محاولةٌ انقلابية قبل إجراء الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.

قرّر الاتحاد الإفريقي أن يوقف عضوية غينيا بيساو في الاتحاد، وما يرتبط بها من أنشطة خاصّة بعمل الاتحاد، وذلك بشكلٍ مرحليٍّ حتى تتمّ استعادة الحياة الدستورية داخل الدولة، وتعود الشرعية للنظام السياسي، ولم يكتف الاتحاد بالإيقاف، فقد قرر عقد قمةٍ خُصّصت للظروف الاستثنائية التي تمرّ بها دول القارة، وأكد الاتحاد في قمته على ضرورة تفعيل عمل الجهات الدولية والإقليمية من أجل تقديم حلولٍ منصفة وعاجلة وعادلة لتجاوز الأزمة التي تشهدها غينيا بيساو وتفادي تفاقمها[23].

وفي الأزمة التي شهدتها غينيا بيساو عام 2009م؛ اكتفى الاتحاد بالشجب والإدانة والرقابة على الانتخابات، ولكنه في عام 2012م، في الأزمة التي شهدتها البلاد، تعامل معها الاتحاد بلغةٍ أكثر صرامةً وحدة.

وبعد أن عادت الأمور في غينيا بيساو إلى مسارها الصحيح، ودخلت البلاد في المسار الديمقراطي، ألغى الاتحاد قرار تجميد العضوية في عام 2013م؛ بعد الاتفاق على إنهاء الأزمة في غينيا بيساو، وتحديد موعدٍ لعقد الانتخابات الرئاسية في 2017م[24].

تعامل الاتحاد الإفريقي مع قضايا حقوق الإنسان:

أعلن الاتحاد الإفريقي، منذ اللحظة الأولى لانطلاقه، تمسكه بمبادئ حقوق الإنسان والدفاع عنها، وأنّ حقوق الإنسان والشعوب هي واحدةٌ من أولوياته؛ لأنها أساس الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالدول الإفريقية.

وأكد الاتحاد التزامه بالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الصادر عن منظمة الوحدة الإفريقية السابقة على الاتحاد الإفريقي في عام 1981م، في قمة المنظمة المنعقدة في نيروبي بكينيا.

وأنشأ الاتحاد- بموجب الميثاق- محكمةً إفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ودخل البروتوكول المؤسِّس للمحكمة حيّز التنفيذ في 25 يناير 2004م، وبدأت المحكمة عملها في نوفمبر 2006م.

وأصدرت المحكمة في 26 مايو عام 2017م حكماً تاريخيّاً يؤيد حقّ جماعة الأوجيك الأصلية في كينيا، ورأت المحكمة أنّ الحكومة الكينية انتهكت سبعة حقوق من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

وتتلخص قضية الأوجيك في أنّ الحكومة الكينية- ممثلةً في دائرة الغابات الكينية- أصدرت قراراً بإخلاء ومغادرة جماعة الأوجيك (وهم جماعة مهمّشة تسكن الغابات في كينيا) من غابة «ماو» في خلال 30 يوماً، فأرسل برنامج تنمية شعب الأوجيك، بعدما انضمّ إليه مركز تنمية حقوق الأقليات، ثم المجموعة الدولية لحقوق الأقليات، رسالةً إلى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ذكر فيها أنّ الإخلاء انتهك عدة أحكام من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، بما في ذلك: الحق في الملكية (المادة 14)، والحرية من التمييز (المادة 2)، والحقّ في الحياة (المادة 4)، وحرية الدين (المادة 8)، والحق في الثقافة (المادة 17 (2) و(3))، والحقّ في التصرف بحريةٍ في الثروة والموارد الطبيعية (المادة 21)، والحق في التنمية (المادة 22)، و(المادة 1) التي تلزم كلّ الدول الأعضاء في منظمة الوحدة الإفريقية بدعم الحقوق التي يكفلها الميثاق[25].

ولأول مرّةٍ في تاريخ المؤسسات؛ أحالت اللجنة القضية إلى المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب؛ على أساس وجود أدلةٍ على حدوث انتهاكاتٍ خطيرة وجسيمة لحقوق الإنسان.

وفي 26 مايو 2017م، وبعد عمليةٍ استغرقت 8 سنوات، أصدرت المحكمة حكماً يؤيد الحقوق المتعلقة بالأرض لشعب الأوجيك، ووجدت انتهاكاتٍ لكلّ حقٍّ من الحقوق المطالب بها، باستثناء الحقّ في الحياة.

وأمرت المحكمة الحكومة باتخاذ كلّ التدابير المناسبة، في غضون فترةٍ زمنيةٍ معقولة، لمعالجة الانتهاكات، وأعلنت المحكمة أنها ستقرر مسألة التعويضات على حدة.

موقف الاتحاد الإفريقي من النظم الاستبدادية:

يسعى الاتحاد الإفريقي إلى القضاء على الاستبداد وظاهرة الأبوية السياسية التي تحفل بها القارة الإفريقية، فمثلاً رفض الاتحاد الاعتراف بسلطة الرئيس الجامبي «يحيى جامع» المنتهية مدة ولايته في البلاد (غامبيا).

أعلن «جامع» حالة الطوارئ في البلاد لمدة 90 يوماً، قبل يومٍ واحدٍ من انتهاء مدة ولايته وتسليمه السلطة للرئيس الجديد المنتخب «آداما بارو»، الذي فاز على الرئيس «جامع» في انتخابات الرئاسة لعام 2016م[26].

اعترض الاتحاد الإفريقي على استبداد جامع ورغبته في السيطرة على الحكم؛ على الرغم من انتهاء ولايته ووجود رئيسٍ منتخب، وتدخلت جماعة الإيكواس (المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا)، ونشرت قوتها لحفظ السلام داخل البلاد، ومارست الضغط على جامع لتسليم السلطة، كما تدخلت دولٌ كغينيا وموريتانا للقيام بدَور الوسيط لحلّ الأزمة[27].

وانتهت الأزمة في يناير 2017م، بعد أن قَبِلَ جامع تسليم السلطة وإعادة الاستقرار إلى البلاد، وأخرجت الإيكواس قوتها، وعاد الاستقرار النسبي إلى البلاد.

الخاتمة:

تطورت القضايا الدولية، وتعدت الأزمات حدود الدولة الوطنية، وظهرت الأهمية الملحّة لوجود كياناتٍ دولية تدعم المؤسسات الوطنية لحلّ أزمتها وصراعتها المتشابكة، وتحقيق الاستقرار الداخلي بها، ومن ثمّ الحكم الرشيد.

ويُعدّ الاتحاد الإفريقي واحداً من الكيانات الدولية الداعمة لمبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد، ويعمل على نشر الاستقرار في القارة الإفريقية من خلال جهدٍ قاري ودولي مشترك، كما يهدف إلى الاندماج القاريّ على كلّ المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.

ولكن هناك معوّقات تقف أمام الاتحاد الإفريقي لتحقيق أهدافه ومساعيه، ومن أهمها افتقاره إلى التمويل، فدائماً ما يعيق التمويلُ الاتحادَ من المضي قُدُماً في القضايا الإفريقية، وبخاصّةٍ ذات الصلة بالقضايا الوطنية داخل حدود الدولة.

وتأتي الإرادة السياسية التي تعارض في كثيرٍ من الأحيان أيّ تدخلاتٍ خارجية، وخصوصاً في القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات السياسية، وافتقاد الدول الإفريقية لشفافية ودقّة الإحصائيات والمعلومات، من العوامل التي تُضعف من قدرة الاتحاد على التدخل السريع.

وعلى الرغم من محاولة الاتحاد الإفريقي مسايرة التكتلات الدولية، كما في الاتحاد الأوروبي، فإنّ دَوره لا يزال محدوداً، فهناك العديد من قضايا القارة الإفريقية لا تزال معلّقة، ولم يكن للاتحاد دورٌ فاعلٌ فيها لتداركها، أو حتى لإنهائها بعد اندلاعها، كما هو الحال في العديد من الأزمات في (ليبيا– إفريقيا الوسطي– الصومال– جنوب السودان-...).

وطبّق الاتحاد الإفريقي عقوباتٍ على بعض الدول، في أزماتٍ سياسية قد شهدتها، تتعلق بالتداول غير السّلمي للسلطة، كما في غينيا بيساو 2012م، ولكنه غضّ الطرف عن عددٍ من الدول شهدت انقلاباتٍ عسكرية، مرّت دون تجميد عضوية أو وقف نشاطٍ للدولة، أو اكتفى الاتحاد بتجميد العضوية لفترةٍ ثم تمّت إزالة التجميد وإعادة النشاط للدولة؛ دون أن تعود الأوضاع إلى مجرياتها السلمية في الدولة.

وخير شاهدٍ على إخفاق الاتحاد، في التعامل مع قضايا الحكم الرشيد بحسمٍ، تعاطي وتعامل الاتحاد مع الجنرال محمد ولد عبدالعزيز رئيس المجلس العسكري في موريتانيا، التي شهدت 16 انقلاباً عسكريّاً، برغم مخالفة هذا للميثاق الإفريقي الخاصّ بالحكم والديمقراطية، حتى أصبح هو رئيس الاتحاد الإفريقي، وبدَروه سمح الاتحاد الإفريقي في عهده بعودة العضوية المجمدة لبعض الدول عبر مجلس السّلم والأمن الإفريقي، بما يخالف ميثاق الاتحاد الإفريقي، الذي يمنع مكافأة مَن يقوم بالانقلاب العسكري من تولي الرئاسة في بلده.

وتأتي جائزة «مو إبراهيم»، للحكم الرشيد في إفريقيا في 2017م، دليلاً على إخفاق الاتحاد في إرساء دعائم الحكم الرشيد في إفريقيا، حيث لم تجد أحداً من القارة يفوز بها ويتوافق مع شروطها التي تدور حول: أن يكون القائد قد جاء بانتخاباتٍ ديمقراطية، وقد ترك الحكم بانتهاء فترته الدستورية، على أن يكون قد أنجز خلالها مشاريع تنموية للناس تتعلق بتوفير الأمن والصحة والتعليم والتنمية الاقتصادية[28].

وعليه؛ فإنّ هناك عدداً من التوصيات التي تُقدّم للاتحاد الإفريقي لكي يقوم بدَوره في القارة الإفريقية بفاعليةٍ أكبر، وتنحصر في:

- زيادة الموارد المالية للاتحاد: فإنّ زيادة الموارد المالية للاتحاد تسمح له بالتحرك بفاعليةٍ أكبر داخل القارة، كما تتيح له المجال لمواجهة أزمات القارة، وبخاصّة المتعلقة بالتنمية السياسية والاقتصادية.

- الاستقلالية في القرار: بعض القرارات الصادرة عن الاتحاد الإفريقي تكون نابعةً من موروثاتٍ إفريقية، تتعلق بسيطرة العسكريّين على الحكم، فجاء تعامل الاتحاد الإفريقي في الآونة الأخيرة مع عشرات الانقلابات العسكرية، وتولّي عسكريّين للسلطة وعزلهم للرؤساء المنتخبين، بصورةٍ غير حاسمة، خالف فيها ميثاقه أحياناً، ليؤكد أنّ خروج القارة السمراء من دائرة الانقلابات هو أمرٌ صعب، وسيظلّ لفترةٍ من الوقت مرتبطاً بالقارة الإفريقية، ما يؤدي إلى ضعف التنمية وعدم الاستقرار.

- التحرر من الضغوط الخارجية: يتعرض الاتحاد الإفريقي وأجهزته لضغطٍ خارجي من المنظمات الدولية والقوى الدولية العظمى، كما حدث في الأزمة في مالي 2012م، حيث ضغطت فرنسا على الاتحاد الإفريقي للتدخل في الأزمة في مالي.

- المناداة بضرورة إقامة سوقٍ إفريقية مشتركة: إن تفعيل السوق الإفريقية المشتركة يقيم روابط اقتصادية بين الدول، ما يدفعها لإنهاء الصراعات السياسية، وإقامة علاقات قائمة على المنفعة المتبادلة، ويترتب عليه تحقيق التنمية بكلّ أشكالها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

- تدعيم المشاركة الشعبية: فعلى الاتحاد الإفريقي أن يدعم المشاركة الشعبية، فمشاركة الشعوب الإفريقية في حلقاتٍ نقاشية يعقدها الاتحاد؛ يقرّب ما بين الشعوب الإفريقية بالتواصل المستمر بين أبناء القارة تحت مظلته، لتدعيم فكرة التواصل القاري القائم على أُسسٍ اجتماعيةٍ شعبية، وإرساء التبادل الثقافي بين الشعوب الإفريقية.

[1] مصطفى موسى أبو حسين، معايير الحكم الرشيد ودورها في تنمية الموارد البشرية بوزارة الداخلية الفلسطينية، ماجستير، أكاديمية الإدارة والسياسة للدراسات العليا، جامعة الأقصى بغزة، 2017م، ص11.

[2] محمد عاشور، قمة سرت الإفريقية الطارئة ومشروع الوحدة الإفريقية آفاق الفكرة وقيوده، مركز الحضارة للدراسات الإسلامية، متاح على الرابط:  http://www.docudesk.com

[3] القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، نسخة موثقة، متاح على الرابط: https://au.int/ar/constitutive-act

[4] Guidelines for African Union Electoral Observations and Monitoring Missions, African Commission on Human and Peoples' Rights, available on: http://www.achpr.org/instruments/guide-elections/

[5] الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم، متاح على الرابط:

 https://au.int/sites/default/files/treaties/7790-treaty-0034-_african_charter_on_democracy_elections_and_governance_a.pdf

[6] مقررات المجلس التنفيذي- الدورة العادية الثالثة، مابوتو، موزمبيق، يوليو 2003م، متاح على الرابط:

https://au.int/sites/default/files/decisions/9642-ex_cl_dec_20_-_74_iii_a_0.pdf

[7] القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، نسخة موثقة، متاح على الرابط: https://au.int/ar/constitutive-act

[8] الاتحاد الإفريقي ينشر بعثة لمراقبة الانتخابات التشريعية في السنغال، متاح على http://www.panapress.com، الرابط المختصر: https://goo.gl/3yGSJH

[9] فيلالي فاطمة الزهراء، الاتحاد الإفريقي وتسوية النزاعات، ماجستير، قسم العلوم السياسية و العلاقات الدولية، كلية العلوم السياسية والإعلام، الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، 2012م، ص (125- 126).

[10] محمد هيبة علي أحطيبة، دور مجلس السلم والأمن الإفريقي في حل النزاعات وتسويتها في إفريقية، دكتوراه، قسم العلاقات الدولية- كلية العلوم السياسية، جامعة دمشق، 2011م، ص (635- 636).

[11] كابينجا إيفيت نجاندو، لجنة الحكماء: دورها هو منع نشوب النزاعات العنيفة في إفريقيا، الوقائع، الأمم المتحدة، العدد3، المجلد54، 2017م، متاح على الرابط: https://unchronicle.un.org/ar/article/4484

[12] محمود رأفت، الكونغو الديمقراطية ترفض أي تمويل أجنبي لانتخابات الرئاسة، شبكة رؤية الإخبارية، متاح على الرابط: http://cutt.us/cP50E

[13] عبد المنعم منصور، دور مجلس الأمن والسلم الإفريقي في مواجهه النزاعات المسلحة دراسة حاله دارفور، ماجستير، كليه الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، 2010م، ص27.

[14] المرجع السابق، ص29.

[15] النظام القاري للإنذار المبكر، متاح على الرابط: http://www.peaceau.org/en/page/28-continental-early-warning

[16] محمد هيبة علي أحطيبة، دور مجلس السلم والأمن الإفريقي في حل النزاعات وتسويتها في إفريقية، دكتوراه، قسم العلاقات الدولية، كلية العلوم السياسية، جامعة دمشق، 2011م، ص637.

[17] الاتحاد الإفريقي ينشر قواته في دارفور، الجزيرة للدراسات، متاح على الرابط: http://cutt.us/6Bc6z

[18] الاتحاد الإفريقي لن ينشر قواته في بوروندي دون موافقة حكومتها، متاح على الرابط:http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2016/01/160131_burundi_au_troops

[19] محمد هيبة علي أحطيبة، مرجع سابق، ص638.

[20] PEACE FUND, available on https://au.int/en/peace-fund.

[21] سالي يوسف وكوثر مبارك، دور ومستقبل النيباد في القارة الإفريقية، المركز العربي الديمقراطي، متاح على الرابط: https://democraticac.de/?p=48402

[22].السيد علي أبو فرحة، مستقبل الدولة الإفريقية بين السطوة العسكرية وجدوى الديمقراطية، موقع قراءات إفريقية/ دراسات وبحوث http://www.qiraatafrican.com، الرابط المختصر: https://goo.gl/RMbgk9

[23] الاتحاد الإفريقي يعلّق عضوية غينيا بيساو، على موقع  https://www.skynewsarabia.com/world، الرابط المختصر: https://goo.gl/gKX3q5

[24] محمود زكريا، الأزمة السياسية في غينيا بيساو واقع جديد وماض قديم، آفاق إفريقية، (القاهرة: الهيئة العامة للاستعلامات: المجلد 11: العدد 37: 2013)، ص63.

[25] اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ضد جمهورية كينيا، اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، متاح على الرابط: https://www.escr-net.org/ar/caselaw/2017/394451

[26] الأزمة في غامبيا: الرئيس يحيى جامع يعلن حالة الطوارئ قبل انتهاء فترة رئاسته بيوم واحد، بي بي سي، متاح على الرابط: http://www.bbc.com/arabic/world-38655072

[27] الأزمة في غامبيا: يحيى جامع يقبل التخلي عن السلطة، بي بي سي، متاح على الرابط: http://www.bbc.com/arabic/world-38702832

[28] جائزة الحكم الإفريقي الرشيد.. لا أحد يستحق، على موقع https://www.skynewsarabia.com/world، الرابط المختصر: https://goo.gl/TK58SC