الإسلام والمسلمون في جنوب أفريقيا

  • 2 -10 - 2017
  • عادل جعفر

عادل جعفر مولتشوا - المدير العام لجمعية أواسا – بريتوريا - جمهورية جنوب أفريقيا

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وماكمنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ثم الصلاة والسلام على الهادي البشير المبعوث رحمة للعالمين ، أما بعد:

ففي عام 1910م أعلنت الحكومة الاحتلالية البريطانية إنشاء دولة موحدة في جنوب أفرقيا – وسمي ’اتحاد جنوب أفريقيا‘ حينئذ – بعد أن كانت دويلات مستقلة منذ بدء الاحتلال الأروبي في هذه المنطقة – ما خلا مملكتا سُوازِلَند ولِسوتو التان ما زالتا دولتين مستقلتين تحيطهما أراضي دولة جنوب أفريقيا من كل الجوانب .  فكانت هذه ولادة دولة جديدة بحدودها المعروفة اليوم، والتي تتامخمها أربعة دول تحدها شمالاً من الشرق إلى الغرب كل من: موزامبيق، وزمبوابي وبوتسوانا وناميبيا؛ ويحيطها المحيطين الهندي شرقا والأطلسي غربا وجنوبا حيث مجمعهما.

ويقدر عدد سكان جنوب أفريقيا في حدود 55,000,000 (خمسة وخمسين مليوناً) نسمة حسب آخر إحصائيات ، ونصيب المسلمين من ذلك ما بين 2% إلى 3% تقريبا. ويتكون التركيب السكاني من مجموعات كل من: السكان الأصليين من الأفارقة. والآسويين وهم ذوي الأصول الآسوية وأغلبهم الجالية الهندية من بلاد الهند. فلا غرو أن أكبر جالية هندية خارج الهند في جنوب أفريقيا. ثم الأروبيين وهم ذرارى الجيل المحتلة للبلاد من أوروبا حيث الأكثر عددا منهم الهولنديون – وقد أطلقوا على أنفسهم بأنهم أفريكانيون – ويليهم الانجليز.  ويوجد أكبر تجمع الأروبيين في القارة الأفريقية في جنوب أفريقيا. وثَمَّ مجموعة أخرى عرفوا بأنهم مُلوَّنون نتيجة  كونهم ولدوا من اختلاط عرقيات.

أول دخول الإسلام في جنوب أفريقيا[R1] 

مع أن بعض جيران جنوب أفريقيا قد عرفوا العروبة قديما، بل عرفت العروبة في شرق أفريقيا بقرون قبل الدعوة الإسلامية ، من ساحل الصومال في قرن أفريقيا إلى ساحل موزامبيق والتي عرفت بعد دخول الإسلام ببلاد سفالا (سفالى). ولكن الملاحظ أن هذا الاتصال قد توقف عند وصوله لبلاد سفالى ولم يتوغل إلى ما وراءها من الجنوب. فاستمر الحال على هذا حتى ما بعد وصول الإسلام إلى هذه المنطقة. الأمر الذي أدى إلى تأخر دخول الإسلام في بلاد جنوب أفريقيا.

فأول وصول مسجل للمسلمين في تاريخ هذه البلاد ، كانت بعد اسقرار الهولنديين في منطقة كاب تاون غرب البلاد في القرن السابع عشرة الميلادي، تحت إشراف وقيادة الشركة الشرقية الهولندية الهندية ، والتي اتخذت لنفسها في كاب تاون محطة الاستراحة لسفنها التي كانت تتجار بين هولندا والهند. ثم لما احتلت هولندا إندونسيا واجهت  المقاومة من المسلمين في تلك البلاد. وقد سجنوا أربعا من المقاومين بتهة إثارة الشعب ضد الحكومة الهولندية ، فحكمت عليهم المحكمة العليا في باتافية (جزيرة جاوا في اندونسيا حاليا) بالتغريب والجلاء؛  فأنفي الثلاثة منهم إلى موريشياس والواحد إلى جنوب أفريقيا في كاب تاون أسيرا سياسيا. فلعل هذا هو  أول دخول مسلم مسجل في تاريخ جنوب أفريقيا[1]. ثم تتابع دخول المسلمين إلى جنوب أفريقيا رويدا رويدا ، و جل من جاء من هذا الجيل كانوا أسارى سياسيين معتقلين ، وكانوا ممنوعين من إظهار دينهم أو دعوة الآخرين إليه. فمن ثَم لم يكن للإسلام ظهور أو تأثير يذكر حتى أواخر القرن السابع عشر الميلادي سنة 1694م بعد وصول الشيخ عابدين يوسف  ومن معه من أفراد عائلته وأصحابه. وكان هذا الشيخ من أسرة ذات حسب وشرف في جاوا بإندونيسيا، ولهذا لم يوضع في السجن وإنما عيِّن له مكانا يستقر فيها حرا هو ومن معه في زَندَفِلِيت ، إذ كان يكفي في نظرة الهولنديين أن الشيخ نفي من وطنه الذي كان يشكل فيه خطرا وتهديدا على حكم هولندا في تلك البلاد ولكن مع ذلك كان تحت المراقبة ؛ ومن هنا بدأ النشأة الأولى لمجتمع اسلامي في جنوب أفريقيا.  ويمكن إطلاق ’الموج الأول‘ على من دخل في جنوب أفريقيا من المسلمين في فترة ما كانت هولندا تحكم كاب تاون إلى أن غلبها الاحتلال البريطاني.

ولما احتلت الانجليز منطقة كاب تاون في غرب البلاد ومنطقة ناتال في شرق البلاد في القرن التاسع عشر الميلادي وكانت في الوقت نفسه تحتل شبه القارة الهندية، استوردوا عمالا أحرارا ذوي خبرة في زرع قصب السكر في ناتال. وكان من ضمن أولئك العمال مسلمون ، وفي هذه الفترة تتابع الهجرات من الهند إلى جنوب أفريقيا في منطقة ناتال حتى أصبح هنالك مجموعة من المسلمين وأكثرهم كانوا قد أخذوا الخروج النهائي من الهند على أنهم لن يسمح لهم الرجوع إلى الهند ، و من ثم استوطنوا مهجرهم الجديد. ويعتبر مجموعة ناتال الموج الثاني لدخول المسلمين في جنوب أفريقيا إذ كانت الأولى من ناحية الغرب وهذه من ناحية الشرق. ثم تتابع هجرات المسلمين إلى جنوب أفريقيا من بلاد شتى عبر القرون  من داخل القارة الأفريقية ومن ورائها، فاستقر أمر المسلمين في البلاد وصار لهم وجود ملحوظ.

وهناك موج ثالث من المسلمين الذي وصلوا إلى جنوب افريقيا ، و هم المسلمون الأفارقة الذين جائوا من زنجبار من طريق الانجليز عبيدا. فاشتهروا بأنهم زنجباريون واستقروا في دربان مع الهنود. وفي أيام حكومة التمييز العنصري لم ينضموا إلى السكان الأفارقة وإنما صنف لهم صنفا جديدا وهو الآسويون الآخرون، فصاروا صنفا بين السود والهنود. ولكن عند تأمل حال هذه المجموعة يتضح أن هناك خطأ تاريخي فاحش ، وذلك أنهم ليسوا من قبائل زنجبار في شيء ، وإنما ينتمون إلى إحدى قبائل سفالى (موزمبيق)  قبيلة مَكُوَا ، وهي قبيلة مسلمة عريقة تأثرت لغتها باللغة العربية إلى حد كبير.

توزع المسلمين ووضعهم الاقتصادي

وعلى ممر الزمان انتشر المسلمون الوافدون في البلاد وتوغلوا داخل البلاد بعيدا من المناطق الساحلية التي كانت مراساهم الأولى عند الوصول وبقي هناك من بقي. ومن الدواعي التي دعت إلى هذا التنقل الداخلي كانت الترزق والبحث عن فضل الله تعالى في البحث عن الوظيفة وأراضي السكن. وهذا التنقل أدى إلى انتشار مجتماعات المسلمين في المدن الكيثرة. وفي الوقت الحاضر صار انتشار المسلمين في كل المدن الكبيرة والتوسطة في البلاد. ولا يكاد ثم مدينة كبيرة أو متوسطة وبعض المدن الصغيرة إلا وللمسلمين فيها وجود على الأقل مسجد واحد. وما زالت مدينة كاب تاون هي التي تحتوي على أكبر أعداد المسلمين منذ البداية. ويليها أختها في الشرق مدينة دربان في كوازواز ناتال.

فالمسلمون الذين وصلوا إلى جنوب أفريقيا من جهة كاب تاون والذين كانوا أغلبهم من شرق جنوب آسيا ، ووصلوا إما أسارى أم عبيد صاروا أهل الحرف والمهن التي توارثوها من أيام رقهم؛ وما زالوا يتوارثون هذه الحرف جيلا بعد جيل.  فمع ما يملكون من هذه ملكات فإن مسلمي هذه المنطقة لم يميلوا إلى إنشاء الشركات أو تجارة الخدمات إلا قليلا جدا، فحتكروا على كونهم القوى العاملة يقدممون خبراتهم للتوظيف في الشركات الخاصة والحكومية.

 أما المسلمون الذين وصلوا من جهة دربان في ناتال – و هم الموج الثاني – كان أكثرهم أحرارا إما عمالا أو تجارا ، فبرعوا في التجارة وأصبحوا أصحاب التجارات والشركات الكبيرة ؛ فبهذا صار الهيمنة الدينية لهم في البلاد إذ هم يملكون الوسائل المادية. فهم الذين ينفقون كثيرا على المشاري الدينة والمؤسسات الإسلامية. لذلك قلما يتجه المؤسسات الإسلامية لطلب المعونات والتبرعات في الخارج. وأكثر التجارات أسروية بمعني أنها وراثية جيلا بعد جيل.

   واعترافا بقوة المسلمين الاقتصادية، فكثير من البنوك بدأت تقدم الخدمات المالية الإسلامية؛ مثل المرابحة أو المضاربة في شراء العقار أو السيارات أو في القروض. ويوجد كذلك بنوك يملكها المسلمون مثل بنك البركة وبنك HBZ وحبيب بنك.

المسلمون مع المجتمع العام

تبعا لنظام حكومة التمييز العنصر في إسكان الناس حسب المجموعات العرقية ،  فجعل لكل مجموعة مكانا يخص بني جنسهم ، الأمر الذي أدي أحيانا إلى التنقيل الإجباري فتشتت الأسر وضاعت الأموال وتكسدت الحياة؛ وذلك كلها بدعوى أن الله خلق الناس مختلفين في اللون واللغة وتقاليد التي يعتادونها فتحتم التمييز بينهم إذ ليسوا سواء. ومع أن حكومة التمييز العنصري قد سقطت وزالت، ودخلت حكومة الاتحاد الوطني مكتنها ،في العهد الجديد عام 1994م،  فإن بقايا التمييز العنصري وتراثه قد استعصت إزالتها بعد مضي أكثر من عشرين سنة.

فلم يكن للمسلمين عاصم من هذا الواقع  الاجتماعي، فتمزق مجتماعات المسلمين كذلك في كل نواحي البلاد حسب هذا النظام. فمن ثم أصبح هناك المسلمون الهنود في مساكن الهنود والمسلمون الملونون في مساكن الملونين والمسلمون السود في مساكن الأفارقة وهي مساكن كبيرة إلا أن الإسلام فيها قليقة جداًّ. ولكن مع ذلك استطاع المسلمون التعايش السلمي مع بني عرقياتهم في تلك المعازل العرقية التي وضعوا فيها. واستمرت روح التعايش السلمي حتى بعد العهد الجديد إلى الوقت الحاضر، ويتمتعون بمكانة واحترام عند الكيثر في هذه المجتمعات.

ويهدد هذا التعيش السلمي بين المسلمين والكفار في البلاد ، ما عرف حديثا بإسلامفوبية (العداء ضد الإسلام) العالمية ، التي ينشر الغرب عمدا أو سهوا. فإنها تشعل نيران العداوة والتهمة ضد المسلمين.  ويلحظ أن بعض من ينتمي إلى النصرانية قد أظهروا عداوة ضد المسلمين، حيث قاموا ضد بناء مسجد في بعض الأحياء. وكذلك تدنيس المسجدين في كاب تاون من بعضهم. ولكن قام رؤسائهم بإنكار هذه التصرفات وإبعادها من دينهم. كما يلحظ أن الأحياء التي يقع مثل هذه الأعمال ، أحياء قد خصص للبيض أيام حكومة التمييز العنصري. فلعل هذا رد فعل من أنهم سيزاحمون وتذهب هويتهم، مما يجعل الأمر أكثر سياسيا من أن يكون دينيا.

الوضع السياسي

و منذ دخول المسلمين في البلاد عاشوا معايشة مسالمة للآخرين ، ولذلك لم يتعرضوا لأذى يذكر ، وحتى الحكومة لم يتخذ موقفا معاديا للإسلام البتة لا في السابق ولا في الحاضر، علما بأن الحكومات التي صادفها دخول المسلمين في جنوب أفريقيا كانت نصرانية الانتماء فكانت النصرانية هي الدين الرسمي للدولة.

ولقد كان للمسلمين دور بارز في مناهضة جريمة الفصل العنصري،  سواء على مستوى الكيانات أو الأشخاص

فمجلس القضاء الإسلامي الذي جاءت نشأته المبكرة عام 1945 في كيب تاون وهو يمثل المسلمين فيها وفيما حولها من المدن، وقد نُظر للمجلس منذ البداية باعتباره تنظيماً إسلامياً مستقلاً، وليس تابعاً لأي جهة أو حزب سياسي. ومع ذلك فقد كان للمجلس نضاله المعروف في مرحلة التحرر من نظام الفصل العنصري. كما أن بعض أعضائه البارزين كان لهم أنشطة سياسية وتقلدوا وظائف تنفيذية وبرلمانية عليا في الهيكل الحكومي، ويضم المجلس في عضويته العلماء وأئمة المساجد وممثلي المنظمات والمؤسسات الإسلامية كافة، وكان لهم دور مميز في مناهضة نظام الفصل العنصري ومعارضة حكومة الفصل العنصري التي كانت تحكم جنوب إفريقيا سابقا، الأمر الذي انعكس على الثقل النسبي للمكون الإسلامي لا سيما من الهنود في أول تشكيل حكومي في أعقاب التحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا عام 1994م، حيث ضمت الوزارة أكثر من أربعة وزراء من المسلمين، وكان هناك نحو عشرة سفراء يمثلون بلادهم في الخارج. كما تم إقرار بعض تشريعات الأحوال الشخصية الخاصة بالمسلمين والمستمدة من الشريعة الإسلامية.

وعلى صعيد القضايا الإقليمية والدولية يحظى المسلمون بحس سياسي كبير، ومشاركة فاعلة ومدروسة، ومن ذلك دور الجالية المسلمة المؤثر في "قمة الأرض"، والتصدي لمشاركة إسرائيل فيها، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة للانسحاب تضامنا مع إسرائيل، فقد استطاع المسلمون بالتعاون مع الجمعيات المناوئة للتمييز العنصري تنظيم التظاهرات المناهضة لإسرائيل وأمريكا والمؤيدة للقضية الفلسطينية أثناء القمة، وهو ذات الموقف الذي اتخذته الجالية الإسلامية من قانون مكافحة الإرهاب حيث أكدت العديد من المنظمات الإسلامية رفضها للقانون واعتبرت مثل هذه التشريعات ليست فقط غير ضرورية، بل إنها تهدد الحريات الأساسية التي ناضل من أجلها مناهضو نظام الفصل العنصري طويلا، وأنها انصياع بشكل كامل للضغوط الأمريكية[2].

ومن العلماء الذين وقفوا في وجه الفصل العنصري الإمام عبد الله هارون[3] حيث استخدم رابطة الشباب المسلم لدعوة كثير من الأفراد والشخصيات العامة المناهضة لـ “الأبارتهيد”، وهو ما أسهم في أن يصدر في العام 1961 كتيبا بعنوان “الدعوة إلى الإسلام” الذي ينطوي على معارضة العنف في جنوب أفريقيا.

 ولم يقتصر في نشر أفكاره ومعتقداته الإصلاحية على جريدة “أخبار المسلمين” الشهرية، وإنما استخدم كذلك خطب الجمعة والمحاضرات العامة خلال أعوام الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. واستطاع الرجل أن يستخدم هذه اللقاءات العامة في توجيه النقد اللاذع لقوانين، وسياسات الفصل العنصري المطبقة في بلاده. وحينما نظم المؤتمر الأفريقي الجامع مسيرته الحاشدة العام 1960 في كيب تاون أكد الإمام في خطبة الجمعة على مفهوم “الأخوة الإنسانية” في الإسلام، وعلى دور المسلمين الوطني، حيث دعا أتباعه ومريديه بضرورة مساندة إخوانهم الأفارقة الذين كانوا أكثر الفئات معاناة في ظل نظام الفصل العنصري.

 وفي مايو1961، أثناء اجتماع عام في مدينة الكاب، انتقد الإمام قوانين مناطق الفصل العنصري، ووصفها بأنها غير إنسانية وغير إسلامية: “هذه القوانين تبتعد تمإماً عن مبادئ الإسلام الأساسية، وأنها صممت لإعاقة مسيرتنا السياسية وإلاقتصادية والتعليمية، إننا لا يمكن أن نقبل هذا النمط من أنماط العبودية”. ويضيف قائلا: “لقد أضحى وطننا الأم بمثابة سجن كبير، توجد فيه بعض الفتحات الضيقة لكي نتنفس من خلالها. أما اليوم فإن هذه الفتحات قد سُدّت تماماً، وشرع في بناء حائط جرانيتي صلب من حولنا حتى نصاب بالاختناق فلا يسمع العالم أصوات صيحاتنا”[4].

كذلك الدكتور فريد إسحاق وحركة الإسلام التقدمي، ولد فريد إسحاق العام 1959، وترعرع في كيب تاون، وهو ينتمي إلى جذور آسيوية، حيث تنتمي عائلته إلى أرخبيل المالاي. وقد صُنِّف وفقا لنظام الفصل العنصري باعتباره ملونا. ولعل تلك النشأة، في وسط نظام القهر العنصري، جعلته أكثر وعياً بسياقه المجتمعي والثقافي، وقد تخرج من الجامعة الإسلامية العالمية في كراتشي. وقد أكمل إسحاق درجة الدكتوراه في تفسير القرآن بجامعة برمنغهام (بريطانيا)، ومن خلال عمله النضالي  في جنوب أفريقيا ضد سياسة الفصل العنصري، طالب فريد إسحاق بالاجتهاد، للتركيز على مسؤولية المسلمين في العمل ضد كل أنواع الظلم الاجتماعي، فإسحاق نفسه يعكس خبرة النضال الوطني متعدد الثقافات والأديان في مواجهة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

وفي هذا المقام ينبغي أن يذكر أن هناك من المسلمين من شارك وكان لهم مساهمة كبيرة في النضال السياسي ضد التمييز العنصري الذي بني عليه حكومة البيض الأقلية آنذاك. وسجن بعضهم مع مانديلا في جزيرة روبان، منهم أحمد كثرادا و عزيز بهاد و أحمد تمول ويوسف دادو وغيرهم كثير. وقد سمي بعض الشوارع العامة بأسمائهم إكراما واعترافا بدورهم السياسي في تحرير البلاد من التمييز العنصري البغيض.

وقد قاومت حكومة العهد الجديد – بعد سقوط حكومة التمييز العنصري - المحاولات العالمية لإقناعها على اتخاذ موقفا يضايق على الإسلام والمسلمين، فبذلت ما في وسعها في عدم تمييز بين مواطنيها حسب الانتماء الديني. وقد حاولت الأيدي الخبيثة مؤخرا في إثارة القلق في الدولة بنشر الوشايات تشوه صورة الإسلام وسمعة المسلمين مستغلين ظهور الغلو والعنف البغي في أوساط المسلمين في العالم الإسلامي. ولكن الدولة صمدت فى موقفها وأصرت على وزن الأمور بموازينها ومعالجة كل مسألة بحقائقها.

وقد اتجهت الدولة هذه الاتجاه مع المسلمين بناء على دستور الدولة التي تضمن للكل الحرية الدينة والتي تسمح لأي فرد ومواطن إظهار ممارسة دينه ونشره والدعوة إليه. فبالتالي يسمح رسميا للمسلمين الموظفين والطلاب في المدارس الحكومية و الخاصة والجامعات حضور الجمع والعيدين وليس لإحد منعهم من ذلك، وإن كانت تلك الأيام لا تعتبر من أيام العطلة العامة الرسمية  في الدولة.

وقد استفاد بعض المسلمين من الظروف السياسية فدخلوا في النشاط السياسي ، إما بانضمام إلى الأحزاب السياسية أو إنشاء أحزاب سياسية مستقلة. ففي انتخابات الرئاسة الأخيرة لوحظ أنه كان من ضمن الأحزاب السياسية المشاركة حزب باسم ’الجماعة‘، والتى كانت من شعاراته الانتخابية أنها ستسعى على إحياء المبادئ الإسلامية ، وطبعا لم يعد حزب الجماعة ولن يستطيع أي حزب ديني الإعلان أو الوعد بتطبيق شريعة دينهم في حكم الدولة ، لأن ذلك في الحقيقة يساوي انقلابا سياسيا على الدولة التي تحكمها الدستور الوضعي اللاديني. والحقيقة التى لا غبار عليها هي أن الأحزاب السياسيةالدينية لن تحقق أي أثر يذكر في ساحة النظام الدموقراطي ، إذ أساس هذا النظام مبني على  إبعاد الدين عن الحكم واعتبار الدين أمر خاص. وهذا بخلاف الدين الذي ينظر إلى  الحياة نظرة موحدة شاملة بما فيه الحكم والسياسة.

حاليا ليس هناك حزب سياسي للمسلمين في البرلمان الوطني ولا في المجالس التشريعية الإقليمية في الولايات. ولكن هناك من المسلمين الذين انضموا إلى الأحزاب السياسية الأخرى من انتُخِبوا إلى منصاب في البرلمان الوطني والإقليمي. حيث تقلد المسلمين عديد من الوزارات في الحكومة الوطنية، كما انتخبوا كأعضاء في البرلمان، غير بعض من يتقلدون مناصبا في الحكومات الاقليمية والحكومة الوطنية.

وهناك أخرون على المستويات الحكومية المختلفة ، إما الحكومة الوطنية أو الإقليمية أو المنطقية أو البلدية.

الوضع الديني

والمسلمون في جنوب أفريقيا ليسوا منفصلين ولا معصومين عن واقع العالم الإسلام، فإنما هم جزء من الجسد الإسلامي يصيبهم ما يصيبه. فمسلمو جنوب أفريقيا متجهين اتجاهات شتى ، وغالبا فهي اتجهات توارثوها من بلادهم الأصلية مح حيث نزحوا واستمروا عليها متمسكين إلى يومنا هذا. ولعل من أبرزها وأكثرها شيوعا ما يلي:

الصوفية:

جاءت الصوفية مع الموجات الأولى من المسلمين وكانوا من الصوفية على طريقة القادرية[5] غالبا ، ومما اشتهر به هذا النوع من الصوفية ما يمارسونه من عملية إدخال السكاكين وقطعهم أنفسهم بها بدون أن يرى لذلك أثرا أو جرحا ويسمون هذه العملية راتب أو رتيب وعملية أخرى يسمى الحدادحيث ينشدون أورادهم وتيمايلون.   ولا ينسى تعظيمهم للقبور وخاصة قبور الشيوخ الأوائل الذين كانوا في الموج الأول لدخول المسلمين في جنوب أفريقيا، ويعتكفون عندها لأيام خاصة في الأيام المصادفة لعيد الصليب النصراني.

ثم الديوبندية  الصوفية وأختها البروالية  فكلتاهما وصلتا إلى جنوب أفريقيا عن طريق من جاء من شبه القارة الهندية في الموج الثاني.  وبينهما مشحانة وعداوة وبغضاء تاريخية، فالديوبندية منسوبة إلى مدرسة دار العلوم ديوبند في الهند ،  ويعتبر منشئو هذه المدرسة هم المؤسسون للفرقة الديوبندية. يقول أحد زعماء هذه الفرقة في جنوب أفريقيا: ":كثير من شبابنا يظنون بأن ديوبندية مجرد قرية في الهند أو مدرسة دينية ، لا، ليس الأمر كذلك، فإن الديوبندية منهج نسلكه في فهم الدين كما تلقيناه من أكابرنا"[6]

أما البروالية فهم أتباع أحمد رازا وهو كذلك من الهند. وقد ترك الديوبندية لخلاف حصل. فالبرواليون هم أشد غلوا في صوفيتهم من الديوبندية. فعبادة القبور واستغاثة أصحابها والتضرع إليهم بالدعاء الذي هو حق الله تعالى عندهم ركن من أركان إيمانهم. وقد تجدد نشاطهم في الوقت الحاضر ، فلهم قنوات فضائية تبث ضلالتهم و ينشؤون المراكز الدعوية والمساجد ويسمونها فيضان رازا، كما أن لهم برامج خيرية من الإطعام والكسوة والمنح الدراسية وغيرها كثير.

هذا، فإن الهيمنة الدينية التى الإشارة إليها آنفا ، متركز بين الديوبندية والبروالية، وعليه فقد أسسوا مجلسا بسم مجلس اتحاد علماء جنوب أفريقيا. وجعلوا كل جمعيات ’علمائهم‘ أعضاء لهذا المجلس الاتحادي ولكن السيادة فيه للديوبندية.

و قد دخل في البلاد حديثا جماعة صوفية أخرى من تركية، ويطلق عليهم بأنهم الجماعة الغولانية ، نسبة إلى رئيسهم فتح الله غولان الساكن في أمريك.  فأول ما بدؤوا به عند وصولهم إنشاء المعاهد المهني و المدارس النظامية الخاصة؛ فاغتر بهم الكثير من السذجة من المسلمين. وقد بنوا أكبر جامع في جنوب القارة الأفريقية في جوهانسبرج والذي سموه مسجد النظامية.

وفي الأوان الأخيرة ظهرت ظاهرة جديدة عند المسلمين من الأهالي الأصليين، وهي ظاهرة الاعتناق الطريقة التيجانية الصوفية. بحجة أنها صوفية أفريقية يناسب الأفارقة ، ولا شك أن هذا رد فعل في مقاومة الهيمنة الدينية التي لصالح الديوبندية والبروالية ذواتا أصل هند ، فبالتالي انطباع هندي الذي يستوحشه الطابع الأفريقي. ولا يخفى ما في هذا من بقايا الجاهلية ، من وزن الدين والحق بميزان العنصرية ، وإنما يوزن الحق بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم.

الشيعة:

أصبح للشيعة نشاط كبير في الآونة الأخيرة بإشراف جمعية أهل البيت في جنوب أفريقيا (AFOSA) ، كما يلحظ التزايد في عدد مراكزهم – الحسينيات – خاصة في المدن الكبيرة ، فلهم حوز حسينية في دربان في حي أتاوا وكذلك في كاب تاون. و  قد استغلوا وسائل شتي نشر مذهبهم ، منها: المنح الدراسية للدراسات  العليافي الجامعات الإيرانية، وقد تم قريبا اتفاقيات بين دولة جنوب أفريقيا وإيران في مجالات شتى، وهذا سيفتح الأبواب على مصريها لبث فك رة التشيع تحت الدعم الثقافي. فقد تركزت جهود الشيعة في الأهالي الأصليين خاصة شريحة الشباب المثقفة.

ويلحظ أن بعض دعاة الشيعة في البلاد قد اتخذوا صوفية ذريعة لنشر الفكر الشيعي بين العامة من حيث لا يشعرون. وذلك بستغلال التشابه العريقة بين بعض عقائد الصوفية والشيعة، من تعظيم القبور والغلوفي أئمتهم ودعاء الأموات وغيرها من العقائد الهدامة الضالة.

المؤسسات والهيئات

يوجد في جنوب أفريقيا مؤسسات وهيئات دينية تخدم مجالات مختلفة لصالح المسلمين في البلاد وللناس جمعاء في حين آخر. وليس هناك رابط عام مراقب يربط مؤسسات المسلمين أو مجلس عام يندرج تحته تلك المؤسسات. كما يوجد رابط يربط المؤسسات التي تعمل في مجال واحد ، إما في الدعوة أو التعليم أو الخيري. فكل مؤسسة للمسلمين في جنوب أفريقيا تخدم – بشكل مباشر أو غير مبشار – معتقداتها ومنهجها كقاعدة أساسية. ولنذكر بعض أبرز هذه المؤسسات والمجالات التي تعمل فيها:

الاسم

الاتجاه المذهبي

المجال

SANHA

هيئة الحلال الوطنية بجنوب أفريقيا

ديوبندي / حنفي

مراقبة التزام شركات الانتاج والمطاعم لضواط الحلال. أصبحت هذا المؤسسة أكثر نفوذا من منافسيها في هذا المجال ، واكتسبت ثقة كبيرة من العامة المسلمة بما يظهر من تدقيقها في الأمور.

جمعية العلماء جنوب أفريقيا

ديوبندي / حنفي

في أول إنشائها في عام 1923م كانت في ولاية ترانسفال ، التي أصبح الآن خوتانج ، ومقرها جوهنسبرج العاصمة الاقتصادية بجنوب أفريقيا. وليس من المبالغة في القول بأن هذه الجمعية لها نفوذا هيمة أكبر من منافيسها.

مجلس المسلمين للقضاء

أشعري صوفي / شافعي

أنشأ في كاب تاون عام 1945م لخدمة المسلمين في المنطقة وليكون الصوت والممثل للمسلمين في المنطقة الغربية من البلاد.

جمعية العلماء السنية

بروالية / حنفي

أسس هذه الجمعية لخدمة البروالية عام 1979م في دربان.

وقف الواقفين

خيري

يعتبر هذه المؤسسة أكبر مؤسسة خيرية في جنوب أفريقيا ، ونشاطها ليس حكرا داخل الدولة ، بل لهم نشاط دولي في كثير من الدول ، ولها اعتراف كبير من الحكومة. يذكر مؤسسها الطبيب امتياز سليمان الذي ترك ممارسة الطب من أجل التفرغ لعمل هذه المؤسسة، أنه أنشأها بأمر من شيخ صوفي قابله في  إحدى رحلاته في تركيا و أنه كشف له – نوع من الألهام عند الصوفية –  أن  سينفع الناس كثيرا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

.

التعليم الديني

من يدخل في جنوب أفريقيا يذهل بما ييرى من كثرة المراكز التعليمية والمعاهد الدينية الفاخرة الملئية بالطلاب الذين يتوافدون من كل أنحاء العام.  كما اتضح آنفا أن كل الأنشطة الدينية في جنوب أفريقيا تمشي على الخطوط الطائفية المذهبية، وكذلك المراكز التعليمية الدينية.  وقد اشتهرت المراكز للتعليم العالى بدور العلوم ، وهي بمثابة الكليات الشرعية في العالم الإسلامي العربي. وبرنامج التعليم في هذه المراكز ليس معتبرا من قبل الحكومة عند وزارة التعليم العالي ، وهي تشتغل على اعتبارها مراكز ثقافية دينية.

وبرامج التعليم في دور العلوم تختوي على تحفيظ القرآن الكريم و اللغة العربية والدراسات الشرعية، ويستغرق برنامج تعلم اللغة العربية والدراسات الشرعية معا ست سنوات في الغالب. إلا أن اللغة لا يهتم بها اهتماما يستحقها كلغة الدين الإسلامي والجامعة للمسلمين الناطقين بلغات مختلفة. وذلك بأن هذه دور العلوم قد أعطت اهتماما عجيبا للغة الأردو من الهند، الأمر الذي يرجع إلى أن  أكابر مذاهب من الهند ويكتبون بالأردو. بل وقد صرح بعض من استضيف من الهند كضيف شرف في إحدى حفل التخرج بأنه لا ينبغي الاهتمام باللغة العربية كثيرا لأنها يُعرِّض شبابهم للأفكار الوهابية. وزعم أحدهم – وهو مدير أحد هذه الدور – بأن العلم الديني فيما دوِّن وصنف باللغة الأردو. لذلك قلما يوجد خريج هذه يتقن العربية ويعتز بها أكثر من اللغة الأردو. بل منيزعم بأن الأردو والفارسية لغتان إسلاميتان بجانب اللغة العربية.

فبسبب هذا ، فإن التعليم الديني في جنوب أفريقيا يتصف بالتعصب المذهبي والعنصري إلى حد ما، مما يعود على سوء فهم الدين الإسلامي واتساع بون التفرق وإن لم يظهر لأول وهلة. فلا عجب بأن يوجد ضعفا شديد مخلا في المستوى الديني العلمي  في جنوب أفريقيا. فبيانا لهذا الضعف الممقوت ، فإن أحد من ينسب إلى الغلم في البلاد وفي الوقت نفسه هو ألامين العام لإحدى جمعيات العلماء ، فإنه لما استُوضح منه موقفه من الخلاف القائم بخصوص مسألة اختلاف المطالع في روئية الهلال ، وكان الاستفسار باللغة العربية ، فأجاب بكل راحة و ثقة بأنه لا يتكلم باللغة العربية.  ومما يزيد الأمر تعقدا ، هو أن من تخرج من هذه الدور يطلق عليهم لقب "عالم"، وفي الحقيقية أن الكثير منهم لا يعرف كوعه من بوعه. ومن أشهر هذه المعاهد في جنوب أفريقيا ما يلي:

الاسم

الاتجاه المذهبي

المكان

دار العلوم نيكاسل

ديوبندية / حنفية / شافعية

مدينة نيوكاسل. وهي من أقدم المعاهد الدينية.

دار العلوم آزدفيل

ديوبندية / حنفية

غرب مدينة جوهنسبرج

دار العلوم زكريا

ديوبندية / حنفية

جنوب مدينة جوهنسبرج

دار العلوم اسبنجو بيش

ديوبندية / حنفية

مدينة دربان

دار العلوم بريتوريا

بروالية / حنفية

غرب مدينة بريتوريا

 

 

 

 

 

 

 

 

الإعلام

مع وجود القمر الصناعي في الوقت الراهن ، فإنه يمكن المسلمين الوصول إلى القنوات الإسلامية في العالم. وكذلك قد أنشا المسلمونفي جنوب أفريقيا قنوات إذاعية و فضائية على مدار الساعة، ومن أبرزها:

الاسم

المكان

قنوات أي تي في (ITV) الفضائية

 بالاشتراك

إذاعة سي أي أي (Cii)

مدينة جوهنسبرج

إذاعة إسلام

مدينة جوهنسبرج

إذاعة 786

مدينة كاب تاون

إذاعة الأنصار

مدينة دربان

 

 

 

 

 

 

 

الدعوة الإسلامية

عند أول وصول المسلمين إلى جنوب افرقيا نظر الأهالي الأصليون إلى الإسلام نظرة ثقافة قوم وافد لا يهمهم في شيء ، كما كان حالهم مع كل دين جديد وافد إليهم. ولذلك فقد انتشر بين الأهالي الأصليين أن الإسلام دين الهنود أو الملايو لزمن طويل. فزاد الأمر تعقدا وحيرة لما قرر حكومة التمييز العنصري بإسكان الناس حسب عرقياتهم فسدَّ باب الاحتكاك، مما أدى إلى استقرار هذه النظرية. فلما كثرت الجالية المسلمة من دول أفريقية أخر المهاجرة إلى جنوب أفريقيا ، بدء هذا التصور الخاطئ يتغير شيئا فشيئا ، لما يرون من بني جلدتهم من القارة من ترسخ الإسلام فيهم وقدمهم فيه.

ومما ينبغي الانتباه إليه ، هو أن من نظر إلى تقاليد الأهالي الأصليين القومية يفاجأ بأن يرى تشبها عجيبا بينها والتعاليم الإسلامية، الأمر الذي يثبت وجود الإسلام من قبل في القوم ، تصديقا لقول الله سبحان وتعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ [ فاطر: 24] ، فعلى هذا ، لا شك أن هذا التشبه في الحقيقية هو بقية من بقايا  الإسلام. ولما طلِّع أحد كبار الكفار على هذه الحقيقة ، أقرَّ بأن من أراد الرجوع إلى ملة آبائهم الأقدمين فليسلموا. ويمكن تحديد بعض هذه الأمور المشابهة بين الإسلام والتقاليد المحلية:

التيامن في الأكل والشرب والأخذ والعطاء وفي المصافحة ، ويستقبحون استخدام اليسرى في هذه الأمور بل ينكرون استخدامها أشد إنكار ويرون ذلك سوء الأدب وقلة الاحترام ، خاصة إذا يصدر من صغير إلى كبير. ويسمون اليد اليسرى يد القرود ، فلا يليق بالإنسان مشابهة الحيوان.

تحريم الزنا ، فما كانوا يسمحون للزناة العيش معهم ، لذلك كان الزنا عندهم الإعدام لمحصن ولغير محصن. وينسبون مولود الزنا إلى أمه لا أبيه. وهم حريصون على حفظ الأنساب.

النهي عن المشي في نعل واحد ، كما هو الحال في الإسلام لحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في ذلك. فيخلعون النعل الواحد ويمشون حفاة.

وغير هذه كثيرة جدا ، ويوجد هذا التشابه عند كل القبائل  الأفارقة في جنوب أفريقيا. ولا شك أن هذا الوضع أرض خصب لزرع بذور الدعوة الإسلامية.

          فنظام التمييز  العنصري كان يشكل عقبة عظيمة أمام الدعوة الإسلامية في البلاد تحت قانون إسكان الناس حسب العرقيات ، الأمر الذي عاق العمل الدعوي حيث أصبح تجول الدعاة بين الناس محدودا وأحيانا يعرضون للسجن. ولكن بعد سقوطه عام 1994م أصبح ثَم مجالا للاحتكاك غير محدود. ولحظ أن كثيرا من الجمعيات الدعوية بدأت تتلاشى عن الساحة ولم يبقى  إلا مؤسسات معدودة ، مثل المركز العالمي لتبليغ الإسلام (IPCI) لمؤسسها أحمد ديدات، مع أنها كانت تتركز في دعوتها على الطائفة النصرانية فإنها فقدت روحها بعد وفاة مؤسسها – غفر الله له. وقد أُنشأت جمعيات أخر دعوية خلال عشرين عاما الماضية تستهدف الأهالي الأصلين في نشاطها الدعوي.  ويلحظ أن الطابع الغالب للعمل الدعوي من هذه الجمعيات الاحتكار على صنف واحد من الكفار ، ألا وهم النصارى ، بانغماسهم في مقارنة الأديان وهو في الحقيقة مقارنة دين واحد. جاهلا أو متجاهلا هذه الحقائق المشار إليها أعلاه عند المدعوين. فما يكادون يعرفون ماذا يقولون لوثني لا يؤمن بالنصرانية. ولا ريب أن هذا تقصير في معرفة أحوال المدعوين التي تبصر الداعية في اتخاذ أسلوب أقرب للتجاوب الإيجابي، وفيه تفريط في اتباع منهاج النبوة في الدعوة إلى الله تعالى الذي كان على رأس أولوياته الدعوة إلى توحيد البارئ  I  بالعبادة ونبذ الشرك: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ النحل: 36  . فبالتالي بقي الكثير من الكفار في  تيه من أمرهم فيما يتعلق بالإسلام حيث كلما دعوا إلى محاضرة إسلامية غُرقوا في كم أخطاء في كتابهم المقدس وكم فيه من التناقضات وكم وكم... إلا أنهم يخرجون ومازالوا جاهلين عن حقيقة الإسلام وما يدعو إليه من التوحيد والمبادئ الكريمة ، بل حاقدين عليه بما واجهوا من فضيحة وخزي فيتعصون لباطلهم بغيا بغير علم. وهذا هو الواقع المجرب في الساحة ، وهنا يتجلى حكمة الله تعالى حينما قال: وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ الأنعام: 108 . كما يتحتم التزام الكيفية الدعوية التي رسمها القرآن الكريم في قوله تعالى: 

"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" النحل: 125 . 

ففي بيئة التقدم التقني وسهولة التواصل ، فقد انتشر خبر الإسلام بين العامة والخاصة في البلاد. وأكثر الناس دخولا في الإسلام من شريحة الشبيبة ذكورا وإناثا. وخاصة من فقراء القوم كما هو سنة الله مع جميع رسله عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم. ويمكن تلخيص الأسباب اعتناق الإسلام فيما يلي:

بساطة الرسالة الإسلامية على العقول والسهولة في فهمها وعدم التعقد. وذلك أن الرسالة الإسلامية تتصف بالعلمية ، فكل شيء مبرهن بالبراهين الساطعة المقبولة عند الجميع. سواء في إثبات وجود الله تعالى أو توحيده أو البعث بعد الموت أو صدق النبي r.

إعجابهم بما يدعو إليه الإسلام من مكارم الأخلاق وحسن الخلق ، الأمر الذي يعبرون عنه بانضباطية الإسلام وعدم الفوضوية والعشوائية. وكثيرا ما يتأثرون بهذه الأخلاق من أصحابهم الذين يسلمون فيتخلقون بالأخلاق الإسلامية.

ثم الأمر الذي أشرنا إليه آنفا من التشابه الموجودة بين التعاليم الإسلامية وبعض ما عندهم من التقاليد. فيرون الدخول في الإسلام  رجوعا إلى أصلهم لا تبديلا أو اعتناقا لدين جديد.

هذا بغض النظر عن بعض التجارب الشخصية الخاصة التي قد يمر بها الإنسان في طريقه إلى الهداية والدخول في الإسلام.

وفي الأواني الأخيرة قد سقط الكثير من الشبهات التي كانت تحول بين الناس والإسلام إلا أنه نشأ في مكانها شبهات أخرى ،  "الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ" النحل : 25. ومن تسويل الشيطان لهم:

دعوى أن في الإسلام أحكام كثيرة يصعب عليهم تطبيقها، مثل وجوب خمس صلوات في اليوم وترك المنكرات مثل شرب الخمر  والزنا.

التأثر بما يداع عبر الإعلام مما يشوه سمعة الإسلام من عرض الإسلام كدين الإرهاب أو العنف والحروب.

دعوى أن الإسلام مجرد دين كبقية الأديان ، وهو أحد الأديان الإبراهيمية ، إذا فالكل يعمل على شاكلته. ولا ريب أن دين إبراهيم u هم الإسلام كما أقر الله تعالى ذلك : "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" آل عمران: 67.

كما هو واضح أن الجهل هو أم هذه الشبهات الحائلة بين الناس ورجوعهم إلى فطرتهم . مما يتحتم على الداعة توسيع النطاق في تبليغ الرسالة الإسلامية.

هذا، فالجهود الدعوية المبذولة حاليا تتركز كثيرا على الأهالي الأصليين ، الأمر الذي أدى إهمال دعوة المواطنين الآخرين من ذوي الأصول الأروبية – وأكثرهم نصارى – والهندية – وأكثرهم مشركون ، فنتيجة ذلك فهم محرومون من الرسالة الإسلامية التي هي حقهم كذلك، فما نزل القرآن إلا هدى للناس جميعا.

          فليس سرا أن  الإسلام والمسلمين في جنوب أفريقيا يتمتعون بأحسن الظروف والأوضاع بمقارنة الأوضاع الأقليات المسلمة في الأماكن الأخر. فلهم كل الحرية في ممارسة دينهم في كل مكان. وهذه الحرية محمى في دستور الدولة, ثم إن مجتمع جنوب أفريقيا عموما يتمتع بتفتح نادر للآخرين وعدم التعصب البغيض تجاه الأخر. وهذا ، لا شك أنه فرصة ذهبية للمسلمين لتعميم الرسالة الإسلامية بين المواطنين.

التحديات أمام مسلمي جنوب أفريقيا

ليس مما نطمع فيه الإحاطة هنا بجميع تلك التحديات والمشكلات، فكل ما نرمي إليه في هذا الشأن هو الوقوف على أبرز تلك القضايا الخطرة من تحديات ومشكلات متعددة، ويأتي في صدارتها ما يلي من تحديات مثيرة:ـ

الغزو الثقافي الغربي: لا مبالغة في القول بأن دولة جنوب أفريقيا دولة أوروبية في القارة الأفريقية، فالطابع الغالب على الحياة في الدولة هو طابع المدنية الغربية بروحها المادّية والتي تفرض كيانها بشتى الأساليب والوسائل المادّية بصرف النظر عن شرعيتها أو إنسانيتها. فلا شك أن هذا الوضع يشكل تهديدا ثقافيا على المسلمين من تدمير الهوية الإسلامية ومبادئها واستبدالها بالمبادئ الغربية. وهذا الأمر في الوقت نفسه يعوق العمل الدعوي تجاه الأهالي الأصليين إذ يبعدهم عن تقاليدهم الأصلية التي هي قريبة من التعاليم الإسلامية جدا، فبعد التغريب يصعب دعوتهم إلى الإسلام، لأن المبادئ الغربية إلحادية في طابعها.

الخلط بين المأثور الديني والموروث الثقافي:

فمن تمام الحقيقة في حق المسلمين الوافدين إلى جنوب أفريقيا قديما وحديثا، الاعتراف بأنهم قد حملوا معهم أيضًا عاداتهم، وأعرافهم التي اكتسبوها من بيئاتهم  المختلفة من بلدانهم الأصلية، فعجزوا عن التمييز بين ما هو ديني يطلب الالتزام بها وما هو عرفي لا ضرر في تركها. ولعل هذا يرجع إلى ما تم الإشارة إليه من ضعف التعليم الديني وتصدر غير أكفاء في سيادة مجتمع المسلمين.

الانتماء العرقي، والتعامل على أساس طبقي قبلي:

تأثر المسلمون بنظام التمييز العنصري الذي ظل على مجتمع جنوب أفريقيا أكثر من أربعين سنة حتى صار عاديا ، فغلب تأثير الانتماء العرقي على كثير منهم، وهذا إلى جانب ما توارثوها من مثل هذا الانتماء المتعصب  من بلدانهم. فأصبح كل مجموعة تعمل في هذه العرقيات، فلا يستغرب  في هذه الأيام أن يقال: هذا مسجد الهنود أو الصوماليين أو الغثوبيين أو أوغانديين . بل ويجد في مدينة مصلين للعيد متجاورين يقطعهما الشارع فقط ، يصلى كل مجموعة مع أهل عرقيته، وإلى الله المشتكى. والشيء نفسه في ما يتعلق بالتزاوج.

الخاتمة

في الختام يمكن تلخيص ما توصلت إليه هذه العجالة:

يرجع قدم وصول الإسلام والمسلمون إلى هذه البلاد إلى أكثر من ثلاثمائة سنة (300) عند التحقيق.

يتمتع مسلمو جنوب أفريقيا بوضع نادر للأقليات المسلمة في العالم حيث تجمع في حقهم كل الكيانات التي تضمن – بعد الله تعالى – البيئة الخصبة لممارسة ونشر الإسلام ، ألا وهي: الضمان السياسي و الإمكانية الاقتصادية و البيئة الاجتماعية. فيجب عليهم استغلال هذه الفرصة لصالحهم قبل أن ينجلي.

ينقص مسلمي جنوب أفريقيا رجالات أكفاء مؤهلون سالمو المنهج والعقيدة لحمل عباء المشروع الإسلامي في البلاد ، سواء في تزكية وتصفية المسلمين مما دخل عليهم من الانحرافات أو تبليغ الرسالة الإسلامية إلى الناس جميعا.

فمسلمو جنوب أفريقيا في حاجة إلى مراكز تعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية التي تصب في مجرى إعادة الهوية الإسلامية بعيدا عن التأثيرات القومية والتقاليد الموروثة.

هذا ، ونسأل الله تعالى أن يمن على هذه البلاد بالأمن والاستقرار والهداية عاما وعلى مسلمين خاصة وأن يوفقهم لما يحبه ويرضاه في الدنيا والآخرة.

[1] تاريخ الإسلام في جنوب أفريقيا  (The History of Islam in South Africa – A Chronology). ص5

[2] - بين الطموحات والتحديات.. : الإسلام في جنوب إفريقيا، فاطمة محمد البغدادي، http://www.almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=370&Model=M&SubModel=138&ID=643&ShowAll=On

[3] - ولد الإمام عبدالله هارون في الثامن من فبراير العام 1924 بمنطقة نيولاندز – كليرومنت في الأحياء الجنوبية لمدينة “كيب تاون”، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة الفلاح. على أنه سافر إلى مكة المكرمة لتلقي العلوم الإسلامية، حيث درس على يد الشيخ عبدالرحمن العلوي المالكي (المتوفى 1986). وبعد عودته من مكة المكرمة استكمل دراساته الإسلامية على أيدي الشيخ عبدالله طه جمال الدين، والشيخ إسماعيل غانيف(.

يعد الإمام عبدالله هارون أحد رموز النضال الإسلامي ضد نظام التفرقة العنصرية. ويرى كثير من الكتاب أن مشاركة الجماعة المسلمة في جنوب أفريقيا في حركة النضال ضد نظام الفصل العنصري قد تجاوزت حجمها من حيث كونها أقلية. أنظر في ذلك:

Ursula Gunther, The memory of Imam Haron in Consolidating Muslim Resistance in Apartheid Struggle in Mitchell, Gordon. ed. Religion and the Political Imagination in a Changing South Africa. Mu?nster; Mu?nchen (u.a.): Waxmann, 2002.pp.89- 90.

[4] - دراسة: الحركة الإسلامية في جنوب أفريقيا، عبدالقادر طيوب، مركز المسبار للبحوث والدراسات، http://www.almesbar.net/الحركة-الإسلامية-في-جنوب-أفريقيا/#_ftn3

[5]  نسبة إلى عبد القادر الجيلاني الذي نسبوه إلى مذهبهم البدعي ظلما وزورا ؛ وإلا فقد كان رحمه الله إماما من أئمة السنة المطهرة.

[6] كلمة زبير بيات في دربان

 [R1]يختصر في نقاط