الإرهاب المائي في إفريقيا .. المفهوم ، الممارسات ، الآثار

 

د. محمد فؤاد رشوان

باحث في الشؤون السياسية الإفريقية

ومتخصص في قضايا المياه ونزاعات الأنهار الدولية

 

مقدمة:

لعبت المياه دوماً- ولا تزال- دَوراً محوريّاً في حياة المجتمعات البشرية، فالماء هو أصل الحياة، وهو المصدر الرئيسي لتحقيق الرفاهية للإنسان على جميع المستويات، سواء في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي،  أو توليد الطاقة الكهربائية.

ومع تزايد ندرة المياه، نتيجةً للتغيرات البيئية، فضلاً عن التزايد المضطرد في السكان، وزيادة الاستخدامات الصناعية والزراعية للمياه، لذا فقد حاولت كلّ الدول تحقيق الأمن المائي لمجتمعاتها، عن طريق توفير الموارد المائية بالكميات والجودة اللازمة لاستمرار التقدم، والسيطرة على جميع مواردها، بل وعملت على تنمية تلك الموارد بشتى الطرق، منها من استخدم الوسائل والأساليب القانونية، عبر تحقيق التعاون مع باقي الدول وإدارتها بشكلٍ متكامل يحقق الرفاهية للجميع، ومنها من عمل على تنمية مواردها المائية ضاربةً عرض الحائط بالقوانين والمعاهدات الدولية، وقد أثبتت كلّ التجارب السابقة فشل تلك الدولة في تحقيق تنميةٍ مستدامة، نظراً لما تتعرض له من تهديدٍ مستمر باستمرار سيطرتها على تلك الموارد المائية.

ونظراً لأهمية الموارد المائية في حياة الشعوب واستقرارها، فقد أصبحت هدفاً سهل المنال للعمليات الإرهابية، خاصةً أنّ العبث بالمقدرات المائية للدول، من تلويثٍ متعمّد أو تقليلٍ لحصتها من الموارد المائية أو تدميرٍ للبنية التحتية المائية، من شأنه أن يزعزع استقرار أعتى القوى العالمية، فضلاً عما تخلّفه من ضحايا بالآلاف والملايين لا تستطيع أيّ عمليات نوعية أخرى تحقيقها، كما أنها تمثّل ضغوطاً متزايدةً على الأنظمة من أجل الرضوخ والاستجابة لمطالب الجماعات أو الدول التي تهدد أو تقوم بالعمل الإرهابي.

ومع تزايد العمليات الإرهابية المتعلقة بالموارد المائية، وتزايد التساؤل واللغط حول تحديد مفهوم «الإرهاب المائي»، حتى يتسنّى للدول مقاومته، والتخفيف من حدّة آثاره على الدول والجماعات، تسعى هذه الدراسة للإجابة عنه من خلال: استيضاح مفهوم الإرهاب المائي، وتحديد صوره وأشكاله المختلفة، وأخيراً توضيح الآثار المحتملة للإرهاب المائي، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي.

أولاً: مفهوم الإرهاب المائي:

يمثّل الاتفاق حول تعريفٍ محدّدٍ لـ«الإرهاب» إشكاليةً للمتخصصين في مجال العلوم الاجتماعية بصفةٍ عامّة، نظراً لتعدد التعريفات والدراسات التي تتناول مفهوم الإرهاب، كلٍّ حسب مدركاته وثقافته ورؤاه بشكلٍ عام، وقد تعددت جهود وضع تعريفٍ محددٍ للإرهاب، منها ما قامت به  الأمم المتحدة التي أصدرت نحو 19 اتفاقيةً وإعلاناً دوليّاً حول الإرهاب، لكنها لم تتوصل إلى تعريف ماهيته بسبب اختلاف المصالح الدولية، والتفسيرات والتأويلات الخاصّة بذلك، وهو ما أدى إلى زيادة الالتباس حول مفهوم الإرهاب حتى الآن، وهذا ما رصده الباحث أليكس شميد Alex Schmid في كتابه Political Terrorism، من وجود نحو 109 تعريفات لمصطلح الإرهاب، تنطلق جميعها من خلفياتٍ ومصالح سياسية متعارضة[1].

ترَك التقسيم الاستعماري للدول الإفريقية أكبر عددٍ من الدول المتشاطئة على الأنهار الدولية، وهو ما يجعل التنافس على الموارد المائية عنواناً للمرحلة القادمة

وهذا الأمر ذاته ينطبق على مفهوم «الإرهاب المائي»، باعتباره أحد أشكال الإرهاب، من حيث الالتباس في مفهومه نتيجةً لتعدد التعريفات المتعلقة به.

ومن أبرز تلك التعريفات:

تعريف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، الذي عرّف الإرهاب المائي بأنه: «الاستخدام غير القانوني للقوة أو العنف ضدّ الأشخاص أو الممتلكات، لترهيبهم، أو إكراه الحكومة والسكان المدنيّين، من أجل تحقيق أهدافٍ سياسية أو اجتماعية».

وهناك تعريفٌ آخر يعتبر الإرهاب المائي هو: «كلّ فعلٍ غير قانوني ضدّ الموارد أو النُّظم البيئية لإلحاق الضرر بالأفراد، أو حرمان السكان من المزايا والفوائد البيئية، لأسبابٍ سياسية أو اجتماعية»[2].

وبالنظر إلى هذَيْن التعريفَيْن يمكن القول بأنّ كلّاً منهما قد ركز بشكلٍ رئيسي على الدوافع الرئيسية لمرتكبي العمل الإرهابي، وبصفةٍ خاصّةٍ على الدوافع السياسية والاجتماعية؛ في حين أنه من الممكن أن يكون وراء تلك الهجمات دوافع اقتصادية أو دوافع دينية، أو غيرها من الدوافع الأخرى. وكذلك ركز كلٌّ منهما على مفهوم الأعمال العدائية الموجهة ضدّ الدولة بشكلٍ عام؛ على الرغم من كون الفعل الإرهابي نفسه قد تقوم به دولٌ أو شركاتٌ متعددة الجنسيات، ولا يُشترط أن تكون جماعات أو منظمات إرهابية فقط.

لذا؛ فمن الممكن أن يكون تعريف الإرهاب المائي- كما يراه الباحث-: «هو أيّ عملٍ أو سلوكٍ عدواني غير قانوني، سواء كان ماديّاً أو معنويّاً، يهدف لحرمان سكان إقليم معيّن أو دولة من مواردهم المائية بذات الجودة والكمية، بشكلٍ يؤثر على كلّ مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء كان هذا السلوك صادراً عن أشخاص أو جماعات أو دول».

لذا؛ فإنّ أيّ تهديدٍ بإغراق المناطق، أو غلق السدود وحبس المياه عن مناطق أخرى أو المواطنين، أو استخدام المياه لأغراضٍ اقتصادية بغضّ النظر عن حياة المواطنين، أو التعرض للمنشآت المائية بقصد الإضرار بها عسكريّاً أو سياسيّاً أو حياتيّاً، يُعدّ من قبيل الإرهاب المائي.

ثانياً: صور الإرهاب المائي:

تتعدد الصور التي يمكن أن تُعدّ إرهاباً مائيّاً؛ منها: تدمير البنية التحتية المتعمّد من قِبَل الجماعات الإرهابية، أو من قِبَل بعض الأنظمة خلال الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، أو القيام بتلويث متعمّد للموارد المائية، أو ما تقوم به المنظمات المالية الدولية، والشركات متعددة الجنسيات، من خلال السيطرة على الموارد المائية عبر دفع البلدان النامية لخصخصة الموارد المائية بها، وأخيراً ما يمكن أن تقوم به دول المنابع عبر قطع إمدادات المياه؛ عن طريق إقامة سدود أو قناطر، أو تحويلٍ للمجاري المائية دون النظر للحقوق التاريخية المكتسبة أو حقوق الاستخدام المنصف والمعقول، وهو ما سيتمّ عرضه فيما يلي:

1– تدمير البنية التحتية أو خطوط إمدادات المياه أو التلوث المتعمد للموارد المائية:

تعتبر البنية التحتية للموارد المائية عاملاً جوهريّاً من أجل توفير الموارد المائية بالشكل اللازم لتحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية، وتشمل تلك البنية السدود والخزانات والقناطر وكلّ وسائل توصيل المياه الصالحة للاستخدامات المتعددة، كذلك محطات تنقية المياه ومعالجتها وأنابيت توصيل المياه والقنوات وغيرها.

ونظراً لأهمية تلك الشبكة؛ فهي عرضة للعمليات الإرهابية بشكلٍ متعمّد، وقد كانت هدفاً عسكريّاً وسياسيّاً منذ آلاف السنين، فهي من ناحيةٍ تُظهر ضعف سيطرة الدولة على توفير الاحتياجات الأساسية لشعوبها حال تدمير أيٍّ من تلك المنشآت الحيوية، وكذلك تشكّل ضغطاً متزايداً على الأنظمة الحاكمة نتيجةً لتعرض شعوبهم للهلاك حال فقدانهم مصادر المياه اللازمة لهم، وهو ما قد يتسبّب في اضطرابات اجتماعية، أو فوضى، حال تعرض تلك المنشآت إلى هجومٍ إرهابي عليها[3].

ويعود تسجيل أول هجوم على شبكات المياه منذ أكثر من 4500 عام، عندما قام أورلاما Urlama ملك لاجاش Lagash، خلال الفترة من 2450 حتى 2400 قبل الميلاد، بتحويل قنوات المياه إلى المناطق الحدودية لحرمان مدن مدينة «أوما»Umma ، والسيطرة عليها بالكامل بعدما شارف سكانها على الهلاك، ثم تلا ذلك قيام ابنه بقطع إمدادات المياه عن مدينة جيرسو Girsu في مدينة «أوما» أيضاً، وتُعدّ تلك الواقعة هي أول حوادث قطع إمدادات المياه التي سجلها التاريخ من أجل السيطرة على المناطق المجاورة[4].

وشهدت القارة الإفريقية واحدةً من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث، والتي قامت بها قوات الاستعمار الألماني عام 1904م ضدّ سكان جماعة الهيريرو Herero، في جنوب غرب إفريقيا (ناميبيا حالياً)، والتي كانت تُعدّ واحدةً من أكبر الجماعات الموجودة في إفريقيا في ذلك الوقت، ولكن نتيجةً لحصار الألمان لهم لإجبارهم على العمل في المناجم لخدمة مصالحهم، ولوقف عملية المقاومة في تلك المنطقة، فقد حاصروهم، ما أدى إلى إبادة أكثر من 100000 شخص نتيجة الجفاف والتجويع، كما قاموا بتسميم آبار المياه الصحراوية، حتى فقدت تلك الجماعة أكثر من 80% من قوام شعبها[5].

وبالطريقة نفسها استخدمت القوات الألمانية استراتيجية «تسميم آبار المياه» في منطقة جنوب غرب إفريقيا (ناميبيا حاليّاً)، لمواجهة محاولة اتحاد جنوب إفريقيا لاحتلال المنطقة، خلال الحرب التي دارت بينهما خلال عامَي 1914-1915م، والتي رأى خلالها القادة الألمان أنهم يمكنهم السيطرة على مجريات الحرب من خلال تبني استراتيجيات حرب العصابات، وتجنب القوات الألمانية المعارك الضارية من خلال الاعتماد على استراتيجيةٍ أخرى، وهي تجفيف الآبار وتسميمها عبر استخدام مادة «الزرنيخ» السامة في أكثر من ستة آبار في منطقة سواكوبموند وساندفونتين، حيث وجدت قوات جيش الدفاع في اتحاد جنوب إفريقيا أنّ آبار المياه غير صالحة للشرب ولا الاستخدام الآدمي، لذا فقد قامت قوات جنوب إفريقيا للتخلص من ذلك المأزق بجعل الأسرى الألمان يشربون أولاً من كلّ تلك الآبار، للتأكد من مدى صلاحية تلك المياه للشرب من عدمها، وهو الأمر الذي يتعارض مع اتفاقية لاهاي، والتي تحظر في مادتها 23 استخدام أيّ مواد سامة خلال الحروب[6].

وفي سياقٍ آخر؛ قد يُعتبر الإرهاب المائي عبارة عن تعدي دول على المنشآت المائية لدولة أخرى، ولعل المثال الأبرز في ذلك، الذي شهدته قارة إفريقيا، هو ما قامت به القوات الأنجولية الكوبية على سدّ كاليك، حيث تمّ التوصل في عام 1969م إلى اتفاقٍ ثالث بين اتحاد جنوب إفريقيا والبرتغال بشأن عدة مشاريع على نهر كونين، ويتضمّن إنشاء عدة سدود لتوفير متطلبات توليد الكهرباء ومحطة لتوليد الكهرباء بطاقة 240 ميجاوات، وإنشاء محطة لضخ المياه من أجل أغراض الري، وتمّ إنشاء اللجنة الدائمة الفنية المشتركةPermanent Joint Technical Commission (PJTC) والتي لا تزال تعمل حتى اليوم.

ومع اندلاع الحرب الأهلية في أنجولا، عام 1975م، تمّ توقف مشروع سدّ كاليك، ولم تكتمل مشروعات توليد الطاقة الكهربائية المقدرة بسبب رفض الحكومة الأنجولية تشغيل المشروع، وفي عام 1988م شنّت القوات الكوبية الأنجولية هجوماً على سدّ كاليك في البداية عن طريق البر، ثم واصلت الهجوم عن طريق الجو، مما ألحق أضراراً بالغةً على جدار السدّ، وتمّ قطع توليد الكهرباء من السد، وعقدت جنوب إفريقيا جولةً طويلةً من المفاوضات مع حكومة أنجولا من أجل تسوية هذا النزاع، وأوضحت أهمية هذا المشروع على المناطق التي تعاني الجفاف في جنوب إفريقيا، وكان ردّ فعل الجانب الأنجولي إيجابيّاً للغاية، وتعهدت بعدم قطع المياه والكهرباء، وعلى الرغم من ذلك عادت أنجولا للهجوم مرّةً أخرى، وذلك بسبب ضغوط الجانب الكوبي لإلحاق الضرر بجنوب إفريقيا[7].

أما في موزمبيق؛ فقد قامت البرتغال بإنشاء سدّ كاهورا باسا على نهر الزامبيزي، أحد أكبر الأنهار في منطقة الجنوب الإفريقي، من أجل توليد الطاقة الكهربائية، بتكلفة قُدّرت، في عام 1965م، بقرابة 515 مليون دولار أمريكي، وقد وعدت البرتغال جنوب إفريقيا بتصدير أغلب الطاقة الكهربائية الناتجة عن السدّ إليها، من أجل توفير الكهرباء إلى مناجم جنوب إفريقيا، وتمّ توقيع الاتفاقية بينهما في عام  1969م، والتي رأت المقاومة في موزمبيق أنّ هذا الاتفاق ما هو إلا اتفاقٌ من أجل سيطرة النظام العنصري في جنوب إفريقيا على ثروات دولة موزمبيق والاستيلاء على مواردها.

وعقب استقلال موزمبيق؛ حاولت جنوب إفريقيا بسط نفوذها على سدّ كاهورا باسا وخطوطها الكهربائية، ومع بداية عام 1980م أطلقت بريتوريا حملةً عسكرية واقتصادية مستمرة لزعزعة استقرار موزمبيق، خاصّةً بعد سيطرة موزمبيق على خطوط الكهرباء في السدّ ومنعها للكهرباء اللازمة لجنوب إفريقيا، مما دفع مقاتلي حركة التمرد الموزمبيقية (المدعومة من قِبَل جنوب إفريقيا) إلى الاعتداء بشكلٍ متكرر على خطوط الكهرباء التابعة للسدّ، الأمر الذي أدى إلى حدوث شلل لمشروع الكهرباء، وترويع مئات الآلف من الفلاحين الذين يعيشون بالقرب من نهر زامبيزي.

وعلى الرغم من انتهاء تلك الحملة في عام 1992م، ووصول حزب المؤتمر الوطني الإفريقي إلى السلطة بعد عامَيْن، رفضت حكومة جنوب إفريقيا إعادة التفاوض على أسعار الكهرباء التي فرضتها القوى الاستعمارية على موزمبيق. ظلّ ذلك الوضع سائداً حتى عام 2007م، حتى وافقت جنوب إفريقيا على زيادة أسعار الطاقة المولدة من السدّ، واستطاعت موزمبيق فرض سيطرتها على السدّ بشكلٍ تامّ[8].

بينما يتضمّن الشكل التقليدي للإرهاب المائي: قيام بعض الجماعات الإرهابية بهجماتٍ على البنية التحتية، على وجه التحديد السدود وخطوط إمدادت المياه وخطول الأنابيب، ومن أبرز تلك الهجمات استهداف سدّ هيدروليكي كبير على نهرٍ رئيسي أو نظام إمدادات المياه في مدينة كبيرة، وهو ما قد يؤدي إلى تعريض حياة الآلف من السكان إلى الخطر، بالإضافة إلى العديد من الأخطار الأخرى، مثل قطع التيار الكهربائي وما ينجم عنه من توقفٍ تامٍّ للإنتاج والنشاط الصناعي.

خصخصة المياه أحدث أشكال الإرهاب المائي المنظم التي تعرض حياة الشعوب للخطر والفناء نتيجة للفساد المستشري في الدول الإفريقية

ففي عام 2014م؛ عقب خسارة حركة شباب المجاهدين في الصومال العديد من المدن التي سيطرت عليها قوات الاتحاد الإفريقي والقوات الصومالية، غيّرت الجماعة الإرهابية تكتيكاتها لإثبات قوتها ووجودها المستمر في المنطقة، فقامت بقطع إمدادات المياه للمدن التي كانت تحتلها سابقاً، واضطر سكان هذه المدن إلى جلب المياه من المدن المجاورة، إلا أنّ الحركة منعت أي شخصٍ يعيش على الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة من الدخول، مما أدى إلى فقدان السكان الثقة في قدرة الحكومة على توفير الأمن بالشكل الكافي لهم[9].

ومن الأشكال التقليدية أيضاً للإرهاب المائي: قيام بعض الأنظمة بقطع إمدادات المياه عن مناطق الاضطرابات الداخلية، حيث شهدت ليبيا خلال ثورة 2011م ضدّ العقيد معمر القذافي سيطرة القوات الموالية له على مراكز عمليات المياه وإمداداتها، حيث تمّ قطع المياه بالكامل عن مدينة طرابلس من خلال التحكم في النهر الصناعي العظيم في ليبيا، وهو نظامٌ من المضخات والأنابيب والقنوات التي تجلب المياه من الطبقات الصخرية البعيدة إلى طرابلس والمدن الأخرى، وظلّ نصف سكان طرابلس على الأقلّ بدون مياه صالحة للشرب، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة والبلدان المجاورة إلى إرسال سفن صهاريج محملة بمياه الشرب لنقلها عبر المدن الساحلية[10].

ثانياً: خصخصة المياه والإرهاب المائي:

أصبح الاتجاه العالمي متسارعاً نحو نقل وتوزيع الإنتاج وإدارة خدمات المياه من القطاع العام إلى القطاع الخاص، الأمر الذي أدى إلى تحويل المياه إلى «سلعة» قابلة للتداول، ونتيجةً لسوء تنفيذ تلك السياسات والفساد في الدول النامية؛ أدى ذلك إلى حرمان فئات المجتمع المهمشة والفقيرة من حقهم في الحصول على المياه النظيفة الصالحة للاستخدام الآدمي، وهذه السياسات بالطبع تتجاهل احتياجات الفقراء، ونظراً لضعف الرقابة في هذه البلدان النامية الذي يؤدي إلى ارتفاعٍ كبير في أسعار المياه، وسحب المياه للاستخدام الصناعي على حساب الاستخدامات الحياتية الأخرى، فإنّ هذا الأمر يؤدي إلى الاضطرابات الاجتماعية العنيفة والنزاع حول موارد المياه[11].

وعلى الرغم من إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عام 2010م، بحق الإنسان في مياه الشرب النظيفة، ودعوتها للدول والمنظمات الدولية إلى توفير مياه الشرب الآمنة والنظيفة بشكلٍ يناسب الجميع، فإنّ قرابة المليون شخص حول العالم لا يمكنهم الحصول على المياه الصالحة للشرب، ويموت أكثر من مليون شخصٍ حول العالم بسبب تلوث المياه والأمراض المرتبطة بها، وهو عددٌ ضخم مقارنةً بضحايا الحروب في العالم[12].

وقد عانت الدول الإفريقية من تبعات الفقر والديون، حيث لا تزال أكثر من 25 دولةً إفريقيةً تعاني من الديون وأعبائها من قِبَلِ صندوق النقد والبنك الدوليَّيْن التي لا يمكنها تحملها، وفي عام 1992م بلغت نسبة تلك الأعباء على الدول 200% من قيمة صادراتها، وبلغ إجمالي قيمة خدمات الدين حوالي 1000% في بعض الدول، مثل السودان والصومال وموزمبيق.

وقدّم صندوق النقد والبنك الدوليَّيْن شروطاً لتخفيف عبء الدين على تلك البلدان، منها خصخصة المياه من أجل إعادة جدولة الديون المتراكمة عليها، الأمر الذي سيؤدي بالبلدان الإفريقية النامية والفقيرة للانهيار، فقد عرض البنك الدولي شرطاً على تنزانيا، للحصول على قرض مع تخفيف عبء الدين، أن تقوم  بخصخصة شركات المياه والصرف الصحي، من خلال نقل إدارة المياه لشركاتٍ خاصّة[13]، الأمر الذي يمثّل احتلالاً جديداً للقارة الإفريقية، وسيدفع بالبلدان الإفريقية الفقيرة إلى حدّ الانهيار والصراعات والحروب الأهلية، بالإضافة إلى النزاع على موارد المياه مع الدول المجاورة، وبالتالي تدخل المنطقة في حلقةٍ مفرغة من الصراعات والحروب، تحول دون تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية[14].

شروط البنك الدولي وخصخصة المياه في تنزانيا:

فعلى سبيل المثال: تنزانيا، المثقلة بالديون للبنك الدولي والبنوك الغربية، استجابت لتوجيهات صندوق النقد الدولي بإعطاء عقود شركات المياه إلى شركات خاصة، وكذلك إلغاء الدعم على المياه من أجل الحصول على قرضٍ قيمته 145 مليون دولار، لرفع كفاءة البنية التحتية ومشروعات المياه، وفي 31 مايو 2002م قدّم بنك الاستثمار الإفريقي قرضاً بقيمة 47 مليون دولار من أجل تمويل مشروعات إمداد المياه والصرف الصحي في دار السلام، على أن يتمّ تغطية باقي القرض من البنك الدولي، وبنك الاستثمار الأوروبي، والوكالة الفرنسية للتنمية، من أجل تحسين إمكانية الوصول للمياه الصالحة للشرب دون تحمّل السكان لأعباءٍ إضافية، وهو ما سيُسهم في الحدّ من الفقر، وتحسين الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للسكان، وبالتالي الحدّ من انتشار الأمراض التي تنقلها المياه الملوثة.

فيما ترى المعارضة في تنزانيا أنّ شروط البنك الدولي لتحسين مرفق المياه من أجل إيجاد مشترٍ يخدم أهداف الشركات متعددة الجنسيات، خاصّةً عقب فضيحة خصخصة شركة كهرباء تنزانيا، التي تمّ بيعها إلى شركةٍ صغيرة جداً في جنوب إفريقيا لا تتمتع بأي كفاءة لإدارة شبكة الكهرباء في تنزانيا، وبعدما أُثير النقاش عن فساد تلك الصفقة رفض البرلمان الكشف عن تفاصيل العقد؛ على أن تستمر الخصخصة سرّاً.

ومن الجدير بالذكر: أنّ البنك الدولي يصرّ على خصخصة قطاع المياه في تنزانيا، مقابل إدراجها ضمن مبادرة البلدان المثقلة بالديون، من أجل تخفيف عبء الديون على تنزانيا، وذلك عقب إجراء الإصلاحات البنيوية، بما في ذلك خصخصة إمدادات المياه[15].

تقييم عملية خصخصة المياه:

قبل عام 1990م لم تكن قارة إفريقيا تعرف «خصخصة المياه»، حيث لم يوجد سوى عددٍ محدود من شركات المياه الخاصّة في إفريقيا، إلا أنّ الأمر تطور بشكلٍ كبيرٍ جداً في العقدَيْن الماضيَيْن، وأصبحت العديد من الشركات متعددة الجنسيات تسيطر على إمدادت المياه في جنوب إفريقيا، الأمر الذي أدى إلى ظهور العديد من الأمراض والأوبئة نتيجة نقص إمدادات المياه الصالحة للشرب، وأصبحت الأمراض التي تنقلها المياه هي السبب الثاني من أسباب الوفيات بين الأطفال، ونتيجةً لذلك فقد عانت دولة جنوب إفريقيا عام 2000م من أكبر وباءٍ تفشى بها، وهو مرض الكوليرا، نتيجةً لعدم وجود المياه الصالحة للشرب الكافية للسكان، مما دفع السكان لموجةٍ من الاحتجاجات في جوهانسبرج ضدّ الحكومة، لعدم قدرتها على توفير المياه الصالحة للشرب، وراح ضحية تلك الاحتجاجات أربعة أشخاص نتيجة ارتفاع أسعار المياه بنسبة 15%، مع توالي الزيادة، الأمر الذي يصعب معه وصول المياه إلى الفقراء في جنوب إفريقيا[16].

ونعرض- فيما يأتي- مثالَيْن من أجل تقييم عملية خصخصة المياه، باعتبارها أحدث أشكال الإرهاب المائي المنظم التي تعرّض حياة الشعوب للخطر والفناء نتيجةً للفساد المستشري في الدول الإفريقية، حيث يتمّ الترويج لعملية الخصخصة على أنها الحلّ الأمثل للقضاء على مشاكل قطاع المياه، إلا أنّ الممارسة العملية لها قد أثبت عكس ذلك تماماً، من خلال دراسة العديد من التجارب في إفريقيا جنوب الصحراء.

1- خصخصة المياه في غانا:

ومثلاً: أدت خصخصة المياه في غانا إلى زيادة رسوم المياه في العاصمة الغانية (أكرا) بنسبة 95% من سعرها، ومن المتوقع أن تزيد بنسبة 300%، وهو ما سيؤدي إلى عدم إمكانية حصول 35% من السكان على المياه النظيفة.

وقد مرّت عملية الخصخصة في غانا بعدة مراحل، منها إنشاء لجنة استشارية 1996م، ثم إعادة هيكلة الأمانة العامة لقطاع المياه في عام 1997م، للإشراف على عملية الخصخصة، وتمّ عمل الدراسات الخاصّة والتنسيق مع الشركات الراغبة في الاستثمار في مجال المياه في غانا عام 2000م، وبحلول عام 2003م تمّ توقيع عقد الخصخصة مع الشركة، مع إعطائها كلّ الامتيازات التي تمكّنها من إتمام عملها، منها إلغاء التعريفة الجمركية على المواد اللازمة في مشروع المياه[17].

2- حالة غينيا في خصخصة المياه:

تسعى دول المنابع في الآونة الأخيرة إلى اعتبار المياه سلعةً اقتصادية تُقدّر بثمن، لبيعها لدول المصبّ، دون التقيّد بقواعد القانون الدولي

 تمثّل غينيا حالةً خاصّةً بالنسبة لعملية خصخصة المياه، حيث قامت شركة ساور Saur الفرنسية بالحصول على عقد استغلال إمدادات المياه في غينيا لمدة عشر سنوات، وقامت بهيكلة قطاع المياه بشكلٍ كبير، حيث قامت بتسريح العديد من العاملين بمرفق المياه، وغيرها من الإجراءات من أجل تعظيم أرباحها، كما قامت برفع الأسعار بشكلٍ غير مسبوق، فقد كان سعر المتر المكعب من المياه ما يعادل 0.12 دولار، ومع بدأ عملية الخصخصة كان من المتوقع أن يرتفع إلى 0.76 دولار، إلا أنّ السعر قد قفز إلى 0.83 دولار أمريكي لكلّ مترٍ مكعب، وهو سعرٌ يعادل- إن لم يكن يفوق- دخل الفرد اليومي، وهو ما يدفع أغلب السكان إلى شرب المياه غير الصالحة للاستخدام الآدمي، وقد نتج عن عملية الخصخصة في غينيا أنّ 45% من السكان ليس لديهم مياه صالحة للشرب، وذلك في المناطق الحضرية، ترتفع تلك النسبة لتصل إلى أكثر من 64% في المناطق الريفية، خاصةً أنّ أكثر من 50% من السكان يعيش على أقلّ من دولارٍ واحدٍ يوميّاً.

 وعقب انتهاء عقد الإيجار؛ رفضت الحكومة الغينية تجديد ذلك العقد مرّةً أخرى إلا بعد تخفيض أسعار المياه من أجل تخفيف العبء على السكان، وقامت بتوقيع عقد لمدة عامٍ واحد فقط مع الشركة؛ حتى يتمّ الانتهاء من ترتيبات مناقصةٍ أكبر تتنافس فيها العديد من الشركات من أجل تخفيض أسعار المياه، والتي شهدت ارتفاعاً غير مسبوق، هدد بقيام احتجاجاتٍ عارمة في البلاد من شأنها زعزعة استقرارها بالكامل[18].

ثالثاً: ممارسات دول المنابع بشأن دول المصب:

تُعدّ المياه أهمّ عنصرٍ حيوي تقوم عليه حياة الإنسان، كما أصبحت عنصراً من عناصر قوة الدول وازدهارها، وبذات القدر تُعدّ أحد مصادر التوتر، مما أدى إلى تزايد الاحتمالات بأن تكون الحروب القادمة- في العالم بأجمعه- هي حروبٌ من أجل المياه.

وقد أصبح لندرة المياه العذبة تأثيرٌ كبيرٌ على بقاء واستمرار تطوير مؤسسات الدول السياسية والاقتصادية، فعندما لا تتوافر المياه تتأثر باقي أنشطة الدولة في المجالات الصناعية والزراعية، الأمر الذي يؤثر- بشكلٍ واضح- في الاستقرار السياسي والأمني والعسكري، وبالتالي تتحول الموارد المائية إلى سياسةٍ عليا للدولة، ومن ثمّ تلعب دَوراً محوريّاً في تشكيل العلاقات الدولية نتيجةً لتزايد الضغوط على استخدامات المياه العذبة[19].

ونتيجةً لشدة التنافس بين الدول على الموارد المائية؛ تسعى كلُّ دولةٍ إلى السيطرة على أكبر قدرٍ من المياه عبر إنشاء السدود والقناطر، وغيرها من المشروعات التي تمكّنها من السيطرة واستغلال المياه المتاحة بالشكل الأمثل، وهو ما قد يؤثر في حياة الشعوب الأخرى المشاطئة للنهر، خاصةً مع اعتماد أغلب دول المنابع على نظرية «السيادة المطلقة» من أجل السيطرة على الموارد المائية، الأمر الذي يمثّل تهديداً خطيراً على حياة الشعوب والجماعات الموجودة على طول النهر.

 وتسعى دول المنابع في الآونة الأخيرة إلى اعتبار المياه «سلعة اقتصادية» تُقدّر بثمن، وبذلك يمكنها تسعيرها وبيعها لدول المصبّ دون التقيّد بما نصّت عليه قواعد القانون الدولي من الحقوق التاريخية المكتسبة لدول المصبّ، ومبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، الذي نصّت عليه كلٌّ من قواعد هلسنكي واتفاقية الأمم المتحدة بشأن الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية عام 1997م. وفي أفضل الأحوال ستقوم دول المنبع ببيع ما يزيد عن الحقوق التاريخية المكتسبة لدول المصبّ؛ مقابل مبالغ مالية قد تفوق ميزانيات تلك الدول، وهو ما سيزيد من تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لدول المصبّ، ويشكّل سابقةً تفتح الباب على المزيد من التهديد لحياة شعوب دول المصبّ[20].

ومن ناحية أخرى؛ يشكّل انخفاض جودة المياه تهديداً خطيراً على صحة الإنسان والحيوان والنبات، ويصبح- في كثيرٍ من الأحيان- مصدراً للنزاع بين أولئك الذين يسبّبون التلوث والمجموعات الأخرى المتأثرة به، كما يؤثر بشكلٍ متزايدٍ على سُبل العيش، الأمر الذي قد يدفع البلاد إلى حربٍ أهلية[21].

إلى جانب ذلك؛ توجد مشاكل أخرى تتعلق بجودة المياه، مثل المستويات المفرطة من الأملاح الذائبة أو المواد الصلبة العالقة فيها، والتي قد تنتج عن تسرب المياه الجوفية المفرطة الملوحة إلى مصبات الأنهار، أو عدم كفاية المياه العذبة المتدفقة إلى تلك المصبّات.

فعلى سبيل المثال: خفضت السدود في جنوب إفريقيا جزءاً من تدفقات المياه العذبة إلى حوض نهر أنكوماتي في موزمبيق، وأدت إلى زيادة مستويات الملوحة فيها، مما أثر بالسلب على النظام البيئي، وألحق أضراراً بالقطاع الزراعي فيها، مما قد يؤدي إلى تهديد سُبل العيش لقطاعٍ كبير من السكان، الأمر الذي قد يدفع إلى تدهور العلاقات بين الدولتَيْن، ونشوب نزاعٍ بينهما[22].

رابعاً: الآثار السياسة والاقتصادية للإرهاب المائي في إفريقيا:

بالنظر إلى الآثار المستقبلية التي يمكن أن يسببها الإرهاب المائي، خاصةً مع تزايد الهجمات على المنشآت المائية، ومع تزايد اعتماد السكان على المياه السطحية، فإنه يمكن للإرهاب المائي أن يؤثر بشكلٍ كبيرٍ على الجهود الرامية لإدارة مستجمعات المياه العابرة للحدود، التي تعاني بالفعل من ضعف قدرتها على تنمية الموارد المائية، مما يشكّل تهديداً إضافيّاً إلى جانب التحديات المناخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحالية.

وقد تمثّل تلك التهديدات صعوبةً بالغة، حيث إنّ تأثير تلك الهجمات على البنية التحتية للمياه في دول المنابع قد يؤدي إلى تدمير أممٍ بالكامل تعيش على مجرى النهر، حيث إنّ تدمير جسم السدّ أو أنظمة التحكم الإلكتروني في السدّ قد يؤدي لأي فيضاناتٍ عارمة تدمّر الأراضي الزراعية والمحاصيل، وهو من شأنه أن يؤثّر على الأمن الغذائي لكلّ دول النهر، فضلاً عن موت وهلاك ملايين الأشخاص.

أ- الآثار السياسية للإرهاب المائي:

تسعى أغلب الجماعات الإرهابية إلى القيام بعملياتها الإهاربية وتوجيهها إلى المنشآت المائية الحيوية، مثل خطوط إمداد المياه أو السدود والقناطر، أو عبر القيام بتلويث الموارد المائية للدولة بشكلٍ يعكس فقدان الحكومة للسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد، وهو ما يؤدي إلى زعزة استقرار تلك الأنظمة، وفي حال كون النظام يحتكم إلى الممارسات الديمقراطية في الحكم؛ فإنه من الصعب الحصول على فرصٍ أخرى للنجاح في أقرب انتخابات تُجرى في البلاد، وقد تستخدم تلك الحكومات أساليب قسرية وقمعية بشكلٍ مبالغٍ فيه خلال جهودها لمكافحة الإرهاب، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الثقة بين الأفراد والحكومة من ناحية الممارسات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان[23].

كما يمكن للأعمال الإرهابية أن تكون في نطاق إحدى الجماعات الإثنية داخل الدولة، فتقوم العديد من أحزاب المعارضة باستغلالها بشكلٍ كبير، يؤدي إلى إسقاط الحكومة أو نظام الحكم القائم بشكلٍ كامل، فضلاً عما يمكن أن يترتب على ذلك من شعور تلك الجماعات بالاضطهاد، وبالتالي تتوالى الاحتجاجات بها، مما يؤثر بشكلٍ كبيرٍ على استقرار الدولة بالكامل.

ب- الآثار الاقتصادية للإرهاب المائي:

يمكن للإرهاب المائي أن يؤثر سلباً بشكلٍ كبير على النمو الاقتصادي، وذلك من خلال العديد من الوجوه، فمن ناحيةٍ قد تؤدي الهجمات الإرهابية على البنية التحتية إلى تقييد الاستثمارات، وتحوّل الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أماكن أخرى أكثر أماناً، كما أنّ زيادة الإنفاق من قِبَل الدولة على تأمين المنشأة الحيوية، مثل السدود والقناطر وغيرها، يؤدي إلى تحويل جزءٍ كبيرٍ من الإنفاق المخصص للاستثمار إلى الإنفاق العسكري والأمني، مما يؤثر على النمو الاقتصادي، كما أن الهجمات الإرهابية على السدود من شأنها التأثير على توليد الكهرباء، وخاصةً في أغلب الدول الإفريقية التي تعتمد على الطاقة الكهرومائية بشكلٍ رئيسي، وهو ما يؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة، من توقف حركة الإنتاج في المنشآت الصناعية، وكذلك زيادة الإنفاق للبحث عن موارد كهربائية بديلة.

ومن ناحية أخرى؛ قد يؤدي ضعف سيطرة الدولة على تأمين إمدادت المياه، أو حدوث تلوث للمياه، وزيادة الأمراض المتعلقة بالمياه، إلى حدوث احتجاجات أو حروبٍ أهلية تعوق عملية التنمية الاقتصادية في إفريقيا، وخاصةً أنّ أغلب الدول الإفريقية تحتاج إلى تحقيق معدلات عالية من النمو وبشكلٍ منتظم، من أجل تحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية لشعوبها، وقد تؤدي تلك الاحتجاجات أو الحروب الأهلية إلى هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، وهو ما يؤدي إلى دخول البلاد في حلقةٍ مفرغة من الحروب المستمرة نتيجةً لتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية[24].

وختاماً:

تتعدد صور وأشكال الإرهاب المائي نظراً لتعدد الجهات التي يمكن أن تشكّل أعمالها تهديداً حقيقيّاً لحياة الشعوب، سواء كان القائم بتلك الأعمال جماعات أو تنظيمات إرهابية، أو دولاً تسعى لتخريب وإزاحة أنظمة قد تكون مختلفةً معها في الفكر والرؤية، أو من خلال المنظمات الدولية المالية أو الشركات متعددة الجنسيات، والتي باتت تمثّل نوعاً جديداً من الاستعمار، فما كادت الدول الإفريقية تتحرر من الاستعمار التقليدي القديم، والذي عمد إلى سرقة موارد القارة الإفريقية الطبيعية والبشرية، حتى ظهرت تلك الأشكال الجديدة من الإرهاب، سواء كانت نتيجةً مباشرة لممارساته، أو غير مباشرة؛ قام بصنعها من أجل الاستيلاء على ما تبقّى من القارة من موارد وخيرات.

وشهدت القارة الإفريقية تواجد كلّ أشكال وصور الإرهاب المائي، بشكلٍ يجعلها تعيش في دائرةٍ مفرغةٍ من النزاعات والحروب الأهلية أو الحروب على المياه مع دول الجوار، فضلاً عن فشلها في تحقيق التنمية التي تحقّق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية لشعوبها، وهو ما يجعلها تعيش في تبيعةٍ مستمرة للغرب، تُستباح فيها ثرواتهم وحياة شعوبهم من أجل تحقيق الرفاهية الاقتصادية للدول الغربية، عبر ما تفرضه من شروطٍ للإقراض، أو ما تفرضه مؤسساتهم المالية التي يسيطرون عليها من أصناف العبودية الجديدة للشعوب الإفريقية.

وأخيراً؛ فقد ترك التقسيم الاستعماري للدول الإفريقية أكبر عددٍ من الدول المتشاطئة على الأنهار الدولية، تسعى كلٌّ منها للحصول على أكبر كميةٍ من المياه من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، وهو ما يجعل التنافس على الموارد المائية عنواناً للمرحلة القادمة، تصل لمرحلة الحروب على المياه، وتهديد حياة الشعوب الإفريقية ومستقبلها.

 

[1] د. عبد الحسين شعبان، التطرف والإرهاب إشكاليات نظرية وتحديات علمية مع إشارةٍ خاصة إلى العراق، مراصد (الإسكندرية، وحدة الدراسات المستقبلية– برنامج الدراسات الاستراتيجية- مكتبة الإسكندرية، العدد42،  ديسمبر 2017م)، ص13.

[2] Peter H. Gleick, Water And Terrorism, In Water Policy,( London, IWA Publishing, Vol.8, 2006), P.P.483-484.

[3] Odhiambo E.O.S, Maito L.T,(Etal.),Vulnerability Of Water Infrastructure To Terrorism , In Asian Journal Of  Natural & Applied Sciences, (Oyama, Leena And Luna International,Vol.2, No. 1, March 2013), P.51.

[4] B. Gurugnanam ,Essentials Of Hydrogeology, (New Delhi, New India Publishing Agency, 2009), P.194.

[5] Amy M. Rivera, Did The German Actions In The Herero Rebellion Of 1904-1908 Constitute Genocide?, Master, (Colorado, Faculty Of The U.S. Army Command And General Staff College, 2012), P.P.8-10.

[6] Evert Kleynhans, A Critical Analysis Of The Impact Of Water On The South African Campaign In German South West Africa, 1914-1915, In Historia, (Durban, Historical Association Of South Africa, Vol.61, No.2 , 2016), P.P.17-18.

 

[7] Richard Meissner, Hydropolitical Hotspots In Southern Africa: The Case Of The Kunene River In Water For Peace In The Middle East And Southern Africa, (Hague: Green Cross International, 2nd World Water Forum, 20 March, 2000), P.149.

[8] Allen Isaacman And Barbara Isaacman, Cahora Bassa : Extending South Africa ’S Tentacles Of Empire, (Paper Presented To Agrarian Seminar, Yale University, 20 September 2013), P.P.5-7.

[9]Jennifer Veilleux & Shlomi Dinar, New Global Analysis Finds Water-Related Terrorism Is On The Rise, 8 May 2018 At:

Https://Www.Newsecuritybeat.Org/2018/05/Global-Analysis-Finds-Water-Related-Terrorism-Rise/

[10] Peter H. Gleick And Matthew Heberger, Water And Conflict Events, Trends, And  Analysis (2011–2012), In Water Brief 3, (Sirlanka, International Water Management Institute ,Vol.8 , 2010), P.164.

[11] المثال الأوضح والأكثر شهرة في الصراع حول خصخصة المياه: هو قضية كوتشابامبا في بوليفيا، التي تقع في منتصف المنطقة الصحراوية، مما يجعل الوصول للمياه مورداً مهماً وثميناً، وفي عام 1999م أوصى البنك الدولي بضرورة خصخصة المياه في منطقة كوتشابامبا من أجل تخفيف عبء الديون على بوليفيا، التي كانت تقدّر بـ600 مليون دولار، وقامت الحكومة بالتنازل لشركة بكتل الأمريكية عن حقها في إدارة المياه في المنطقة، والتي يقع مقرها في سان فرانسسكو، وأقر البرلمان البوليفي هذه الإجراءات، وألغى الدعم على المياه في المنطقة استجابةً لتوصية البنك الدولي، ووصلت فاتورة المياه إلى 20 دولاراً شهرياً، مع العلم بأنّ الحد الأدنى للأجور هو أقلّ من 100 دولار، مما اضطر الأهالي إلى المفاضلة بين الماء أو الغذاء، وفي عام 2000م قامت ثورة شعبية في بوليفيا خرج فيها الملايين من الشعب من أجل المطالبة بإلغاء خصخصة المياه وعودة الدعم عليها مرّةً أخرى، ونتيجةً لذلك اضطرت الحكومة البوليفية إلى إلغاء عقود شركات المياه، وفي عام 2001م رفعت شركة بكتل دعوى تعويض على الحكومة البوليفية لعدم إتمام التعاقد، وعرض النزاع على الهيئة الدولية لتسوية نزاعات الاستثمار (ICSID)... انظر بهذا الصدد في:

- Mohammed H.K. Al-Essawi And Elijah M. Ntuli, “Accentuating River Border Conflicts And Water Privatization: The Southern African Development Community”,  In Journal Of Applied Sciences,(Hubei: Asian Network For Scientific Information, Vol. 7, Issue 4, 2007), PP.536-538.

وانظر أيضاً:

Dustin Van Overbeke, Water Privatization Conflicts, At:

- Http://Academic.Evergreen.Edu/G/Grossmaz/VANOVEDR

[12] Annie Lehman-Ludwig, Opening The Floodgates: Water Security And Terror 3November 2017 At:

Http://Www.Brownpoliticalreview.Org/2017/11/Opening-Floodgates-Water-Security-Terror/

 

2  Hydropolitics And Geopolitics: Transforming Conflict And Reshaping Cooperation In Africa, In Africa Notes, November/December 2004, PP. 5-6.

[15] Wole Akande, Water Privatization In Africa At:

Https://Www.Globalpolicy.Org/Component/Content/Article/211/44511.Html

[16] Barry Mason And Chris Talbot, What Water Privatization Means For Africa, 7 September 2002 At:

- Http://Www.Wsws.Org/Articles/2002/Sep2002/Wate-S07.Shtml

[17] Henry Wonder Doe, "Assessing The Challenges Of Water Supply In Urban Ghana: The Case Of North Teshie", Master, (Stockholm: Royal Institute Of Technology (KTH), 2007), PP.33-34.

[18] Kate Bayliss, Water Privatization In SSA: Progress, Problems And Policy Implications, Paper Presented To The Development Studies Association Annual Conference, University Of Greenwich, 9th November 2002 (London, University Of Greenwich, 9 Nov. 2002), P.P.7-8.

[19] Alex S. Wilner," Fresh Water Scarcity And Hydro Political Conflict : Between The Science Of Fresh Water And The Politics Of Conflict " Journal Of Military And Strategic Studies, (Calgary: The Centre For Military And Strategic Studies,Vol.8, Issue 1, Fall, 2005), PP.5-7.

[20] أحمد مصطفى علي، أزمة المياه المصرية، حدة الصراع وآليات المواجهة، (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014)، ص.ص (35-36).

[21] أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض جودة المياه وتلوثها هو عمليات الصرف، التي تتم في أحواض الأنهار، لمياه الصرف الصناعية والمنزلية والمبيدات الزراعية، وقد أدى هذا الأمر إلى حدوث حرب أهلية في طاجكستان، حيث أدى الإجهاد البيئي إلى حرب أهلية خلال الفترة من عام 1992م  إلى عام 1997م نتيجة تهديد الأمن البشري الناتج عن تدهور المياه، كذلك أدى هذا الأمر إلى تلوث المياه في الهند في حوض نهرPalar  نتيجة صناعة دباغة الجلود وتصريفها في مياه النهر، مما جعل مياهه غير صالحة للري والاستهلاك، وأدى إلى حدوث أزمة حادة واحتجاجات من قبل المجتمع المحلي والمنظمات الناشطة في مجال البيئة، وإلى وصول الأمر إلى القضاء بين المزارعين والقائمين على صناعة الدباغة.... للمزيد في ذلك انظر:

- Annika Kramer,Water And Conflict Policy Briefing For USAID(Washington DC: Adelphi Research Center For International Forestry Research, 2004), P.5.

[22] Idem.

[23] Laron K. Willams, And M Ichael T. Kochand , The Political Consequences Of Terrorism: Terror Events, Casualties, And Government Duration, In International Studies Perspectives, (Oxford, Oxford University Press, Vol 14, Issue 3, August 2013), P.P.343- 344.

 

[24] Khusrav Gaibulloev And Todd Sandler, The Adverse Effect Of Transnational And Domestic Terrorism On Growth In Africa, In Journal Of Peace Research, (London, Sage Publication, Vol. 48, NO., 3, 2011), P.356.