الإرهاب: أسئلة تنتظر إجابات

  • 1 -10 - 2017
  • تحرير المجلة

بسم الله الرحمن الرحيم الإرهاب في صورته التي لا خلاف عليها: القتل العشوائي وترويع الآمنين وتخريب الممتلكات الخاصة والعامة بغير حق، وباء آخذ في الانتشار والاستقواء في أفريقيا بما يحمله من كوارث على كافة المستويات،

وباء يتضرر منه الجميع؛ حكومات ومجتمعات، مما يحتم عليهم جميعا الاصطفاف والمبادرة مسرعين لوقف انتشاره واستئصاله من البيئة الإفريقية،

فهل حصل ذلك؟

إن النظر في واقع الإرهاب في أفريقيا؛ من حيث تنوع مكوناته ومسمياتها،وخارطة وجوده وانتشاره، ومن حيث تعامل دولها معه ومعالجته، يثير عدد من الملاحظات والتساؤلات، تتعلق بفهم وتحليل هذه المشكلة، ومن ثم التعامل معها ومعالجتها،

فعلى مستوى فهم المشكلة وتحليلها:

هل الإرهاب-بأنواعه- هز نتاج طبيعي للبيئة الأفريقية،ومتسق مع تكوين الإنسان الأفريقي وتكوينه الثقافي والاجتماعي؟ أم هو نتيجة للعولمة، ومنها عولمة الصراعات والأفكار؟

ما علاقته بالصراع والمنافسة الإقليمية والدولية ؛ وتطور نظريات الحرب؛ من الحروب المباشرة إلى الحروب الباردة وبالوكالة والفوضى الخلاقة..؟؟

وما علاقة الإرهاب –خاصة العابر للقارات- بأساليب وآليات الاستغلال والسيطرة؟

هل الإرهاب مشكلة مركبة؟ أم بسيطة؟وإذا كان مشكلة مركبة- وهو كذلك- فهل وجد فرز تمييز بين الأسباب المؤسسة، والأسباب المغذية؟؟

هل تم استقراء بؤر الإرهاب؛ ومواطن حركته ودلالة ذلك؟؟ لماذا يوجد هنا ولا يوجد هناك مع تقارب الأسباب الظاهرية؟ هل لذلك علاقة بالصراعات الداخلية والإقليمية أو الدولية أو المطامح الشخصية؟ أم بالثروات ومصادر الطاقة؟ أم بالموقع والجغرافيا؟[1] أم بالتأثر والتأثير الثقافي والديني في الإقليم؟؟ أم... ؟....؟ فمثلا لماذا لا يوجد حضور أو عمليات ل(داعش أو القاعدة)في إريتريا- خاصة مع قربهما في الصومال- بالنظر إلى استيلاء الأقلية النصرانية على الحكم وتعاملها مع الأكثرية المسلمة بديكتاتورية وقمع أدى إلى هجرة نحو ثلثي الشعب؟؟ومع ذلك تنشط بقوة في بلدان ذات أكثرية مسلمة ويتمتع المسلمون بكثير من الحقوق فيها، وبحرية كبيرة في الدعوة كما في غرب أفريقيا؟؟

 ولماذا تشهد أثيوبيا استقرارا-نسبيا- مع تنوع قومياتها ودياناتها، وكون الحكم بيد، القومية التيجارية وهم أقلية؟

بعكس جارتها الصومال ، والتي تكاد تكون شبه موحدة في عرقيتها، ودينها ومذهبها؟؟

ولماذا يرفع في مكان شعارات دينية، وفي آخر شعارات قومية، وفي ثالث مطالب انفصالية؟؟

هل وجد استقراء ومقارنة بين منهج وأدبيات الجماعات التي تتبنى العنف والإرهاب-سواء المحلية أو الدولية-، وبين الأعمال التي تقوم بها، وهل بينها اتساق وتكامل؟ أم تناقض واختلاف؟ وما سبب ذلك الاختلاف-إن وجد-؟

لماذا تسلط الأضواء ويتم التركيز على نوع من الإرهاب دون آخر؟؟ أين الحديث عن جيش الرب وميليشيا أنتي بلاكا- مثلا-؟؟؟

 المستفيد- دول أو جهات أو أفراد- من بقاء نار الإرهاب مشتعلة، لا شك أنه يغذيها بين الحين والآخر لئلا تنطفئ فتذهب مكاسبه، فمن المستفيد من الإرهاب؟؟ مع ملاحظة أن كثيرا ممن ينتهجون العنف لم يحققوا شيئا يذكر من مطالبهم وأهدافهم.

هل هناك استفادة وتوظيف لوثائق ونتائج التحقيق التي أجريت لأعمال إرهابية سابقة، مثل مجزرة راوندا والصراع في سيراليون، لفهم طبيعة الإرهاب؛ وتداخل الصراع الدولي، وصراع النفوذ، والدافع الاقتصادي، ، مع المكونات الداخلية والمطامع الشخصية؟؟

 ما دور وحجم الأسباب الداخلية؛ مثل الظلم والفساد والاستئثار بالسلطة والثروة والتهميش والتجهيل، والتمييز والتفرقة بين مكونات المجتمع، وإهمال التنمية، وهشاشة الدولة و....

وأيهم أكثر تأثيرا في وجود الإرهاب أو انتشاره، الأسباب الداخلية أم الخارجية؟ وهل هذا متسق في كل مناطق الصراع وبؤر العنف؟أم بينها تفاوت؟

ماذا عن مصادر التمويل؟ وطرائق الاتصال والتواصل؟ وآلياتها؟

ما علاقة مافيا الجريمة الدولية(المخدرات-الاتجار بالبشر والسلاح والممنوعات...) بالمشكلة ودورها فيه؟؟

وعلى مستوى التعامل مع مشكلة الإرهاب ومعالجتها:

بداية هناك ثلاث مستويات متوازنة للتعامل مع الأوبئة والكوارث: معالجة المصابين واستنقاذهم- محاصرة الوباء في أضيق نطاق لئلا ينتشر- تحصين الآخرين من الإصابة به.

فهل هذا ما يحصل في معالجة وباء الإرهاب؟؟

أم أن التركيز منصب على معالجة المصابين به؟ وهي معالجة تعطي – في الغالب- نتيجة عكسية؛ لأنها تستخدم-فقط- الحل العسكري والقبضة الأمنية، دون المعالجة الفكرية والسياسية والتنموية.

استخدام الحل الأمني كحل وحيد أو رئيس، هل تم بناء على تحديد دقيق للمشكلة، وفرز سليم لكل خيارات المعالجة، وفق معايير سليمة؟؟ أم تم اختياره لأسباب أخرى تتعلق بالقوى الداخلية أو الخارجية؟؟ أم هو نوع من الهروب إلى الأمام وكونه أسهل من الحلول الجذرية المتعلقة بالإصلاح ودولة الفانون والحقوق والمشاركة والتنمية؟؟

لماذا – في الأغلب- يكون التوجه نحو الحل الأمني نتيجة طلب أو اقتراح خارجي؟وتتبناه وتشارك فيه قوى لها مصالح أو مطامع في المنطقة؟ بل يظهر التنافس في تشكيل أكثر من حلف في مناطق متقاربة أو متداخلة؟؟

أين الحل والتنسيق الإقليمي والقاري، على مستوى مؤسساته السياسية والعسكرية والعلمية، وإيجاد المؤسسات والآليات المناسبة؟ أوليس أهل مكة أدرى بشعابها !!  

ما نتائج استخدام الحل الأمني؟ هل المشكلة في انحسار واضمحلال، أم في ازدياد وتوسع[2] ؟

وكذلك ما جدوى التواجد العسكري الأجنبي؟ وهل هو عامل استقرار أم استفزاز؟

كيف تتمكن جماعات العنف والقتال من الانتقال بين الدول وشن الغارات، ومن ثم الرجوع بأسلحتها وغنائمها، لمعاقلها البعيدة، مع انتشار القواعد الأجنبية وتوفر أحدث أجهزة الاتصال والرصد والرقابة؟؟

ما مدى تأثير الحل الأمني في تقوية تأثير الأسباب الأخرى، مثل عسكرة الدولة وإهمال التنمية والفقر وإحياء النعرات والعصبيات بأنواعها و...؟؟

ما مدى قبول المجتمعات للحل الأمني ، وقناعتهم به وتفاعلهم معه[3] ؟؟

الإرهاب مشكلة عالمية عانت منه كثير من الدول، وهناك دول نجحت في معالجته، وأخرى فشلت، فهل هناك دراسة تلك التجارب واستفادة منها؟

 ما دور الإرادة الإقليمية والدولية، والإرادة الداخلية المحلية، ولمن التأثير والغلبة، في تحجيم الإرهاب وتجاوز أضراره؟؟ خرجت راوندا من أكبر مذبحة في أفريقيا؛ تسابق في ميدان التنمية والرفاهية، ولا تزال الصومال تعاني من الاقتتال والانقسام منذ أكثر من ربع قرن.

خطر الإرهاب وضرره لا يقتصر على مؤسسات الدولة وقياداتها، بل يشمل المجتمع ومؤسساته وأفراده وقيمه ومكتسباته، فلماذا تستأثر كثير من الحكومات بالتعامل معه والإنفراد بمعالجته؟ ولا تشرك بقية مكونات المجتمع وقياداته؟

ولماذا تأخرت القيادات المجتمعية والمؤسسات العلمية والفكرية في المشاركة في المعالجة؟؟

إنها نماذج لملاحظات وأسئلة مشروعة،  طرحها الكثير من المهتمين والمتابعين، ينبغي أن توضع فوق طاولة التشريح وتحت مجهر الفحص والبحث العلمي بأدواته التحليلية والاستقرائية والموضوعية، من أجل فهم سليم وعلاج ناجع لهذا الوباء، ونحن في مجلة قراءات إفريقية، نفتح الباب لنشر كل مساهمة مؤثرة، ونسعد أن نكون، منصة يقدم من خلالها العلماء والمفكرون، مشاركتهم في محاربة هذا الداء،

إن المنتظر من القوى والنخب والمؤسسات المجتمعية؛ المبادرة دون انتظار، للمشاركة في وضع الحلول، وتقويم عمل الحكومات، وعلى أصحاب القرار أن يمدوا أيديهم؛ ويفسحوا المجال لكل القوى الوطنية لتشارك معهم، فالكل في مركب واحد، إن غرق غرق الجميع.

إن درء خطر الإرهاب والسلامة من أضراره تتحقق-بإذن الله، وبعد لاستعانة به سبحانه- من خلال فهم صحيح متكامل لمسبباته ومكوناته، وإرادة صادقة مستقلة – عن مصالح القوى الإقليمية والدولية-بمشاركة حقيقية من كل مكونات المجتمع؛ كل بحسب تخصصه وموقعه،

إن التعامل الجزئي في الفهم والمعالجة والتنفيذ؛ لن يقضي على الإرهاب بل سيسهم بطريقة أو أخرى في انتشاره وتكاثره، لأن القضاء على الإرهاب مسؤولية الجميع.

[1] -تشابك وتداخل مصالح متنوعة هو أحد أسباب استمرار مأساة الصومال، كما تبينه مقالة: لماذا لم يتم القضاء على جماعة حركة الشباب حتى اليوم؟ مترجم في موقع قراءات أفريقية

[2] - في القرن الإفريقي كان هناك القليل جدا من البحوث الاجتماعية الموضوعية في محركات وأسباب التطرف, فالدراستان الجادتان حتى الآن التي تم فيهما بالفعل إجراء مقابلات مع مقاتلي حركة الشباب السابقين في الصومال وكينيا أجراهما معهد بريتوريا للدراسات الأمنية. وفى كلتا الحالتين كانت النتيجة واضحة: أغلبية المقاتلين في "الشباب" يقولون بأنهم انضموا إلى الجماعة المتطرفة بعد أن عانوا معاملة وحشية على يد قوات الأمن. المرجع السابق

[3] - ينظر مقال: ما الجدوى من تواجد القوى الأجنبية في ظل تصاعد الإرهاب في منطقة الساحل؟! مترجم في موقع قراءات أفريقية