الأزمة المائية في حوض نهر النيل.. المسيرة والمصير

  • 27 -9 - 2010
  • السيد فليفل

إعداد: الدكتور السيد فليفل 

نهر النيل هو أطول أنهار الدنيا؛ حيث يقطع النهر من منابعه عند بحيرة فيكتوريا حتى مدينة رشيد على البحر المتوسط مسافة تبلغ ‏6700‏ كم‏,‏ يعبر خلالها عشر دول تُعرف باسم «دول حوض النيل», وهي: إريتريا، إثيوبيا‏, ‏كينيا‏,‏ أوغندا,‏ تنزانيا‏,‏ رواندا‏,‏ بوروندي‏,‏ الكونغو الديموقراطية، السودان‏,‏ مصر. ويغطي النيل مساحة قدرها ‏2,96‏ مليون كم‏2,‏ أي ما يعادل ‏10%‏ من مساحة القارة الإفريقية.

ويستجمع النيل مياهه من منبعين رئيسين؛ هما:‏ الهضبة الإثيوبية,‏ وهضبة البحيرات الاستوائية، وتُعد الهضبة الإثيوبية هي الأهم، حيث تمد النيل عند مدينة أسوان في مصر بنحو ‏85%‏ من إيراده السنوي, أما هضبة البحيرات الاستوائية فيبلغ متوسط إيرادها السنوي 13‏ مليار م‏3, وهي أكبر المصادر انتظاماً في إمداد النيل بمياهه على مدار العام‏،‏ وإن كانت لا تمد النيل عند مصبه إلا بنسبة 15% تقريباً من إيراده المائي السنوي.

أولاً: تنظيم الانتفاع بموارد نهر النيل:

سعت دول حوض النيل إلى تنظيم الانتفاع بموارد النهر وفق نظرية «الملكية المشتركة»، والتي تذهب إلى أن النهر الدولي من منبعه إلى مصبه‏؛‏ يُعد مملوكاً ملكية مشتركة بين جميع الدول التي يجري النهر في أقاليمها؛ بحيث تكون حقوقها متساوية ومتكاملة، فلا تنفرد إحداها دون موافقة الدول الأخرى بإقامة مشروع للانتفاع بمياه النهر في الجزء الذي يجري في إقليمها؛ ما دام هذا الانتفاع يؤدي إلي إحداث أي تأثير في جريان مياه النهر سواء بالزيادة أو النقص([1]).

البداية كانت في عهد محمد علي والي مصر، وذلك مع حملات سليم قبطان الثلاث خلال المدة من 1839م إلى 1842م لاستكشاف المنابع الاستوائية للنيل، فيما واصل الخديوي إسماعيل بن براهيم بن محمد علي المسيرة؛ بالاستعانة بالمكتشفين الأوروبيين، وإنشاء الجمعية الجغرافية عام 1875م،      فتمكنت مصر في عهده من الوصول إلى منابع النيل الاستوائية حتى بحيرة فيكتوريا، وسُميت مدينة «غندكرو» في الجنوب السوداني باسم «الإسماعيلية»، وأُطلق على «بحيرة كيوجا» اسم «بحيرة إبراهيم», كما بسطت مصر سيطرتها على سواكن ومصوع عام 1865م، وزيلع عام 1875م، وتوغلت بعثاتها الكشفية في شمال الحبشة وشرقها، وهو ما أدى في النهاية إلى نشوب الحرب المصرية الحبشية (1875 - 1876م).

تلا ذلك توقيع عدد من الاتفاقات والمعاهدات لإقامة أطر تعاونية ومشروعات مشتركة بين دول حوض النيل، وتأمين انتفاع دول حوض النيل بموارد النهر، ولا سيما مصر والسودان (دولتي المصب)، وقد خلصت هذه الاتفاقيات والمعاهدات إلى عدم إقامة أي مشروعات على المجرى الرئيس لنهر النيل أو روافده؛ من شأنها التأثير سلباً في التصريف المائي للنهر، أو في نوعية مياهه.

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أكثر من عشر وثائق دولية جرى توقيع بعضها في خلال العهد الاستعماري، حيث وقعتها الدول المستعمرة نيابة عن مستعمراتها في ذلك الوقت, وهذه الاتفاقيات هي بروتوكول روما 1891م، وتلاه اتفاق أديس أبابا 1902م، ثم اتفاق لندن 1906م، فاتفاق روما 1925م، واتفاق 1929م.

في حين تم توقيع بعضها الآخر بعد حصول دول حوض النيل على استقلالها، مثل اتفاق 1959م بين مصر والسودان، واتفاق عام 1991م بين مصر وأوغندا، والاتفاق الإطاري بين مصر وإثيوبيا عام 1993م، بيد أن اتفاقيتي 1929م و 1959م كانتا أهم اتفاقين من بين الاتفاقات المذكورة.

جاء اتفاق 1929م في شكل خطابات متبادلة بين رئيس مجلس الوزراء المصري آنذاك السيد/ محمد محمود، والمندوب السامي البريطاني بالقاهرة، حيث كانت بريطانيا راعية لمصالح السودان وأوغندا وكينيا وتنجانيقا, وتعود أهمية هذا الاتفاق إلى أنه تضمّن اعترافاً من بريطانيا بحق مصر الطبيعي والتاريخي في مياه النيل، واعتبار أن هذه الحقوق مبدأ أساسي من مبادئ السياسة البريطانية, كما أنه أعطى لمصر الحق في مراقبة مجرى نهر النيل من منبعه حتى مصبّه، وتضمن إلزاماً لدول الحوض بعدم القيام – بغير سابق اتفاق مع مصر - بأي أعمال للري أو توليد الطاقة الكهربائية على نهر النيل وفروعه والبحيرات التي ينبع منها يكون من شأنها التأثير في حقوق مصر المائية, كما حدد الاتفاق نصيب مصر من المياه بمقدار 48 مليار م3، بينما تحدد نصيب السودان بمقدار 4 مليار م3، أي بنسبة 12 إلى 1.

أما اتفاق 1959م؛ فقد كان أكثر شمولاً من اتفاق 1929م؛ حيث أكد مسألة «الانتفاع الكامل بالمياه», واستند إلى مبادئ الحقوق المكتسبة، وضبط النهر، وتوزيع فوائده، والتحكم في منع انسيابه إلى البحر، ومنح مصر والسودان حصة مائية إضافية؛ قدرها 4,5 مليار م3 بالنسبة لمصر، و 14,5 مليار بالنسبة للسودان.

ثانياً: أُطر التعاون الجماعي بين دول حوض النيل:

تمثّلت أطر التعاون الجماعي بين دول حوض النيل في أربعة أطر أساسية؛ هي: مشروع الدراسات الهيدرومترولوجية لحوض البحيرات الاستوائية «هيدروميت»، وتجمع «اندوجو»، ولجنة التعاون الفني لتدعيم التنمية وحماية البيئة في حوض النيل «تكونايل»، ومبادرة حوض النيل.

1 -  مشروع هيدروميت:

بدأ هذا المشروع عملياً عام ‏1967‏م، واستمر حتى عام 1992م، مستهدفاً دراسة الميزان المائي لهضبة البحيرات الاستوائية، وتجميع البيانات الهيدرومترولوجية الخاصة بالهضبة، وإعداد نماذج رياضية توضح استخدامات الدول في الحاضر والمستقبل‏. لكن المشروع لم يحقق أكثر من مجرد جمع بعض البيانات وتحليلها عن الميزان المائي لدول الحوض, كما أن المشروع جرى بمشاركة مصر والسودان وأوغندا وكينيا وتنزانيا‏,‏ ثم انضمت لهم لاحقاً كل من رواندا وبوروندي والكونغو‏,‏ بينما ظلت إثيوبيا عضواً مراقباً.

2 -  تجمّع اندوجو([2]):

أنشئ هذا التجمع عام 1983م، وعقد عدة اجتماعات قبل أن يتجمد نشاطه بعد الاجتماع السابع في فبراير1991م دون أن يحقق الهدف المنشود منه، وهو إنشاء سلطة مشتركة لضبط النهر، وتنظيم مشروعاته الكبرى وإدارتها، حيث قوبل هذا التجمع بقدر كبير من الشك والريبة، ومن ثمّ تأخر انضمام بعض دول حوض النيل إليه، بينما انضمت تنزانيا كعضو مراقب، فيما ظلت إثيوبيا وكينيا خارج نطاق التجمع.

3 -  مشروع تكونايل‏([3]):

بدأ هذا المشروع في ديسمبر 1992م, وضم كلاً من مصر والسودان وأوغندا وتنزانيا ورواندا والكونغو‏, إلا أن كلاً من إثيوبيا وكينيا وبوروندي وإريتريا ظلت بوضعية المراقب‏,‏ وقد انتهى هذا المشروع دون أن يحقق نتائج ملموسة؛ باستثناء أنه تمخض عن عقد سلسلة مؤتمرات «النيل 2002م»، والتي كانت مثل منتدى للحوار والتباحث بين مسؤولي دول حوض النيل وخبرائها.

وبالرغم من الجهود السابقة للوصول إلى إطار قانوني يقنّن أسس الانتفاع بموارد نهر النيل، وتدشين مشروعات تعاونية تعظم الاستفادة من تلك الموارد؛ فإن تباين مواقف دول حوض النيل بشأن الالتزام بالاتفاقات القانونية الموقعة خلال العهد الاستعماري أو حتى بعد الاستقلال، وإخفاق المشروعات التعاونية في تحقيق الأهداف المتوخاة منها، ظل يمثل نقطة ضعف أساسية في النظام الهيدروليكي لحوض نهر النيل، وعلى ذلك اقترحت مصر إنشاء «آلية شاملة» لتنظيم التعاون بين دول حوض النيل.

4 -  مبادرة حوض النيل:

طرحت مصر إنشاء ما يُسمى «مبادرة حوض النيل»، وبالفعل توصّل وزراء دول الحوض إلى اتفاق مبدئي على تدشين هذه المبادرة التي أعلن عن ميلادها من العاصمة التنزانية دار السلام في فبراير 1999م، وانضم إليها كل دول حوض النيل العشر، باستثناء إريتريا التي انضمت كعضو مراقب.

أ -  أهداف المبادرة:

تبنت المبادرة هدفاً أساسياً تسعى للوصول إليه، وهو «تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة؛ من خلال الانتفاع العادل والاستفادة المنصفة من الموارد المائية المشتركة لحوض نهر النيل»، واستناداً إلى هذا الهدف العام وضعت المبادرة مجموعة من الأهداف الأولية؛ أهمها: التنمية المتواصلة والعادلة للموارد المائية لدول حوض النيل، وضمان الإدارة الفعّالة للمياه، وتشجيع التعاون بين دول الحوض بما يحقق النفع المتبادل للجميع، وتحقيق التكامل الاقتصادي، ومحاربة الفقر، وضمان الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ.

قوبلت المبادرة بقدر كبير من التفاؤل، ورآها الكثيرون نقلة نوعية في العلاقات بين دول حوض النيل، ودفعة قوية لمشروعات العمل الجماعي بين دول الحوض كافة، خصوصاً أنها تستند إلى مبادئ الاستخدام العادل لموارد نهر النيل المائية والطبيعية، وأن المياه حق لكل دولة من دول الحوض, كما تم الاتفاق على أن تكون الاستفادة من أي مشروع في إطارها من نصيب دولتين على الأقل من دول الحوض.   

إضافة إلى ذلك؛ فإن المبادرة لا تقتصر على مجرد إقامة مشروعات مائية متناثرة هنا أو هناك‏,‏ وإنما هي تعبّر عن رؤية استراتيجية تستهدف ربط مصالح دول حوض النيل بعضها ببعض؛ من خلال مجموعة من المشروعات التنموية ذات المنفعة المشتركة لأكثر من دولة في قطاعات عديدة أخرى؛ أهمها: الطاقة، والري، والزراعة، والثروة السمكية، والملاحة النهرية، وبناء القدرات والتدريب، وغيرها‏.‏

كما نظر بعض المهتمين إلى المبادرة على أنها خطوة مهمة في طريق تحويل العلاقات المائية بين دول حوض النيل من الطابع الفني إلى الطابع السياسي، ومن ثمّ حظيت المبادرة بدعم حكومي واضح من جانب دول الحوض.

ب -  الهيكل التنظيمي للمبادرة:       

يضم الهيكل التنظيمي للمبادرة ثلاثة أجهزة أساسية؛ هي: المجلس الوزاري، اللجنة الفنية الاستشارية، والسكرتارية الفنية. 

المجلس الوزاري يضم جميع وزراء الموارد المائية في حوض النيل، ويجتمع مرة واحدة سنوياً، وتكون رئاسته دورية.

أما اللجنة الفنية الاستشارية؛ فتمثل جميع دول الحوض، وتتولى إعداد الدراسات وتقديم التوصيات للمجلس الوزاري بشأن المشروعات المستهدفة، وتجتمع كل شهرين أو ثلاثة على الأكثر، وتكون رئاستها دورية.

وبالنسبة للسكرتارية الفنية؛ فقد اختيرت مدينة عنتيبي الأوغندية مقراً لها, كما اختير السيد «معراجي موسويا» –  وهو تنزاني الأصل –  سكرتيراً تنفيذياً للمبادرة.

وتمّ الاتفاق أيضاً على تشكيل مجموعات عمل وطنية تابعة للمبادرة، على المستوى الفني المائي، داخل كل دولة من الدول الأعضاء.

ت -  المشروعات الواردة في إطار المبادرة:

تبنّت المبادرة «برنامج عمل استراتيجي»، ينطوي على مشروعات عديدة، تتوزع على برنامجين متكاملين؛ هما: برنامج مشروعات الرؤية المشتركة، وبرنامج مشروعات الأحواض الفرعية.

يستهدف البرنامج الأول: إعداد دراسات جدوى من أجل صياغة المشروعات وتطويرها على المستوى الكلي لحوض النيل، وذلك في سبعة قطاعات ترتبط بقضية المياه؛ وهي: البيئة، والطاقة، والاستخدام الأمثل للمياه للإنتاج الزراعي، وإدارة موارد المياه والتخطيط لها، وبناء الثقة، والتدريب التطبيقي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

أما البرنامج الثاني: فيعنى بتطبيق المشروعات على المستوى الجزئي، وذلك في حوضين فرعيين؛ هما: حوض النيل الشرقي «سبعة مشروعات»، وحوض النيل الجنوبي (البحيرات الاستوائية) «اثنا عشر مشروعاً».

بالنسبة للمشروعات المقترحة في حوض النيل الشرقي؛ فهي: مشروع الإدارة المتكاملة لتخطيط الموارد المائية، وتنمية حوض نهر البارو - اكوبو، وإدارة الفيضانات ونظم الإنذار المبكر، وتنمية الطاقة الكهرومائية والربط الكهربائي، ومشروعات الري والصرف، وإنشاء وحدة لإدارة المشروعات المقترحة في النيل الشرقي.

أما المشروعات المقترحة في حوض النيل الجنوبي؛ فتتعلق بقطاعين أساسيين؛ هما: تطوير المصادر الطبيعية، والربط الكهربائي بين دول الحوض الجنوبي، حيث تتضمن مشروعات تطوير المصادر الطبيعية مشروعات تطوير الإدارة والموارد في كل من بحيرتي ألبرت، وإدوارد، وأنهار مارا وكاجيرا، وأحواض ماليكس - مبالا - سيو.

أما مشروعات الربط الكهربائي؛ فتتضمن مشروع توليد الطاقة من مساقط روسومو، ومشروعات الربط الكهربائي بين كينيا وأوغندا، وكذا الربط بين رواندا وبوروندي والكونغو الديموقراطية، والربط بين رواندا وبوروندي، وأيضاً الربط بين أوغندا وبوروندي.

وتستغرق مدة دراسة الجدوى لكل مشروع من مشروعات المبادرة ما بين ثلاث إلى ست سنوات، وذلك بتكلفة مقدرة تبلغ 130 مليون دولار بالنسبة لمشروعات الرؤية المشتركة، و 49 مليون دولار بالنسبة لمشروعات النيل الشرقي، و 30 مليون دولار بالنسبة لمشروعات النيل الجنوبي.

وقد حرص المجلس الوزاري للمبادرة على تدبير التمويل اللازم لإجراء دراسات الجدوى وتنفيذ المشروعات، وذلك بإدخال العديد من الجهات الدولية المانحة، من خلال ما عُرف باسم «الاتحاد الدولي المائي للتعاون في حوض النيل»، حيث يتولى الاتحاد مهام التنسيق بين أجهزة المبادرة والجهات المانحة الحكومية وغير الحكومية وتنظيمات المجتمع المدني، فيما يتعلق بالتمويل والحوار البناء.

وقد عقد الاتحاد أول اجتماعاته في جنيف في يونيو 2001م, وتمكن الاتحاد من حشد أكثر من (15) جهة مانحة للمبادرة، وذلك تحت رعاية البنك الدولي.

ثالثاً: الأزمة المائية:

بدأت المشكلات المائية مع استقلال دول حوض النيل؛ حيث أعلنت كل من إثيوبيا وكينيا وتنزانيا وأوغندا عدم اعترافهم بالاتفاقات المنظمة للانتفاع بمياه النيل، وبخاصة اتفاقيتا 1929م و 1959م, واستندت تلك الدول إلى أن الاتفاقات المذكورة تمّ توقيعها من جانب الدول الاستعمارية نيابة عن دول حوض النيل التي لم تكن دولاً مكتملة السيادة آنذاك، وأن تلك الاتفاقات جاءت متحيزة لبريطانيا، أو بالأحرى لمصر. 

وهنا أيدت حكومات الدول المذكورة ما عُرف باسم «مبدأ نيريري»، نسبة إلى جوليوس نيريري الرئيس التنزاني آنذاك، والذي ذهب إلى أن الدولة المستقلة غير ملزمة بما سبق للدول الاستعمارية التوسّعية توقيعه من معاهدات أو اتفاقات قبل الاستقلال.

لكن مواقف دول حوض النيل من اتفاقات مياه النيل لم تثمر عن أي نتائج فعلية لتغيير تلك الأطر القانونية أو إعادة النظر في الحصص المائية لكل من مصر والسودان, ويعود ذلك إلى جملة من الأمور؛ أبرزها: ارتباط اتفاقات المياه بالاتفاقات الحدودية، ومن ثمّ كان من الصعب جداً نقض تلك الاتفاقات، خصوصاً مع صدور قرار من منظمة الوحدة الإفريقية بشأن قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار.

كما كان للسياسة المصرية النشطة في إفريقيا دور فاعل في إجهاض تحركات دول المنابع، خصوصاً في ظل الدعم القوي الذي قدمته مصر لحركات التحرر الوطني في القارة؛ بما في ذلك دول حوض النيل, بالإضافة إلى نقص خبرة تلك الدول بالمسائل الهيدروليكية، ومن ثمّ عجزها عن إدارة عمليات التفاوض في هذا الشأن، فضلاً عن أن بعض دول حوض النيل الأخرى مثل الكونغو الديموقراطية ورواندا وبوروندي لم تكن معنية بالأمر، وذلك لانشغالها بمشكلات الداخل، ووفرة مصادر المياه البديلة، وعدم اعتمادها على مياه نهر النيل.

غير أن هذا الاستقطاب أدى إلى شيوع مناخ من عدم الثقة بين دول حوض النيل، ومن ثمّ ظل التعاون فيما بينها محدوداً للغاية، سواء في إطار مشروع هيدروميت أو تكونايل أو تجمع اندوجو.

عادت المشكلة المائية مجدداً إلى الظهور بقوة منذ العام 2003م؛ حيث صدرت تصريحات عن مسؤولي دول منابع النيل تطالب بإعادة توزيع الحصص المائية بين دول الحوض، وضرورة تسعير المياه, ومثال ذلك التصريحات التي أطلقها بعض الوزراء ونواب البرلمان في كل من كينيا وأوغندا وتنزانيا في ديسمبر ‏2003‏م, والإعلان الإثيوبي عن بدء دراسات الجدوى لإنشاء سد لتوليد الكهرباء على النيل الأزرق, وقد وصل الأمر إلى حد أن بعض دول المنبع سعت لطرح تلك القضية ضمن اجتماعات الاتحاد الإفريقي في ليبيا، كما طرحتها أيضاً في خلال اجتماع دول حوض النيل في العاصمة الأوغندية كمبالا.

في خضم هذا الجدل جرت المفاوضات بشأن الإطار المؤسسي لمبادرة حوض النيل, وبالرغم من ذلك نجحت دول المبادرة في الوصول إلى توافق عام بشأن معظم مواد مشروع الإطار المؤسسي للمبادرة (39 بنداً)؛ بما في ذلك المواد القانونية الشائكة التي تحدد أسس التعاون ومبادئه في استخدامات النهر‏، ومن ذلك الاتفاق حول مبدأ عدم الإضرار بالآخر‏,‏ والاستخدام المنصف والعادل للمياه‏,‏ والمعايير الواجب مراعاتها عند توزيع الحصص المائية‏,‏ وقصر الاستفادة من مياه النيل على دول الحوض‏,‏ وغير ذلك من مبادئ كان الاتفاق عليها أمراً ليس بالسهل أو اليسير في بداية المفاوضات‏.‏

بيد أنه في خلال اجتماعات كينشاسا في مايو 2009م؛ تعذر الوصول إلى تسوية مقبولة بشأن ثلاثة بنود أساسية؛ هي: الحقوق المكتسبة، والإخطار المسبق، ونظام التصويت على القرارات، حيث حدث نوع من الاستقطاب بين الموقف المصري - السوداني من ناحية، وموقف دول المنابع من ناحية أخرى.

الموقف المصري - السوداني أصر أن يتضمن الإطار القانوني للمبادرة نصاً صريحاً في (المادة 14 ب) الخاصة بالأمن المائي يضمن عدم المساس بحصة مصر التاريخية من مياه النيل، وأن يتضمن البند رقم (8) شرط الإخطار المسبق قبل إنشاء أي مشروعات على نهر النيل وروافده، وأن يتم تعديل البند (34 أ ، ب) بحيث تكون جميع القرارات الخاصة بتعديل أي من بنود الاتفاق أو الملاحق بالإجماع وليس بالأغلبية، وفي حال الإقرار بمبدأ الأغلبية فإنه يجب أن تضم هذه الأغلبية دولتي المصب (مصر والسودان).

أما دول المنابع؛ فقد رفضت إدراج الحقوق التاريخية المكتسبة في متن الاتفاقية، وقبلت بإدراجها في ملحق يضاف إلى الاتفاقية, كما رفضت الالتزام بمبدأ الإخطار المسبق، ورفضت منح مصر حق النقض فيما يُتخذ من قرارات.

رابعاً: توقيع اتفاق عنتيبي:

مع بلوغ الخلاف بين أعضاء مبادرة حوض النيل ذروته؛ عقدت دول المنابع اجتماعاً في مدينة عنتيبي في أوغندا في 14 مايو 2010م؛ من أجل توقيع اتفاق لتنظيم التعاون وإدارة الموارد بين دول حوض النيل، وهو الاجتماع الذي أسفر عن توقيع أربع من دول المنابع على اتفاق منفرد، عُرف باسم «اتفاق عنتيبي»، وهو يمثل ضربة قاصمة للجهود الرامية إلى إنشاء إطار جماعي للتعاون بين دول حوض نهر النيل كافة.

ويقضي الاتفاق بإنشاء مفوضية جديدة لإدارة موارد النيل، يكون مقرها أديس أبابا، وهو ما يعني ضمناً عدم الالتزام بأحكام الاتفاقات التاريخية التي تنظم الانتفاع بمياه النيل (اتفاقية 1929م، واتفاقية 1959م)، مع دعوة دول حوض النيل التي لم توقع على الاتفاق إلى التوقيع عليه في غضون عام من توقيع الاتفاق, وبالفعل انضمت كينيا إلى الدول الموقعة على الاتفاق، فيما تتردد أنباء عن قرب انضمام  بوروندي عقب الانتخابات العامة فيها, وأكدت السودان أنها بصدد بحث تجميد عضويتها في مبادرة حوض النيل، وذلك رداً على السياسات الإثيوبية.    

عقب توقيع الاتفاق اتخذت الدول الموقعة سياسات تصعيدية، وباتت كأنها تقف معها على حافة الهاوية؛ حيث أكدت تلك الدول أن دولتي المصب ليس بوسعهما سوى الانضمام للاتفاق، بل ذهب رئيس الوزراء الإثيوبي مليس زيناوي إلى شنّ هجوم حاد على مصر؛ مؤكداً أنها ما زالت تقع تحت سيطرة الأفكار البالية المتعلقة بالحقوق التاريخية المكتسبة, وسعى زيناوي أيضاً إلى اختراق التنسيق المصري السوداني؛ مشيراً إلى أن السودان ليس المشكلة وأن مصر هي المشكلة فحسب, كما أعلنت إثيوبيا عن استكمال مشروعها المائي الجديد «سد تانا بليس»، وذلك في اليوم التالي لتوقيع اتفاق عنتيبي، وهو 15 مايو (ذكرى إنشاء إسرائيل).

ومن جانبها أيدت تنزانيا وكينيا وأوغندا ورواندا الموقف الإثيوبي؛ مؤكدة أن معاهدة 1929م قد عفا عليها الزمن, وإمعاناً في التصعيد ذهبت وزيرة الموارد المائية الكينية إلى القول بأن ملف النيل لن يكون مطروحاً على الأجندة في خلال زيارة رئيس الوزراء الكيني رايلا أودينجا الوشيكة إلى القاهرة.

أما العوامل التي دفعت الدول الموقعة إلى توقيع اتفاق عنتيبي؛ فكان أهمها رغبة دول المنابع في استثمار ما لديها من وفرة مائية في إقامة المشروعات التنموية، والتوسع الزراعي، وتأمين احتياجاتها الغذائية لشعوبها التي تزايدت عددياً بشكل كبير، وباتت تمثل عنصراً ضاغطاً على الموارد المحدودة لمعظم دول حوض النيل، ومن ثمّ رأت دول المنابع ضرورة إلغاء اتفاقيتي 1929م و 1959م اللتين تمثلان أهم العقبات التي تحول دون إقامة مشروعاتها المائية؛ نظراً لاحتفاظ مصر بحق النقض بشأن المشروعات التي تقام على نهر النيل وروافده.

ولا يخفى أيضاً الدور الذي تقوم به بعض القوى الأجنبية في تشجيع دول المنابع على اتباع سياسات مائية مستقلة عن دولتي المصب؛ حيث تشير التقارير إلى وجود عشرات الدراسات المتعلقة بالتوسع الزراعي وإنشاء السدود والخزانات لأغراض تخزين المياه وتوليد الطاقة، والتي قامت بإعدادها مراكز بحثية متخصصة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً في ظل الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإثيوبيا، والعلاقات الخاصة بين إسرائيل ودول المنابع, وقد ظهر ذلك بوضوح في خلال زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان لإفريقيا في سبتمبر 2009م.

وقد فسّر بعض المهتمين ذلك بأن إسرائيل ترمي إلى إحياء مشروعاتها القديمة في الحصول على حصة أولية – مرشحة للزيادة - من مياه النيل تُقدر بمليار م3 سنوياً، وذلك عبر سياسة «المحاصرة» وشد الأطراف؛ ما دامت سياسة «المحاصصة» لم تؤت  ثمارها, وهو أمر بات حتمياً بالنسبة لإسرائيل التي تستهلك كامل إيراداتها من المياه منذ العام 1985م.

وقد انعكست هذه التدخلات على سياسات دول منابع النيل، فقد باتت تتخذ مواقف متشددة خلال جولات التفاوض بشأن إقرار الإطار المؤسسي للمبادرة؛ بما لا يتناسب مع تضاؤل اعتمادها الفعلي على مياه النيل الذي يتراوح من 1% إلى 3%، حيث بدأت تلك الدول في القيام بمزايدات سياسية، واستثمار ملف المياه لافتعال أزمات خارجية، تغطي على مشكلاتها السياسية والاقتصادية الداخلية.

ومن ثمّ أوقفت إثيوبيا جولات التفاوض مع مصر بشأن مياه النيل، ولم تقتنع أوغندا بأن تحتضن مدينة عنتيبي مقر مبادرة حوض النيل، ولم يرض طموح تنزانيا أن يكون السكرتير التنفيذي للمبادرة هو مواطنها السيد «معراجى موسويا»، ومن ثمّ بات الحديث عن ضرورة مراجعة الحصص المائية وتسعير المياه أمراً مطروحاً بشكل دائم من جانب قيادات دول حوض النيل وأجهزتها الإعلامية.

بالإضافة إلى ما سبق؛ فقد اتجهت الدول الكبرى، وبخاصة الصين، إلى استئجار الأراضي في دول الحوض لأغراض الزراعة؛ بما يعنيه ذلك من زيادة الطلب على المياه، والتي ربما تكون حسماً من الحصص المقررة لدولتي المصب.

كما ساهمت سياسات البنك الدولي في تشجيع الدول الموقعة على اتفاق عنتيبي على اتخاذ هذه الخطوة، فالمتتبع لإصدارات البنك الحديثة المتعلقة بالمسألة المائية يلاحظ أنها دأبت على الترويج لمجموعة من المفاهيم الجديدة؛ مثل: (تسعير المياه، وبورصة المياه، وإنشاء بنك المياه)، وهو ما يتسق مع مساعي الدول الكبرى التي يخضع البنك الدولي لهيمنتها؛ للتأثير في سياسات الدول المستهدفة، وفي مقدمتها مصر والسودان بالطبع.

وبالرغم من أن اتفاق عنتيبي لم يتضمن تقسيماً جديداً للحصص المائية لدول حوض النيل؛ فإن خطورته تتمثل في أنه ربما يعصف كلية بمبادرة حوض النيل؛ نظراً لما يترتب على الاتفاق من إضرار بالعلاقات بين أطرافه من جهة، ودولتي المصب من جهة أخرى, كما أنه سيفقد الدول الموقعة عليه مشروعات كثيرة لن يتم تنفيذها إلا على مستوى دول الحوض جميعها في إطار مبادرة‏ حوض النيل, بالإضافة إلى أن المانحين‏ لا يمكن أن يساهموا في تمويل مشروعات تؤثر سلباً في مصالح أي دولة من دول الحوض‏,‏ ليس بسبب مخالفة ذلك لقواعد القانون والعرف الدولي الخاصة بالأنهار الدولية‏ فحسب,‏ وإنما لكون ذلك سيؤثر سلباً في علاقة تلك المؤسسات مع الدولة المتضررة, كما أن دول المنابع تشترك جميعها بالفعل في «تجمع شرق إفريقيا»,‏ وهو تجمع يسمح لها بإقامة مشروعات تنموية مشتركة تعتمد على مياه النيل وغيره‏,‏ ومن ثمّ فليس هناك أية قيمة مضافة ستتحقق لها بالتوقيع على اتفاقية جديدة تضم هذه الدول نفسها؛‏ إذا ما تصورنا خروج مصر والسودان من مبادرة حوض النيل‏.‏

خامساً: سبل مواجهة الأزمة:

بالرغم من الإقرار بحق كل دولة من دول حوض النيل في الاستفادة من موارد النهر؛ فإن ذلك لا بد أن يستند إلى مبادئ العدل والإنصاف التي تتيح للجميع استثمار موارد النهر دون الإضرار بالشركاء من دول حوض النيل.

ومن ثمّ يقتضي تسوية الأزمة المائية تحديد الاحتياجات المائية لكل دولة([4])، والاقتناع بضرورة استمرار التعاون بين دول الحوض، والسعي إلى إيجاد تسوية تفاوضية مقبولة للمشكلات العالقة بينها، على أن تجرى المفاوضات على مستوى رؤساء الدول والحكومات، وليس على مستوى وزراء الري فحسب.

وبالفعل جرت تحركات عديدة في هذا المسار، حيث التقى الرئيس المصري برؤساء بوروندي والكونغو الديموقراطية ورئيس الوزراء الكيني لبحث الموقف؛ على أساس أن اتفاق عنتيبي لا يزال اتفاقاً مبدئياً تمّ توقيعه بالأحرف الأولى ولم يصبح نهائياً بعد؛ إذ لم تصادق عليه برلمانات تلك الدول، كما أن هناك دولتين لم توقّعا بعد، ودولة أخرى تقترب في موقفها من الموقف المصري السوداني, وهي إريتريا التي أقر رئيسها في خلال زيارته الأخيرة لمصر أن مشكلة مياه النيل هي مشكلة مفتعلة، لا تستهدف أكثر من ابتزاز دولتي المصب سياسياً واقتصادياً.

ومن المهم أيضاً تسوية المشكلات السياسية القائمة بين دول حوض النيل، وتطوير العلاقات الاقتصادية فيما بينها، وخصوصاً في مجال التجارة، والاستثمارات المشتركة، والمنح والقروض، وخصوصاً في مجال الطاقة والبنية الأساسية؛ من أجل خلق مشاركة اقتصادية حقيقية بين تلك الدول؛ بما يجعلها تفكر ملياً قبل الإقدام على أي تصرفات غير محسوبة([5]).

وهنا يجب على دولتي المصب، وبخاصة مصر، إثبات أنها لا تتبع سياسة «أنانية» تحرم شعوب حوض النيل من الاستفادة من موارده، وإنما هي تتبع سياسة تستهدف مواجهة الأخطار الحقيقية التي تهدد نهر النيل، وفي مقدمتها ارتفاع درجة حرارة الأرض، والعمل على تعظيم الانتفاع بمياه نهر النيل عبر مشروعات مثل (قناة جونجلي ونهر السمليكي)، مع تقليل الفاقد العظيم من مياه نهر النيل، والذي يصل إلى 92% من إجمالي إيراده السنوي؛ حيث لا تستخدم كل دول حوض النيل فعلياً أكثر من 8%.

وختاماً؛ فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه دول حوض النيل لا يكمن في ندرة مياه النيل، وإنما يتمثل في كيفية تعظيم الاستفادة من الكميات العظيمة من المياه التي تُفقد في حوض النيل؛ حيث يبلغ حجم الأمطار الساقطة في دول الحوض نحو 1660 مليار متر مكعب سنوياً، يُفقد معظمها بفعل البخر والتسرب والمستنقعات وغيرها.

فهل تُغلِّب دول حوض النيل اعتبارات المصلحة المشتركة للجميع, أو تؤثر مصالحها الضيقة والاعتبارات السياسية على ضرورات التعاون الجماعي، وهو التعاون الذي بات حتمياً في ظل التحديات الخطيرة التي تهدد الأمن المائي لدول الحوض، وفي مقدمتها التغيرات المناخية والمشكلات البيئية. 

(*) أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر - معهد البحوث والدراسات الإفريقية - جامعة القاهرة.

([1]) كانت هناك نظرية سابقة تنظم الانتفاع بمياه الأنهار الدولية، بيد أنه لم يعد معمولاً بها في الوقت الراهن. كانت هذه النظرية تُعرف باسم نظرية «السيادة الإقليمية المطلقة»، ويدعو أنصارها إلى أن لكل دولة الحق الكامل في أن تمارس على جزء من النهر الدولي الذي يمر بإقليمها كل الحقوق التي تتفرع عن سيادتها المطلقة على إقليمها، وذلك بلا قيد أو شرط, ودون أن يكون للدول الأخرى التي يقع حوض النهر في أقاليمها أي حق قانوني في الاعتراض‏.

([2]) «اندوجو UNDUGU»: هي كلمة باللغة السواحلية تعني «الإخاء» في اللغة العربية، يُعد أول محاولة لإقامة تنظيم إقليمى يضم دول حوض النيل تحت مظلته، وكانت البداية في 1983م حينما تقدمت مصر بمشروع لعقد مؤتمر إقليمي يضمّ دول حوض النيل، انعقد المؤتمر الخماسي الأول في الخرطوم، وضم وزراء خارجية كل من مصر وأوغندا والسودان وزائير وجمهورية إفريقيا الوسطى، حيث كان الهدف إعطاء المشاركين الفرصة لتبادل الرأي في جميع المجالات المشتركة، ثم عُقد المؤتمر الثاني في كينشاسا (عاصمة زائير) 1984م، وقرر الحاضرون إطلاق اسم «اندوجو» على اجتماعاتهم الدورية، ولم يتعد عمر مجموعة الاندوجو 10 سنوات بسبب العوامل السياسية الكثيرة التي أدت إلى تجميد نشاط الاندوجو، والسبب هو عدم وجود نظام مؤسسي فعّال؛ مما أدى إلى إبطاء إنجازات المجموعة، كذلك افتقاره إلى دبلوماسية القمة الأقدر على حل المشكلات والخلافات بين الدول.

([3]) «مشروع التكونايل»: لجنة التعاون الفني لتعزيز التنمية والحماية البيئية لحوض النيل، في أثناء انعقاد الاجتماع الوزاري لمجلس وزارة الموارد المائية لدول الحوض في كمبالا / ديسمبر 1992م تقرر تحويل مشروع البحيرات الاستوائية إلى مشروع للتعاون الفني للتنمية والحماية البيئية لحوض النيل «التكونايل»، وذلك بهدف تعزيز التعاون بين دول حوض النيل من خلال تطوير هذا المشروع إلى إطار مؤسسي تعاوني يضم جميع دول الحوض. وفي الاجتماع الأول للجنة الفنية «التكونايل» 1993م والمنعقد في كمبالا تم وضع خطة لتنفيذ قرار التحويل, ويعتبر هذا العام هو بداية مباشرة التكونايل لأعماله, وقد وافقت كل من مصر والسودان وأوغندا وتنزانيا وزائير ورواندا على العضوية الكاملة؛ بينما اكتفت كينيا وإثيوبيا وبورندي على الاشتراك كعضو مراقب.

والتكونايل لا يُعد منظمة نهرية، ولكن يمكن عـده مرحلة انتقالية لتطوير مشروع الدراسات الهيدرومترولوجية (وهو المشروع الوحيد الذي جمع تحت مظلته جميع دول الحوض) إلى إطار تعاوني مؤسس لدول الحوض مقبولاً لجميع دول الحوض؛ بهدف تعزيز التعاون والتنمية المستديمة للحوض.

([4]) مصر هي أكثر دول حوض النيل اعتماداً على مياه النيل، سواء في الزراعة أو في الأغراض المعيشية الأخرى؛ حيث تصل نسبة اعتمادها على مياه النيل إلى أكثر من 95%‏؛ في حين أن درجة اعتماد دول حوض النيل الأخرى على مياه النيل تقل إلى حد كبير؛ إذ تتراوح من 1% إلى 15%, فإثيوبيا تعتمد على النيل بنسبة (1%)، وكينيا (2%)، والسودان (15%) وأوغندا والكونغو الديموقراطية على سبيل المثال لا تعتمد على مياه النيل في الزراعة إلا بنسب قليلة جداً؛ حيث يتركز اعتمادها الأساسي على الأمطار، كما يتركز اعتمادها على مياه النيل في توليد الطاقة الكهربائية.

([5]) وعلى سبيل المثال: من غير المنطقي أن تستورد مصر اللحوم من البرازيل والهند وغيرهما؛ في حين تزخر إثيوبيا بإنتاج وفير من اللحوم. ولا يستقيم أيضاً أن تعتمد مصر على النيل كمصدر لحياتها دون أن تقدم المساعدات اللازمة لدول المنابع، والتي كثيراً ما يعصف النيل باستقرارها الاقتصادي نتيجة لتقلبه بين دورات الفيضان العارمة والجدب القاحلة.