الأبعاد الجغرافية لمشكلة الفقر في إفريقيا

  • 8 -7 - 2013
  • آلاء محمد معوض


آلاء محمد معوض

المقدّمة:

 احتلّت ظاهرة الفقر مكانة بارزة في البحث العلمي، وقد كانت أغلب اهتمامات الباحثين تنصب على معرفة المشكلات المترتبة أو الناتجة من ظاهرة الفقر، مثل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والصحية، وتأثيرها في المجتمع، ومحاولة إيجاد حلول لهذه الظاهرة.

والفقر ليس ظاهرة في جيل واحد، وإنما هي ظاهرة عميقة الجذور في كلّ مجتمع، ويعد الفقر مصدر المشكلات وكافة الشرور التي يعانيها الأفراد في أي مجتمع.

يتناول هذا البحث أحد أهم مشكلات الدول النامية بوجه عام، والدول الإفريقية فقيرة الموارد بشكل خاص، حيث إن الفقر في حقيقة الأمر هو الوجهة الأخرى لصور التمايز الاجتماعية واللامساواة وانعدام العدالة، والتي هي السبب الأساسي الذي ظلّ وما زال يهدد الحياة البشرية والحضارات الإنسانية، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات والدول والمجتمعات.

والتمايز الاجتماعي واللامساواة والفقر ليست ظاهرة أبدية متأصلة في الحضارات البشرية، تظهر بفعل عوامل بيولوجية يتوارثها الأفراد والمجتمعات، وإنما هي نتائج لأنماط تاريخية محدّدة على العلاقات التي تربط بين البشر، وقد تناول البحث هذه القضية ابتداءً من تعريفها وتحديد نطاقها مروراً بأسبابها، ثم التوصّل إلى طرق لحلّ هذه الأزمة، خصوصاً أنها قد تفاقمت من وقت لا يكاد يكون بعيداً.

مفهوم الفقر:

ورد للفقر كثير من التعاريف ضمن العديد من الأدبيات التي تتحدث عن التنمية البشرية والاقتصادية ومكافحة الفقر.

وللفقر أشكال وأنواع مختلفة:

فهناك الفقر المادي، وهو النوع المفهوم من قبل الجميع.

وهناك فقر المشاركة، وفقر الاستقلالية، وفقر الحماية.

كما أن هناك أنواعاً أخرى من الفقر تبعاً لمدة بقائها، فهناك فقر صدمة، وفقر موسمي، وفقر دائم.

وهناك أنواع أخرى من الفقر نسبة إلى عدد الفقراء، مثل الفقر الفردي، والفقر الجماعي، والفقر المنتشر، والفقر المتوطن.

وهناك نوع آخر من الفقر نسبة إلى أسلوب قياسه، وأهمها الفقر النسبي، والفقر المطلق، والفقر المدقع[1].

وتُجمع معظم الأدبيات التي تتحدث عن الفقر على أنه: عبارة عن حالة تعبّر عن النقص أو العجز في الاحتياجات الأساسية والضرورية للإنسان، وأهم هذه الاحتياجات: الغذاء، الرعاية الصحية، التعليم، السكن أو المأوى، تملّك السلع المعمرة، وتوفّر الاحتياط المادي لمواجهة الأمور الطارئة أو الأزمات التي قد تتعرض لها الأسرة أو الفرد.

إن الفقر هو الوضع الذي يعمل جميع الناس على الهروب منه، الفقر هو الجوع، الفقر هو الافتقار إلى المأوى، الفقر هو أن تكون مريضاً وغير قادر على زيارة الطبيب، الفقر هو عدم القدرة على الذهاب إلى المدرسة لمعرفة القراءة والتعلّم، الفقر هو فقدان طفل أو مرضه بسبب تلوث مياه الشرب[2].

 خط الفقر (Poverty Line):

هو الحدّ الفاصل بين دخل أو استهلاك الفقراء عن غير الفقراء، ويُعَد الفرد فقيراً إذا كان استهلاكه أو دخله يقع تحت مستوى الحدّ الأدنى للحاجات الأساسية اللازمة للفرد، ويُعرف الحدّ الأدنى لحاجات الفرد الأساسية على أنه خط الفقر، فالأفراد أو الأسر التي يكون إنفاقها أو دخلها تحت خط الفقر تُصنّف على أنها فقيرة، والأسر أو الأفراد التي يكون إنفاقها أو دخلها فوق خط الفقر تُصنّف على أنها غير فقيرة.

وهناك نوعان رئيسان من خطوط الفقر، هما:

1 - خط الفقر المطلق: ويُعرف بأنه مستوى الدخل، أو الإنفاق اللازم للأسرة أو الفرد، لتأمين الحاجات الغذائية وغير الغذائية الأساسية التي تتعلق بالمسكن والملبس والتعليم والصحة والمواصلات .

2 - وهناك خط فقر يدعى بخط الفقر النسبي: وهو الذي يعتمد على أن من يقلّ دخله عن قيمة محدّدة في سلّم الدخل يعتبر فقيراً، واختُلف في مقدار هذه القيمة، حيث اعتبرها البعض الوسيط، والبعض الآخر اعتبرها العشير الرابع، وتُعَد هذه القيمة المحدّدة هي خط الفقر النسبي.

ويختلف خط الفقر النسبي عن خط الفقر المطلق بأن خط الفقر النسبي يختلف أو يتغير مع التغيرات في مستوى المعيشة، بينما يُعرف خط الفقر المطلق بأنه قيمة حقيقية ثابتة في زمان ومكان معيّنين[3].

ظاهرة الفقر في إفريقيا:

تعاني إفريقيا جنوب الصحراء ظروفاً معيشية متدنية؛ حيث يعاني ثلث تعداد سكانها الجوع، ويموت نحو سدس عدد أطفالها قبل سنّ الخامسة؛ بالرغم من استمرار الزيادة السكانية في الكثير من دولها، وما يزال الركود الاقتصادي، وانخفاض مستويات المعيشة، سائداً في أغلب مناطقها، وهو الوضع نفسه الذي كان سائداً منذ عقد سابق من الزمان؛ مما يعني إخفاق كلّ المحاولات التي بذلتها دول القارة والمؤسّسات المالية الدولية لرفع معدّلات النمو الاقتصادي، وإنجاح تجارب التنمية، وتحسين مستويات معيشة أبناء القارة[4].

متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ((GDP:

هو محصلة قسمة إجمالي الدخل القومي لدولة ما على عدد سكانها في منتصف العام، ويستخدم البنك الدولي مؤشر «نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي» لتصنيف دول العالم إلى فئات، وتحديد البلدان الأكثر احتياجاً للمساعدات والقروض.

قراءة التغيّرات في 2011م:

التغيّر واضح بالزيادة في رواندا، حيث انتقلت من الفئة أقل من 1000 إلى الفئة من (1000 - 5000).

أما التغيّر في غينيا بيساو فكان بالانخفاض لصالح الفئة الأولى أقل من 1000، حيث كانت في الفئة الثانية من (1000 - 5000).

أما باقي دول القارة فقد حدثت تغيّرات طفيفة بالارتفاع، مثل كلٍّ من (غينيا الاستوائية، موريشيوس، ناميبيا، أنجولا، المغرب، غانا، الكونغو، جيبوتي، نيجيريا، السودان، كوت ديفوار، تنزانيا، غامبيا، زامبيا، بوركينا فاسو، رواندا، أوغندا، مالي، إثيوبيا، موزمبيق، ملاوي، سيراليون).

أما الانخفاض فقد شمل باقي الدول، وكل منها استقرت في الفئة نفسها التي تنتمي إليها في 2007م.

ونلاحظ في 2011م أنه قد توافرت بيانات عن زيمبابوي وكانت ضمن الفئة الأولى أقل من 1000.

قياس الفقر (Measuring Poverty): 

تكمن أهمية قياس الفقر في التعرف على الفقراء، ومعرفة أماكن وجودهم، وحجمهم نسبة إلى المجتمع، ومعرفة خصائصهم الديموغرافية ومستوياتهم التعليمية والصحية، وذلك من خلال المسوح الأسرية المتخصصة، بهدف وضع الخطط والسياسات الرامية إلى انتشال هؤلاء الفقراء من حالة الفقر إلى اللافقر، ومن أجل تصنيف أو فرز الأسر الفقيرة من الأسر غير الفقيرة، كما يجب أن نستخدم بعض الأدوات والمؤشرات التي تساعدنا في الحكم على فقر أو عدم فقر الأسرة.

هنالك طرق وأساليب مختلفة لقياس الفقر حسب الغرض الذي تستهدفه عملية القياس، وحسب توفّر البيانات اللازمة لتطبيق أيٍّ من هذه الطرق والأساليب، وعوامل أخرى.

أدرك الخبراء في مجال قياسات الفقر بأن مؤشر نصيب الفرد من الناتج المحلي هو مقياس غير كاف للفقر، فالفقر له أعراض كثيرة ومتشابكة، ومن الصعب وصف حياة الفقراء بالاعتماد على مؤشر منفرد.

كذلك هناك مؤشرات منفردة متعددة كمؤشر مستوى المعيشة Living Standard Indicator لقياس الفقر، والتفاوت في مستوى الرفاه والمعيشة بشرائح المجتمع المختلفة، وبناءً على هذا المؤشر حُدّد الفقر بأنه المستوى الذي يجب أن يزيد فيه دخل الفرد عن نصف متوسط نصيب الفرد السنوي من الدخل القومي، ولكن كما ذكرنا فهذا المعيار أحادي القياس، يعتمد على مؤشر واحد، هو الدخل المالي دون إعطاء اعتبار لمجالات أخرى، كالتفاوت والحرمان عند بعض شرائح المجتمع، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة[5].

وسوف نقوم بدراسة مستوى الفقر تبعاً لمجموعة من الأبعاد ستُذكر في سياق البحث.

أولاً: نسبة السكان الذين يعانون الفقر في إفريقيا:

الفئة الأولى: من (60% – 80%):

بتقسيم الدول الإفريقية إلى أربع فئات حسب نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر العالمي؛ نجد أن هناك عشر دول تكون نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر فيها من (60% - 80%)، وتضم مجموعة من الدول الإفريقية، والتي تقترب بها نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر فيها من ثلثي السكان، وهي (مدغشقر، تنزانيا، جمهورية إفريقيا الوسطى، ليبيريا، تشاد، موزمبيق، بوروندي، رواندا، ملاوي)، هذه الدول تزيد بها نسبة السكان الفقراء عن 60% وتقل عن 80%، وتأتي دولة ليبيريا كأكبر دولة إفريقية من حيث نسبة السكان تحت خط الفقر، والتي تمثل 83.7% من جملة السكان، بينما موزمبيق هي أقل نسبة في هذه الفئة بنسبة 60% من السكان.

الفئة الثانية: من (40% – 60%):

تضم هذه الفئة مجموعة الدول التي يمثّل السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بها نسبه تزيد عن 40% وتقل عن 60%، وهي إحدى عشرة دولة.

تُعَد بوركينا فاسو والكنغو أعلى هذه الدول في نسبة السكان تحت خط الفقر بنسبة 56%، بينما ليستو والنيجر تصل النسبة فيهما إلى 43%، وتتساوى كل من الكنغو وأنجولا بنسبة 45%، أما مالي فهي تتوسط هذه الفئه بنسبة تقترب من 50%.

الفئة الثالثة: من (20% - 40%):

 تضم الدول التي يمثّل نسبة السكان الذين يعيشون فيها نسبة أقل من 40% وأكثر من 20%، وهي 9 دول: (غانا، السنغال، موريتانيا، أوغندا، توجو، زامبيا، غامبيا، كوت ديفوار، إثيوبيا).

تأتي موريتانيا أقل الدول في نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر في هذه الفئة بنسبة 21%، تليها كوت ديفوار بنسبة 23%، وتتساوى كل من زامبيا وغامبيا بنسبة 34% من نسبة السكان، أما إثيوبيا فهي أعلى دولة في نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر في الفئة الثالثة بنسبة 39%.

الفئة الرابعة: أقل من (20%):

هناك عشر دول تكون نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر فيها أقل من 20% من جملة سكان الدولة، وهي: (ليبيا، تونس، مصر، المغرب، الجابون، كينيا، جنوب إفريقيا، جيبوتي، الكاميرون).

تُعَد ليبيا الدولة الوحيدة في القارة الإفريقية التي تكاد تكون خالية من نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر، بينما تقترب النسبة في كلٍّ من تونس والمغرب من 7% من حجم سكانها، وذلك يعود إلى تحسّن مستوى المعيشة فيهما، وتحتل جمهورية جنوب إفريقيا وكينيا وجيبوتي آخر هذه الفئة بنسبة تقترب من 20%، أما الكاميرون فتتوسط هذه الفئة بنسبة تقترب من 10%.

مؤشر نسبة الفقر (Indicator Headcount Index):

ويُسمّى «مؤشر تعداد الرؤوس»، ويُعرف بأنه النسبة الناتجة عن قسمة عدد السكان الفقراء على عدد السكان الكلي، ويمكن حسابه من خلال قسمة عدد الأسر الفقيرة على أعداد جميع الأسر (الفقيرة وغير الفقيرة في المجتمع)، وهو من أكثر مؤشرات الفقر شيوعاً واستخداماً، وسوف يتم استخدامه في الأبعاد التالية.

الفقر المتعدد الأبعاد:

هو نسبة عدد السكان الذين يعانون حرماناً تصل حدّته إلى 33% على الأقل، وله ثلاثة أبعاد، هي شدة الحرمان، ومعرضون لخطر الفقر، ويعيشون في فقر مدقع[6].

1 - شدة الحرمان:

وهو متوسط نسبة الحرمان الذي يعانيه الأشخاص الذين يعيشون في الفقر المتعدد الأبعاد[7].

يرتفع متوسط السكان الذين يعانون شدّة الحرمان على مستوى القارة بنسبة تتعدى نصف سكان القارة 53.7%، وتتباين هذه النسبة على مستوى أقاليم القارة، حيث يأتي في المقدمة إقليم غرب إفريقيا بنسبة 58% من جملة سكان الإقليم، يليه إقليم شرق إفريقيا بنسبة 55.6%، ثم يأتي إقليم وسط إفريقيا في المرتبة الثالثة بنسبة 53.8%، ثم يأتي في المركز الرابع إقليم جنوب إفريقيا بنسبة 44.5%، أما إقليم شمال إفريقيا فيحتل المركز الخامس والأخير بنسبة 41.3%.

وتعد تونس أقلّ دولة من حيث نسبة السكان الذين يعانون شدة الحرمان بنسبة بلغت 37.1% من نسبة السكان، تليها مصر بنسبة 40.7%.

بينما تأتي النيجر أعلى نسبة من حيث السكان المحرومين على مستوى دول القارة بشكل عام بنسبة 96.4%؛ أي ما يقترب من ثلثي سكان الدولة.

2 - السكان المعرضون لخطر الفقر:

هو نسبة السكان المعرّضين للمعاناة من أكثر من وجه من أوجه الحرمان؛ بنسبة تصل حدّتها من 20% إلى 33%.

تحتل تونس والنيجر أقل الدول بنسبة 4.9 – 4 % على التوالي، بينما تتساوى كل من مصر ومالي بنسبة 7.5%، ثم تتبعهم  ليبيريا، وذلك لوجود العديد من الصراعات الداخلية والنزاعات المسلحة أعلى نسبة من حيث من يتعرضون لخطر الفقر وهي 9.7%.

تأتي أنجولا بعدها بنسبة 10.7%، وربما يعود ذلك لأن معظم سكانها يعملون بالزراعة، ولكن إنتاجهم الزراعي ضعيف، إذ يزرع العديد من الناس ما يكفي فقط لقوتهم[8]، بينما تتساوى زامبيا وغامبيا والكونغو ونيجيريا ومدغشقر في النسبة بمتوسط 17.7%، وذلك لارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً بين النساء والشباب، بسبب انكماش العمل في القطاع الرسمي، حيث تستخدم ما يزيد قليلاً عن 10% من القوى العاملة في الدولة.

وبشكل عام تقترب نسبة السكان المعرضين لخطر الفقر في هذه الدول من ربع سكان هذه الدول (غانا، توجو، جنوب إفريقيا، الجابون، تنزانيا، نامبيا، زمبابوي، سوازيلاند، ليسوتو، كينيا، تشاد)، وأولى هذه الدول مرتبة من الأصغر إلى الأكبر هي غانا وتوجو بنسبة 21.6% لكلٍّ منهما، وبالرغم من أن غانا من الدول الغنية بثرواتها الطبيعية فإنها لا تزال تعتمد على المساعدات الدولية، ولا يزال الاقتصاد المحلي يدور حول زراعة المحاصيل الأساسية التي تمثّل 36% من إجمالي الناتج المحلي، وتأتي في المرتبة الثانية جمهورية جنوب إفريقيا بنسبة 22.2% تتوسط هذه الفئة سوازيلاند بنسبة 24.4%، وتحتل كينيا المرتبة قبل الأخيرة بنسبة 27.4% من حجم السكان، بينما تأتي تشاد كأكبر نسبة للسكان المعرضين على مستوى القارة لخطر الفقر بنسبة 28.2%، وذلك لوقوعها في النطاق الصحراوي الجاف، وكذلك تعرضها لصراعات داخلية.

3 - السكان الذين يعيشون في فقر مدقع:

هم نسبة السكان الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد المدقع، وترجع نسبته من 50% فأكثر.

تحتل تونس ومصر أقل نسبة سكان يعيشون في الفقر المدقع بنسبة 0.2 – 1% لكلٍّ منهما، وتليها المغرب 3.3%، وهذا ما يعني ارتفاع مستوى التنمية البشرية في هذه الدول، كذلك تأتي جنوب إفريقيا أقل نسبة سكان يعيشون في الفقر المدقع في إقليم الجنوب بنسبة 2.4%، وتأتي الكاميرون أولى دول هذه الفئة بنسبة ثلث سكان الدولة، تليها في الترتيب نيجيريا بنسبة 33.9%، تتبعها كلٌّ من زامبيا ومدغشقر وغامبيا وكوت ديفوار، وذلك بالرغم من أن جمهورية كوت ديفوار تُعَد من أكبر الدول المنتجة والمصدّرة للبن والكاكاو وزيت النخيل في العالم، إلا أن اقتصادها شديد التأثّر بتذبذبات الأسعار العالمية لهذه السلع الثلاثة[9]، بينما تزيد رواندا وسيراليون وأنجولا عن نصف سكان الدولة.

وهناك دول تمثّل السكان الذين يعيشون في فقر مدقع؛ بما يقارب من ثلثي سكان الدولة ويزيد عنها قليلاً، كما في غينيا بنسبة 62.3%، بينما تمثّل نسبة السكان الذين يعيشون في هذا الفقر في كلّ من مالي وإثيوبيا وليبيريا والنيجر ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان الدولة، حيث تأتي النيجر كأعلى دولة على مستوى القارة بنسبة 81.8%.

أسباب الفقر:

تمتلك القارة الإفريقية العديد من المقومات التي تسمح لها بالخروج من دائرة الفقر؛ فهي أكثر قارات العالم ثراء، وقد حباها الله بالطبيعة الرائعة، وبالموارد المعدنية، والثروات الطبيعية، والأرض الخصبة، والتي تمكّنها من أن تلحق بركب التنمية، وتتولّى مكاناً رائداً على المستوى الدولي.

إلا أنها في الوقت نفسه تشهد العديد من المعوّقات التي تكون سبباً في حدوث الفقر، وتعترض طريقها للتنمية، وتحول دون إنجاح محاولاتها لرفع مستوى معيشة مواطنيها، وتتعدد هذه الأسباب بين أسباب اقتصادية من تخلّف في الأوضاع الاقتصادية، واعتماد أغلب الاقتصاديات الإفريقية على تصدير السلع الأساسية، وهو ما يجعلها عرضة للتقلبات الاقتصادية العالمية، ومعوقات اجتماعية مثل ارتفاع معدلات الأمية، وانتشار الفساد الذي يلتهم جزءاً كبيراً من عوائد التنمية، كما أصبح الفقراء في القارة الإفريقية ضحايا لظروف وقوى جديدة التهمت ثمار النجاح المتواضع الذي حقّقته في طريق التنمية[10].

ونفصّل أهم هذه الأسباب كما يأتي:

(1) البعد الأمني:

ويتضمن هذا البعد الحروب والصراعات الأهلية، والتي تؤثر في مستوى معيشة الفرد، وتجعله يعيش في مستوى أدنى للمعيشة, وذلك لأن الصراعات الأهلية تؤثّر في النشاط الاقتصادي, والمواد الموجودة, وتؤدي إلى وقف أي نشاط أو استثمار, ولا يجد أفراد المجتمع أمامهم إلا الموارد المتاحة لهم, ومن ثم يصلون إلى مرحلة الفقر المطلق، بالإضافة إلى تدمير البنى التحتية في الدولة, وتشريد أعداد كبيرة من الأفراد، والمؤسف أن 90% من ضحايا هذه الصراعات من المدنين, ونصفهم من الأطفال, مما يمثّل تهديداً مستمراً لاستقرار الدول، مع ما يمثّله من خطورة عبور الصراع للحدود السياسية, وتأثيره في أمن الدول المجاورة واستقرارها, كما أنه يعيق تنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأجل, فتصبح في حالة تدهور وعجز اقتصادي مستمر, وتضيع جهود وسنوات من التنمية الاقتصادية والبشرية في العديد من دول إفريقيا.

شكل يوضح مواقع الصراعات الأهلية الحديثة في القارة الإفريقية

(2) البعد الاقتصادي:

ويتمثل هذا البعد في النقاط الآتية:

- عدم الاستفادة من الموارد الموجودة بالدولة، والتي تساعد في رفع المستوى الاقتصادي.

- الاتجاه إلى الخصخصة، وتنفيذ برامج التكيف الهيكلي، والتي عمّقت من مشكلة الفقر.

- عدم استغلال الموارد الطبيعية الموجودة في الدولة الاستغلال الأمثل, والاعتماد على الزراعة في الدخل القومي, وتدني الإنتاجية, واتجاه أفراد المجتمع إلى الاستهلاك أكثر من الإنتاج.

- الديون وخدمة الدين المثقلة بها معظم الدول النامية، وعجزها عن سداد فوائد الدين.

- الاقتصاديات الهشّة التي تقوم أساساً على الزراعة من جانب غير المزارعين.

- التقلبات, والصدمات الخارجية، مثل التقلبات في قيمة الدولار, والتغيّرات في أسعار الصرف, وأسعار الذهب, والقطن، والبترول.

- ضعف قاعدة الموارد الطبيعية، بما فيها نقص المياه بسبب الجفاف على المدى الطويل.

- اعتماد اقتصاد معظم الدول على تصدير السلع الأساسية، وهو ما يجعلها عرضة للتقلبات الاقتصادية العالمية.

(3) البعد الاجتماعي، ويتمثّل في الآتي:

- عدم المساواة بين أفراد المجتمع، وبين المناطق الريفية والحضرية.

- عدم تقديم الخدمات الأساسية، مثل الرعاية الصحية, والتعليم, وفرص العمل، وهي من الأسباب المؤدية للفقر.

- ظهور التفرقة والتمايز بين الطبقات في المجتمع، والذي يؤدي إلى عدم وجود مشاركة فعّالة, وحرمان الفقراء من المشاركة الأساسية في صنع القرار، فهي في الواقع استمرار لفقرهم.

- عدم الاهتمام بالتنمية الثقافية بالنسبة لأفراد المجتمع؛ مما يؤدي إلى ظهور الفقر.

- انتشار الفساد الذي يلتهم جزءاً كبير من عوائد التنمية.

- ظاهرة هيمنة العولمة التي تعانيها القارة بصفة عامة في ظلّ النظام العالمي الجديد, وانخفاض نسبة الاستثمار الخارجي, وهبوط حصتها من التجارة العالمية.

- انتشار الإيدز، وتركزه في أكثر الفئات العمرية نشاطاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي (15 – 45 عاماً), وهي الفئة التي تعوّل عليها الدول إدارة عملية التنمية للخروج من دائرة الفقر, والعلاقة بين مرض الإيدز والفقر المادي في صورة انخفاض الدخل علاقة مزدوجة, حيث يعد الفقر من أهم أسباب الإصابة بالإيدز نتيجة لأمّية الفقير، والتي نتجت عن فقره وعجزه عن دفع تكاليف التعليم, كما أن الإصابة بالمرض تسبب العجز عن العمل والإنتاج, ومن ثم انخفاض الدخل نتيجة لانخفاض الإنتاج, كما أن ما يتبقى من دخله يتم صرفه على العلاج، مما يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر[11].

كما ترجع ظاهرة الفقر إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء, حيث يمتلك بعض أفراد المجتمع الثروات والسلطة، وبعضهم الآخر لا يستطيع أن يمتلك شيئاً, وهناك أيضاً الفساد الإداري، وعدم العدالة في توزيع الدخل بين أفراد المجتمع الواحد.

ومن هنا كان ظهور ما يسمى باستراتيجيات اختزال الفقر Poverty Reduction Strategy Papers (PRSP's) .

استراتيجيات اختزال الفقر في القارة الإفريقية:

من كلّ ما سبق تتضح أهمية ظاهرة الفقر، وخطورة تأثيرها على التنمية في القارة الإفريقية، وظهرت العديد من المبادرات لاختزال معدلات الفقر في إفريقيا، وكان للدول المانحة الدور الأكبر في طرح هذه المبادرات، فقد اتخذت دول الاتحاد الأوروبي العديد من التدابير للمساعدة في تخفيف عبء الديون عن البلدان الفقيرة التي تبنّت برامج إصلاح اقتصادي.

وبما أن الفقر ليس مادياً فقط، ولا يمكن قياسه بمستوى الدخل الفردي فقط، كانت محاولات زيادة الدخل الفردي غير كافية لاختزال الفقر، فاستبعاد الفقراء وتهميشهم على المستوى الاقتصادي، وحرمانهم من المشاركة السياسية في صنع القرار تعد في الواقع استمراراً لفقرهم.

وتتكون استراتيجية اختزال الفقر من ثلاث مراحل، هي:

المرحلة الأولى: تحليل الفقر وتشخيصه:

وتتعلق هذه المرحلة بالتحليل: من هم الفقراء؟ وما جذور فقرهم؟ وتضع المرحلة الأولى كذلك تعريفاً واضحاً للفقر بأبعاده المتعددة (الحدّ الأدنى من استهلاك الكهرباء، قياس الوصول للخدمات الأساسية..)، وأين يعيش من يحصل على أقل من هذا الحدّ الأدنى؟ ما أدوارهم؟ علاقاتهم؟ ممتلكاتهم؟ نوعهم؟ ثم مراقبة التغيّرات في معدلات الفقر عبر الزمان.

المرحلة الثانية: وضع أولويات / خيارات للحدّ من الفقر:

تتعدد أولويات الدول التي تعمل على تبنّى هذه الاستراتيجية وتنفيذها، وبغضّ النظر عن ترتيب هذه الأولويات، فإن لكلّ منها أسلوباً يجب اتباعه للحدّ من الفقر كما يأتي:

1 - تطوير القطاع الزراعي: من خلال ائتمان ريفي، أبحاث، تحسين طرق، ضمان الوصول للأسواق، توفير مياه الري.

2 - الاستثمار في التعليم: تطوير المدارس الابتدائية، تقليل مصاريف التعليم للفقراء، تقليل معدلات التسرب من التعليم، تعليم الإناث.

3 - تحسين الخدمات الصحية: التركيز في الريف، إصلاح نظم توصيل الخدمات الصحية، التربية الصحية.

4 - تطبيق معايير الحكم والشراكة governance على مستوى الحكومات المحلية، وضع السياسات، والتركيز في تنمية الجمعيات الاجتماعية.

5 - استقرار معدلات الاقتصاد: تقليل معدلات التضخم، تجنب عجز الميزانية الداخلية، والضرائب على الصادرات.

المرحلة الثالثة: وضع الميزانية، وتغيير أوجه الإنفاق:

تعد مراجعة الميزانية داخل البرلمان أحد أهم الخطوات، وبخاصة مرحلة إعداد الميزانية، وتنفيذها، فهي تُعَد أحد وسائل مشاركة العامة والممثلين البرلمانيين في وضع الأولويات العامة ورسمها[12].

وقد حدد تقرير التنمية البشرية للعام 2003م ثمانية مشروعات تحت عنوان (أهداف تنمية الألفية) على أمل تحقيقها بحلول عام 2015م، ومن بينها:

- خفض عدد الذين يعانون الفقر المدقع بمقدار النصف، وهم الذين يكسبون دولاراً واحداً في اليوم أو أقل، مقارنة بعام 1990م.

- خفض نسبة الذين يعانون الجوع بمقدار النصف.

- نشر التعليم الابتدائي على كلّ المستويات.

- وقف انتشار فيروس (إتش آي في) والإيدز.

إن دولاً قلائل فقط من بين أكثر من 30 بلداً من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء تسير على درب الوصول إلى تلك الأهداف، ولكن تلك الأهداف لن تبلغها «البلدان الأفقر... التي ما زالت بعيدة كثيراً عن الدرب، ما لم يبذل المجتمع الدولي وتلك الدول ذاتها جهوداً إضافية كبيرة»[13].

ويمكن الوصول إلى معدلات النمو الأعلى المطلوبة، إذ إن بلداناً أخرى قد حقّقتها، مثل الصين والهند و (كوريا الجنوبية) وتايلاند، وهي البلدان التي بدأت بمستويات دخول مماثلة لمستويات الدخول في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء اليوم.

الخلاصة:

- أن إفريقيا جنوب الصحراء تُعَد المنطقة الوحيدة في العالم التي تنامى فيها عدد الذين يعيشون في فقر مدقع على مدار العقدين الماضيين.

- أن معدل الذين يعيشون في فقر مدقع في المنطقة ارتفع بنسبة 42%، حتى وصل إلى 47% في الفترة من 1981م إلى 2001م.

- أن الفقر المدقع انخفض في العالم كلّه من 40% إلى 21%.

خاتمة:

على الرغم من الجهود الموجهة لتسوية موضوعية لمشكلة الفقر، ومع اختلاف الطروحات المتبناة في مسيرة مكافحة الفقر، فإن الأمر الذي لا يختلف عليه العلماء هو أنه على الرغم من التطوّر الاقتصادي والاجتماعي العظيم الذي شهده العالم، وعلى الرغم من التحسّن الذي عرفته حياة كثير من الناس في معظم الدول، فإن الفقر لا يزال يشكّل معضلة إنسانية، وعلى الرغم من عالميتها فإنها تبرز بصفة خاصة عند شعوب العالم الثالث.

ومع بقاء صورة الفقر بصورتها القاتمة تلك؛ فإن الفجوة بين الأغنياء والفقراء ازدادت اتساعاً هي الأخرى خلال العقود الثلاثة الأخيرة بشكل يثير التساؤل حول الراهن والمستقبل الاجتماعي في هذه المجتمعات[14].

[1] تقرير التنمية البشرية 2012م.

[2] جغرافية السكان - الموسوعة الجغرافية / المجلة الجغرافية.. نافذة الجغرافيين العرب.

[3] انظر: http://ar.wikipedia.org/wiki

[4] عزو محمد عبد القادر ناجي: الفقر في إفريقيا: أبعاده والاستراتيجيات الموضوعة لاختزاله (السودان نموذجاً)، الحوار المتمدن - العدد: 2186 – 9/2/ 2008م.

[5] محمد عبدالله الرفاعي: معوقات بيانات قياس الفقر، إدارة التخطيط/  وزارة الاقتصاد، المؤتمر الإحصائي العربي الأول، عمان / الأردن، 13 نوفمبر 2007م، ص 470.

[6] برنامج الأمم المتحدة - دليل التنمية البشرية 2011م.  

[7] برنامج الأمم المتحدة - دليل التنمية البشرية 2011م.  

[8] ماجــدة إبراهيم عامر: الفقر في غرب إفريقيا? دراسة جغرافية تحليلية? الجمعيــة الجغرافيــة المصرية، سلسلة عن الجغرافية - العدد 30، القاهرة 2010م، ص 11.

[9] ماجــدة إبراهيم عامر: الفقر في غرب إفريقيا? دراسة جغرافية تحليلية? الجمعيــة الجغرافيــة المصرية، سلسلة عن الجغرافية - العدد 30، القاهرة 2010م، ص 13.

[10] هالة جمال ثابت: الفقر في إفريقيا.. خصوصيته واستراتيجية اختزاله.  

[11] ماجــدة إبراهيم عامر: الفقر في غرب إفريقيا? دراسة جغرافية تحليلية? الجمعيــة الجغرافيــة المصرية، سلسلة عن الجغرافية - العدد 30، القاهرة 2010م.

[12] أماني مسعود: دور البرلمان في سياسات التنمية الاقتصادية بالتطبيق على موضوع الفقر.

[13] تقرير التنمية البشرية للعام 2003م، «أهداف التنمية للألفية: تعاهد بين الأمم لإنهاء الفاقة البشرية»، نيويورك، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2003م، ص 378.  

[14] سامية قطوش: معضلة الفقر.. آثارها ومظاهرها، جامعة الجزائر.