احتراب داخلي أم انقلاب فرنسي.. في إفريقيا الوسطى!

  • 8 -1 - 2014
  • محمد البشير أحمد موسى


محمد البشير أحمد موسى 

أصدرت مجموعة الأزمات الدولية تقريراً عن الحالة التي تمر بها دولة إفريقيا الوسطى[1]، طارحاً بعض الحلول للخروج من هذه الأزمة المستمرة منذ عام تقريباً، ملقياً باللائمة على مجموعة (السيليكا)[2] الحاكمة، باعتبارها السبب الأساسي في الأزمة الحالية.

إلا أنّ الذي نسيته أو تناسته هذه المجموعة في تشخيصها للإشكاليات التي تمرّ بها دولة إفريقيا الوسطى، أنه لكي يتم الخروج الآمن من هذه الوضعية لا بد من حلحلة بعض الإشكاليات التاريخية المتراكمة، بالإضافة إلى العامل الخارجي، وإذا استمرت هذه الإشكاليات فإنّ الأزمة الأفرووسطية ستظهر بين الفينة والأخرى.

تعود الأزمات المتلاحقة في دولة إفريقيا الوسطى إلى النشأة الأولى للدولة الحديثة، فقد أُنشئت هذه الدولة بعد فك الارتباط بينها وبين بعض دول الجوار، وبخاصة تشاد، والكونغو الديمقراطية (زائير)، فقد عُرفت هذه الدولة تاريخياً بـاسم: (أوبانغي - شاري) فجمعت بين أجزائها (الجزء الجنوبي من تشاد، والجزء الشمالي من دولة زائير) وبعد الاتفاقية التي تمّت بين بلجيكا وفرنسا، إبّان انعقاد مؤتمر برلين لتقسيم مناطق النفوذ في إفريقيا (1884م)، تمّ الاتفاق بين الدولتين على الحدود الحالية بينهما، والتي تحدها من الشمال منطقة (زنقو)، ومن الجنوب بالنسبة لإفريقيا الوسطى منطقة (بانغي)، ولتقوم هذه الدولة الناشئة فقد ضمت إليها فرنسا أجزاء من مملكتي باقرمي في الشمال الغربي من إفريقيا الوسطى، ووداي في الجزء الشمالي الشرقي، كما تمَّ تحديد حدودها مع الكاميرون بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وهيمنة كلٍّ من فرنسا وبريطانيا على ما يُعرف اليوم بدولة الكاميرون.

عُرِفت إفريقيا الوسطى تاريخياً ضمن مجموعة إفريقيا الاستوائية التي تتكون من (الكاميرون والجابون والكونغو برازافيل وتشاد)، قبل أن تتكون الدولة الحديثة فيها عام 1938م، وتشكل مستعمرة (أوبانغي).

ومنذ نيل استقلالها ضمن المجموعة الفرنسية في (13/8/1960م)، وتغيير اسمها إلى (جمهورية إفريقيا الوسطى)، بدأت تشهد أزمات طفيفة بين نخبها السياسية، نظراً إلى وضع فرنسا لها تحت سيطرتها الكاملة باعتبارها مخزوناً استراتيجياً لها؛ لما تتمتع به من خيرات تحت الأرض وفوقها.

وبناءً على الحدود التي نالت بها الاستقلال؛ فقد جمعت إفريقيا الوسطى التي لا تتجاوز مساحتها (622,984) عدداً من القبائل والإثنيات المختلفة، بالإضافة إلى التعدد في الديانات والمعتقدات، ومن أهمها الإسلام في شمال البلاد، حيث كانت الممالك الإسلامية، وهناك الوثنية في الجنوب، ولم تنتشر النصرانية في إفريقيا الوسطى حتى عام 1846م؛ حين أنشأ (جريجوري) السادس عشر (دائرة إفريقيا الوسطى) في الفاتيكان، في إطار التسابق المحموم بين المجموعات التنصيرية، الكاثوليكية والبروتستانتية، وتعززت أنشطة هذه الدائرة بجهود هذه المجموعة بإنشاء المنصّر (دانيال كمبوني) المعهد العالي للتدريب في مدينة (فيرونا) الإيطالية، وهو معهد متخصص في إعداد القساوسة والمنصّرين في عدد من الدول الإفريقية، ومن بينها دولة إفريقيا الوسطى، وذلك في عام (1867م)[3]، فانتشرت أول مجموعة تنصيرية في المنطقة المعروفة اليوم بـاسم (بانغي)، وهي العاصمة، فقد كانت نقطة انطلاق البعثات التنصيرية في أرجاء إفريقيا الوسطى، وبخاصة الأجزاء الوسطى من البلاد.

بدأت النصرانية بعد ذلك بدعم من القوات الفرنسية في إنشاء مؤسساتها الدينية والتعليمية، وهيمنت بشكل كامل على التعليم، فتحوّلت هذه الديانة الجديدة من ديانة أقلية إلى ديانة الأغلبية في البلاد مع نيل الدولة استقلالها عام 1960م، ففي عام 1958م كانت الهيمنة لمجموعة من خريجي المدارس الكاثوليكية على الحياة العامّة، ونشر ما يُعرف بالثقافة والقيم المسيحية على جميع سكان البلاد، وقد تعززت جهود الكنائس المحلية مع الجهود التي يقوم بها المنصِّرون الغربيون، وعلى رأسهم ما يُعرف بحملة (لفنستون وستانلي) عام 1978م، حين تقاسمت البعثات الألمانية والأسكتلندية والإنجليزية المنطقة المجاورة لإفريقيا الوسطى على الحدود السودانية، وبدأت الحركات التنصيرية تحاصر إفريقيا الوسطى من الجنوب من الكونغو، حيث توجد البعثات التنصيرية البلجيكية، ومن الشرق مع السودان البعثات الإنجليزية، ومن الغرب البعثات التنصيرية الألمانية، وبخاصة البروتستانت، ومن شمال البلاد البعثات الكاثوليكية الفرنسية التي تتخذ من مدينة (سار) التشادية مقراً لها للانطلاق نحو شمال إفريقيا الوسطى.

وقد ترأس الدولةَ بعد الاستقلال الرئيس (ديفيد داكو)، تولى السلطة في الفترة (1959م – 1966م)، ويُعد من ثمار المدارس الكنسية، ومن ثمَّ أصبح عُرفاً متبعاً أن كلَّ مَن يتولى أمر رئاسة إفريقيا الوسطى يجب أن يكون نصرانياً كاثوليكياً، وهو ما كان من حال كلٍّ من الإمبراطور )جان بيدل بوكاسا) الذي حكم في الفترة (1966م – 1979م)، ثمَّ (ديفيد داكو) مرة أخرى، فقد أعيد بانقلاب فرنسي على الإمبراطور (بوكاسا)، فحكم في الفترة (1979م – 1981م)، ومن بعده كان الرئيس (أندريه كولينجبا) الذي حكم في الفترة (1981م – 1993م)، وجاء بعده الرئيس (أنجي فيليكس باتاسيه) (1993م – 2003م)، ثم كان الرئيس (فرانسوا بوزيزيه) الذي حكم في (2003م -  2013م).

ومعظم هؤلاء الرؤساء إمّا قساوسة وإمّا مرتبطون بالكنيسة الكاثوليكية، وهو الأمر الذي تمّ كسره مع وصول الرئيس الحالي (ميشيل جوتوديا)، فهو أول رئيس مسلم يتولى السلطة في دولة لم يرأسها من قبل إلا قسّ كاثوليكي، وليس هذا الرئيس شخصاً وافداً أو مهتدياً إلى الإسلام، بل هو من القبائل الأساسية المسلمة في البلاد، وهو الأمر الذي أقضّ مضاجع الدوائر الكنسية والغربية معاً.

وكلّ الرؤساء الذين تولوا السلطة بعد (ديفيد داكو) جاؤوا بانقلابات أو ثورات عسكرية، وهذا ما كان من أمر )ميشيل).

ومن الملاحظات المهمة والأسباب التي تحول دون اعتراف فرنسا به أنه الوحيد من بين كلّ هؤلاء الرؤساء الذي لم يكن صنيعة فرنسية بامتياز، فقد كانت دراسته في روسيا، وتخرج في كلية الاقتصاد هناك، ولم يتخرج في المؤسسات الكنسية في الداخل كما كان الحال مع زملائه من الرؤساء السابقين.

الأحداث الأخيرة.. احتراب داخلي أم محاولة انقلابية:

لفرنسا سوابق في الانقلابات العسكرية في إفريقيا، ومساندة الأنظمة الديكتاتورية ضد التوجهات المعادية لسياساتها التي تنصّ بنودها الأولى على أنّ الاقتصاد أساس السياسة الفرنسية مع مستعمراتها، فلذا لم تكن إفريقيا الوسطى بدعاً من تلك الدول التي نفذت فيها فرنسا مباشرة أو عبر مرتزقتها عمليات انقلابية، فقد كانت كلَّ العمليات الانقلابية في دولة (جزر القمر) منذ استقلالها تديرها فرنسا وشركاتُها الاستثمارية عبر المرتزق (بوب دينار)، وكذا الحال في المستعمرة البلجيكية (كونغو الديمقراطية) أو (زائير).

وفي إفريقيا الوسطى؛ وقعت أولى العمليات الانقلابية على الرئيس (بوكاسا) حين كان في زيارة لليبيا، ولم يكن (بوكاسا) على توافق في سنواته الأخيرة مع فرنسا والغرب عموماً، وهو ما جعل الغرب يصوّره وكأنه (آكل للحوم البشر)، وشاركت فرنسا بدعم غير مباشر في العمليات الأخرى، لأنّ الاستقرار يعني اعتماد إفريقيا الوسطى على مصادرها الداخلية، وهو أمر لا تحبذه الشركات الفرنسية.

عملية فجر الخميس الدامي:

تُعد عملية فجر الخميس (الخامس من ديسمبر 2013م) عملية انقلابية بامتياز، قادها زمرة من المرتزقة بدعم (فرنسي، كاميروني، جنوب سوداني)، وبمباركة رجال الكنيسة، فقد كانت عملية قتل المسلمين في حي (بوينغ) تضليلاً للجيش الوطني للتحرك بعيداً عن مقاره حول القصر، وهو ما يفسح المجال أمام هذه الميليشيات والمرتزقة لاقتحام القصر والإذاعة والتلفزيون، وإعلان الانقلاب مباشرة بتغيير الحكومة، لتأتي القوات الفرنسية لاستكمال اللازم وفرض الأمر الواقع، لذا جرت التمثيلية الأخرى، وهي استصدار قرار من الأمم المتحدة صبيحة المجزرة لتثبيت الحكومة الجديدة، مع أنّ القوات الفرنسية قد وصلت إلى إفريقيا الوسطى قبل الموافقة، ودخلت مدينتي (بوار، وبربرتي) الغنيتَيْن بالألماس والذهب، وحين أدركت باريس فشل محاولتها الانقلابية بدأت تعلن أنّ هناك حرباً أهلية تجري بين المسلمين والمسيحيين، وأنها ما جاءت إلا لوقف هذا الاحتراب، وأنّ على المجتمع الدولي دعمها في هذه الجهود.

حاول الرئيس الفرنسي (هولاند) من وراء هذه العملية إعادة رفع أسهمه التي وصلت إلى أدنى مستوى لرئيس جمهورية فرنسي، والتصالح مع الشركات الفرنسية، وكسب ودّ الفاتيكان، ولكن بعض أهدافه تلك باءت بالإخفاق، وخصوصاً أنّ الحقائق بدأت تتكشف، ويتبين أنَّ العملية كانت كبيرة جداً، فلم تكن مجرد اجتهادات من هذه الميليشيات النصرانية، ولم تكن دفاعاً عن النفس، بقدر ما كانت محاولة فرض أمر واقع جديد، وتنصيب حكومة موالية لباريس في (بانغي), ولكن قدَّر الله شيئاً آخر.

وترجع أحداث الخميس الدامي في (بانغي)، في بعض جوانبها، إلى عدد من العوامل التي نوجزها في الآتي:

العامل الأول: مصالح فرنسا والغرب الاقتصادية:

وهو أهم عامل، فالخلافات التي  ظهرت أثارتها مجموعة (أريفا) الاستثمارية التي تعمل في منطقة (باكوما) في جنوب البلاد، فقد توقفت أنشطة الشركة منذ وصول الثوار إلى سدّة الحكم، ولم تصل المفاوضات بين الطرفين إلى حلول فورية، فالحكومة كانت تسعى لتحديد النّسب الخاصة بالدولة بصورة واضحة.

كما تمّ تأجير جزيرة سياحية لتجار قطريين، مما أثار حفيظة عدد من الشركات الفرنسية والغربية، لعدم رغبتهم في دخول العنصر العربي في الاستثمار، مع أنّ هناك اتفاقيات اقتصادية بين إفريقيا الوسطى وقطر في أثناء حكم (بوزيزيه)، ولم تكن مرتبطة بوصول ثوار (سيليكا) إلى الحكم.

العامل الثاني: الهيمنة والنفوذ الفرنسي على السيادة الأفرووسطية:

وهو عامل مهمٌّ أيضاً، لأنّ فرنسا بدأت تشعر بفقدان إفريقيا الوسطى، وأن هيمنتها السابقة بدأت تتلاشى، فلا بد من الفوضى الخلاقة، أو إخضاع هؤلاء الحكام لسياساتها، وبعد زيارة وزير الخارجية (فابيوس) إلى (بانغي) في أكتوبر الماضي 2013م، وإرساله لرسائل قوية بشأن الحفاظ على مصالح فرنسا والكنيسة، ردت الحكومة بأنّ هذه حكومة انتقالية، وفي خلال الفترة الانتقالية سيتم الحفاظ على كلّ العلاقات الخارجية، وبالمقابل على فرنسا وقف الحملة الفرنسية ضد بلادهم، ومع ذلك فالمتضررون في الأحداث التي صاحبت العملية الانتقالية في البلاد هم كلّ مواطني إفريقيا الوسطى، ولم يسلم منها المسلم وغيره، ومع أنّ وزير الخارجية ادّعى تفهّمه لهذه المواقف، كما نقلت وسائل الإعلام المحلية، وإدراكَه التام أنّ المسلمين عانوا الأمرّين في أثناء حكم (بوزيزيه)، فقد ظلت فرنسا منذ وصول الثوار من مجموعة (سيليكا) إلى سدّة الحكم في مارس عام 2013م تعلن صراحة أنها لن تعترف بهذه الحكومة، بل إنَّ وزير الخارجية أعلن غير مرة دعوة صريحة إلى تدخّل دولي بقيادة فرنسا في الأزمة الحالية، مع أنه لا توجد أزمة في الميدان على النحو الذي تكرره فرنسا.

والحقيقة هي أنّ وصول الرئيس (ميشيل) لم يكن مرحّباً به من قِبل المؤسسات الاقتصادية الكبيرة في فرنسا، كما أنّ الاشتراكيين لم ينسّقوا مع الثوار إلا في اللحظات الأخيرة بعد تحقّقهم من وصولهم إلى سدّة الحكم، عندها بدأت الهواجس تكثر لدى حكام (الإليزيه)، وهو ما اتضح جلياً في دعوة (فابيوس) العلانية إلى زيادة القوات الفرنسية في إفريقيا الوسطى قبل نهاية العام 2013م، قبل زيارته الأخيرة إلى إفريقيا الوسطى، وقبل الأحداث الأخيرة وما صاحبها من استصدار قرار من الأمم المتحد في 5 ديسمبر 2013م بتفويض فرنسا بالتدخّل عسكرياً في إفريقيا الوسطى، مما يدلّ على أنّ الأمر كان مبيّتاً من قبل، وتعززت هذه الخطوات بدعوة الرئيس (هولاند) العلنية إلى أنه على الرئيس (ميشيل) الاستقالة لإجراء انتخابات مبكرة[4]، وهو أمر يخالف ما اتفق عليه فرقاء الأزمة في إفريقيا الوسطى في مدينة (برازافيل)، والذي انتُخب على ضوئه الرئيس الحالي (ميشيل) رئيساً للبلاد من قِبل المجلس الانتقالي الذي يقوم بأعمال البرلمان، في يوم السبت (13 أبريل 2013م)، كما أنّ هذه الحكومة انتقالية لمدة عام ونصف العام، بعدها سيتمّ إجراء انتخابات عامّة، ومن ضمن الشروط ألا يترشح الرئيس الحالي لمنصب الرئاسة بعد انتهاء الفترة الانتقالية، وقد تمّ توقيع هذه الاتفاقية بمباركة الدول الغربية؛ بالإضافة إلى دول مجموعة (السيماك) الراعية لهذه المفاوضات.

العامل الثالث: مصالح الكنيسة الكاثوليكية:

الناظر إلى التهييج الإعلامي على الحكومة الحالية قبل الانقلاب بأسبوعين في الوسائل الإعلامية الفرنسية المختلفة، ومحاولة إثبات أنّ هناك تطهيراً عرقياً يجري ضد النصارى في  إفريقيا الوسطى، يتأكد أنه جاء في إطار ما يُسمّى (مصالح الكنيسة في إفريقيا الوسطى في خطر)، فالكنيسة التي كانت تهيمن على كلّ مفاصل الدولة، بدأت تفقد تلك القوة التي عرفت عنها، حتى إنه لأول مرة في تاريخ إفريقيا الوسطى تُقام الصلوات في القصر الجمهوري، ويحضر الرئيس لأول مرة في تاريخ هذه الدولة احتفالات عيدي الفطر والأضحى، وخصوصاً أنّ عيد الأضحى السابق (1434هـ) كان يوماً مشهوداً في تاريخ إفريقيا الوسطى، حيث حضر الرئيس وعدد من وزرائه لصلاة العيد في الجامع المركزي في قلب العاصمة، وهو أمر كان مستغرباً من كلّ الدوائر الكنسية في إفريقيا الوسطى ودول الجوار.

وقد صرّح راعي الكنيسة الكاثوليكية (ديودونيه نزابالاينغا) منذ وصول ثوار (سيليكا) إلى الحكم بأنّ (الخطر الإسلامي قادم)، وبصلاة رئيس الجمهورية في الجامع المركزي أصبح الخطر محققاً، وهو ما عبّر عنه بقوله: «إننا في مواجهة قنبلة، يمكن لأيّ مشعوذ شرير أن يفجر المنزل، لا أريد التقليل من المشكلة»[5]، قاصداً أنّ الوضع خطير، والمشعوذ يعني (المسلم)، وأنه لا بدّ من دعم (المسيحيين) بالسلاح قبل أن يتفاقم الوضع.

كما أنَّ القس (نيكولا غيري كويامي) الذي يترأس تحالف الإنجيليين في إفريقيا الوسطى صرّح في أكثر من وسيلة إعلامية فرنسية أنَّ ثمة ابتزازاً يجب تلافيه ومقاومته مع هذا المسلم الذي يتولى الحكم، والذي يقول: «سنؤسلم البلاد»، مع أنَّ رئيس الجمهورية في أكثر من موقف أكّد أنّ جمهورية إفريقيا الوسطى دولة علمانية، وأنّ المسيحيين والمسلمين يعيشون في دولة علمانية، كما قال: «صحيح أنني مسلم، لكن من واجبي خدمة وطني، وجميع مواطني إفريقيا الوسطى»، وشدّد في غير مرة على القول: «لم آت من أجل المسلمين، ولم آت فقط من أجل المسيحيين، جئت من أجل الجميع»، لكن لم تشفع له هذه الكلمات، ولم يحصل على اعتراف فرنسا والكنيسة به!

وقد تأكد ضلوع الكنيسة ومشاركتها في العملية الانقلابية الأخيرة، فقد وُجِد في عدد من الكنائس كميات كبيرة من الأسلحة، كما ضُبط عدد من أعضاء الميليشيات وبحوزتهم قوائم لاستهداف القيادات الإسلامية من الجنود وغيرهم، وعند استجوابهم اعترفوا بمشاركة عدد من القساوسة معهم، وبناءً على ذلك فقد اعتُقل عدد منهم.

وكان على رأس العملية الانقلابية وزير الداخلية والأمن العام، وهو قسٌّ سابق، فقد كان على تواصل مع السفير الفرنسي في التمهيد للعملية الانقلابية، وعند مداهمة منزله وجدت كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ففر إلى السفارة الفرنسية، ونُقل من هناك إلى مقر القيادة العامّة للقوات الإفريقية في العاصمة بانغي، وما زالت القوات الفرنسية تسعى إلى إخراجه من العاصمة، أو إيجاد حلٍّ تفاوضي له مع الحكومة بألا يمسّ أو يعتقل.

كما أنّ من الضالعين في العملية الانقلابية رئيس الوزراء، وهو حالياً في فرنسا، ولم يقم بأي عمل لشجب المجازر التي حصلت للمسلمين في مسجد نور اليقين في حي (بوينغ) بالقرب من المطار غرب العاصمة بانغي، فقد قُتل الإمام (مالوم) - السبعيني - مع ثلّة من إخوانه المصلين من النساء والشيوخ والأطفال وهم يؤدون صلاة الفجر، وكان بإمكان رئيس الوزراء - على الأقلّ - إصدار ما يُعرف ببيانات الشجب والاستنكار، لكنه لم يقم بذلك، بل ألقى باللائمة على المسلمين، مع أنّ كلّ المنظمات الدولية العاملة في الميدان وبعض المراسلين الغربيين قد سجّلوا حوادث القتل الممنهجة ضد المسلمين في العاصمة وخارجها، وعلى رأسها حادثة قتل إمام مدينة (بوسنجوا)، وبقر بطن زوجته الحامل، بالإضافة إلى قتل عدد من المسلمين، منهم عشرة أطفال تمّ ذبحهم بالمناجل أمام أعين أسرهم، وهم من قبيلة (الفلاتا)، وهذا الحَدثُ نقله مراسل غربي كان شاهد عيان على المجزرة[6].

وماذا بعد؟

ها هي ذي فرنسا الآن تنزل إلى أرض الواقع وكلها خيبة جراء الإخفاق في مشروعها الانقلابي، وتسعى الآن إلى فرض قواعد جديدة للعبة، والضغط على الحكومة وفقاً للتفويض الدولي لها، ولكن هل تستطيع الحكومة الفرنسية أن تفرض هيمنتها وقوتها من جديد؟ لعل الأيام القادمة حبلى بالكثير!!

إنَّ خطابات القساوسة يوم الأحد الماضي 8 ديسمبر في عدد من الكنائس، وبخاصة الكاثوليكية منها، تدعو إلى السِّلم الاجتماعي، بعد أن أدركت إخفاقها وإخفاق راعيتها في قلب الحكومة، وأنّ الشرارة التي بدؤوها قد لا تتوقف عند (بانغي)، فقد تتدخل قبائل من دول الجوار نصرة لإخوانهم، وخصوصاً من تشاد والسودان، وهو ما يخشاه مجلس الكنائس في بانغي وجنوب السودان والكاميرون، فهل هم صادقون في دعوتهم تلك، أو أنها مجرد خدعة!

إنّ كلّ ما جرى فجر الخميس الدامي (الخامس من ديسمبر 2013م) عملية انقلابية فرنسية نصرانية، ويبدو أنها لن تتوقف عند هذا الحدّ، فسيمكرون.. ?... وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ? [الأنفال : 30].

* البريد الإلكتروني: Albeshir203@hotmail.com

[1] تقرير رقم (96) الصادر في 2 ديسمبر 2013م، بعنوان: (إفريقيا الوسطى: متأخر أفضل من ألا تأتي).

[2] (سيليكا) تعني بلغة سانغو المحلية: (التحالف)، والتحالف يتكون من ثلاث مجموعات رئيسة: الأولى: اتحاد القوات الديمقراطية من أجل الوحدة (UFDR) برئاسة الرئيس ميشيل، والثانية: اتحاد القوات الجمهورية (UFR) برئاسة إيريك نيرس ماسي، ابن الوزير كالوس ماسي الوزير السابق في حكومة بوزيزيه، إلا أنه اختفى في أثناء التحرك نحو بانغي ولم يُعرف مصيره، والثالثة: مؤتمر الوطنيين للعدالة والسلام (CPJP)، فتحالفت معاً للانقضاض على سلطة بوزيزيه، كما أنّ هناك مجموعتين خارجتين عن التحالف، إلا أنهما شاركتا في الهجوم على العاصمة والمشاركة في السلطة، وهما: مجموعة الوزير نور الدين آدم، والوزير محمد موسى دفان، حيث دخلا المفاوضات في (برازافيل) مستقلَّيْن وحضرا ضمن أطياف المعارضة العسكرية والمدنية.

[3] ألفريد لوشاتليه: الغارة على العالم الإسلامي، ترجمة مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب، منشورات العصر الحديث، ط 2، جدة / المملكة العربية السعودية، 1949م، ص 35.

[4] في المقابلة التي أجراها رئيس الجمهورية الفرنسي مع قناة (فرانس 24)، فقد شدد على ضرورة إجراء انتخابات قبل نهاية ولاية الرئيس الحالي لجمهورية إفريقيا الوسطى، أي قبل 2015م، من ناحية أخرى أكد الرئيس الفرنسي أنّ عدد الجنود الفرنسيين المنتشرين في جمهورية إفريقيا الوسطى لن يتعدى (1600) جندي، لمهمّة من الممكن أن تنتهي في ظرف ستة أشهر. السبت (8/12/2013م).

[5] نقلاً عن موقع: think Africa press 

[6] موقع إنترناشونال بيزنس تايمز البريطاني، وموقع جين أفريك، على الإنترنت، بتاريخ 8/12/2013م.