إفريقيا وتهميش الرموز والقيادات الإسلامية

  • 1 -10 - 2016
  • التحرير

 

لم ينل تاريخ أمّةٍ من التشويه والتهميش والتدليس مثل ما نال تاريخ إفريقيا، ففي حين قامت في إفريقيا إمبراطوريات وممالك وسلطنات قبل الإسلام وبعده، نالت من القوة والمجد والحضارة النصيب الأوفر، برزت فيها ومن خلالها قيادات إسلامية لها دورها وتأثيرها في شتى المجالات، وعلى كافة المستويات، ومع ذلك نجد أن تجهيلاً  وتغييباً لهذا التاريخ المشرف، ليس على الدول فقط بل على الرموز التي قادت هذه النهضة أيضاً، ويا للأسف! فإنّ أبناء القارة أنفسهم يجهلون تاريخهم ورموزهم، ولا يولونهم الاهتمام المستحق!

وفي خضم حديثنا عن تهميش الرموز الإفريقية؛ تقترب منّا ذكرى وفاة أحد أهمّ أعلام إفريقيا، فبحلول عام 2017م يكون قد مرَّ قرنَانِ من الزمان على وفاة واحدٍ من أهمّ رموز إفريقيا، إنه العالم المجاهد عثمان بن فودي (1169هـ - 1233هـ / 1754م - 1817م)، ذلك الرجل الذي مثّل حالةً فريدةً من نوعها في علمه وجهاده، فكان- رحمه الله- رجُلَ دولةٍ باقتدار، قَرَنَ إلى علمه وجهاده إقامة دولةٍ إسلاميةٍ قوية في القرن التاسع عشر الميلادي، وهي: (مملكة صكتو الإسلامية)، وقام بمحاربة الفساد العقديّ والسلوكيّ والسياسي في بلاد (الهوسا) غرب إفريقيا، واستطاع أن يُخضِع غرب إفريقيا تحت سلطان مملكته، والتي يُطلق عليها بعض المؤرخين: «خلافة إسلامية».

لا يقف الأمر عند الشيخ عثمان فقط، فإفريقيا قارةٌ معطاءة، قدمت لنا كثيراً من الرموز والعلماء والقيادات؛ ممن كان لهم إسهامات تجلّ عن الوصف، وبالرغم من حالة التهميش تظلّ أعمالهم وجهادهم منارةً لأبناء القارة، يقتدون بها في ظلّ الضعف والجهل والاستغلال والإنهاك التي تمرّ به القارة، والذي يتولّى كِبرَه دول الاحتلال الغربيّ وغيرها؛ ممن يعتبرون القارة بأبنائها من أملاكهم.

ومن الرموز التي نالها التهميش والتغييب- على سبيل المثال لا الحصر، ودون ترتيب-:

- الشيخ عبدالله بن فوديو (1766م - 1829م): شقيق عثمان بن فوديو، لقّبه معاصروه بـ «نادرة الزمان» أو «علاّمة السودان (غرب إفريقيا)»، تبحّر في العلم، وله مؤلفاتٌ غزيرةٌ في كثيرٍ من فنون العلم، واشتهر بتفسير القرآن.

- الشيخ محمد بلو بن عثمان بن فوديو (1780م - 1837م): ابن الشيخ عثمان، وكان واحداً من أهمّ وزرائه، تولّى حكم القسم الشرقيّ للدولة؛ حتى بايعه رجالها لخلافة والده (1817م)، كما كان من طلاب العلم، وله مؤلفات عدة، وأشهرها «إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور».

- الحاج عمر بن سعيد تال الفوتي (1796م – 1864م): أحد أشهر تلاميذ الشيخ عثمان، وتولّى القيادة في دولته، قاد حرباً ضدّ الوثنيين في فوتا تور وسيقو، ووقف أمام تقدّم الاستعمار الفرنسيّ في المنطقة.

- الشيخ أحمد فورتو البرنوي: الذي كان معاصراً للسلطان إدريس ألوما سلطان إمبراطورية البرنو من عام (1570م - 1603م)، وكان الشيخ أحمد فورتو حافظَ سرّه وإمامه في الصلاة.

- الشيخ أحمد بابا التمبكتي (1556م - 1627م): من أشهر علماء تمبكتو، كان موسوعيّاً، مؤرّخاً، عالماً بالشريعة، من المتبحّرين في اللغة العربية وآدابها، يذكر مترجموه أنه ألّف ما يزيد على أربعين كتاباً، وقد درّس في دولة سنغي وخارجها.

- الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله السعدي (1596- 1656م) ولد في مدينه تمبكتو في مالي من عائله مالية سودانية، شغل منصب القضاء والإمامة في مدينة جني التي كانت مركزاً علمياً اسلامياً مزدهراً، وهو صاحب «تاريخ السودان»، الذي يؤرّخ لدولة سنغي الإسلامية، ويعدّ من أشهر مؤرّخي إفريقيا.

- الشيخ أحمد حمد لبو الماسني (1776م - 1844م): كان من العلماء المجاهدين، مؤسّس الدولة الإسلامية في ماسينا عام 1818م، وكانت عاصمته «حمد الله»، وتقع دولته ضمن حدود دولة مالي الحالية.

- الشيخ عبدالقادر كن (1728م - 1810م): مؤسّس الدولة الإمامية في حوض السنغال.

- الشيخ عبدالرحمن الإفريقي الزبرماوي: وُلد في قرية «ففا» الواقعة في جزيرة في نهر النيجر بدولة مالي، تخرّج في مدرسة دار الحديث، وعُيّن أستاذاً فيها، ومدرّساً في المسجد النبويّ الشريف، ومن مؤلفاته: «الأنوار الرحمانية في الردّ على التجانية».

فوا عجباً لأمّة مثل إفريقيا! لها تاريخٌ عريقٌ مشرِّفٌ تخاصمه ولا تستفيد منه، وتعدّه ماضياً زال، وتراثاً اندثر!

- الشيخ عمر بن محمد بن محمد بكر الفلاني, الشهير بفلاته (1345هـ - 1419هـ): الفقيه المحدِّث المُسنِد المفسِّر المؤرِّخ الأديب الواعظ المُربّي، وُلد بالقرب من مكة، وعاش بالمدينة، مدير «دار الحديث» عام 1377هـ، وأمين عام الجامعة الإسلامية عام 1395هـ.

فوا عجباً لأمّة مثل إفريقيا! لها تاريخٌ عريقٌ مشرِّفٌ تخاصمه ولا تستفيد منه، وتعدّه ماضياً زال، وتراثاً اندثر!

- السلطان محمد باباتو زبرما: الذي وُلد في قرية «أدونغد» في جمهورية النيجر، ويعدّ من العلماء الذين قاموا بنشر الإسلام والثقافة العربية في شمال جمهورية غانا في القرن التاسع عشر الميلادي.

- الشيخ محمود بن عمر باه (1906م - 1978م): مؤسّس المدارس النظامية في غرب إفريقيا، وبخاصّة مدارس الفلاح، وقد وُلد الشيخ محمود باه في بلدة جوول في جنوب موريتانيا، وقد افتتح حوالي 77 مدرسةً عربيةً في غرب إفريقيا، حتى الكاميرون في وسطها، وبنى 89 مسجداً كذلك.

- الحاج أحمد بِلُّو سَرْدَوْنَا (1909م - 1966م): رئيس وزراء إقليم شمال نيجيريا، رجُل الدولة والدعوة في نيجيريا، المجاهدُ المسلم الكبير.. الذي وقف وحده بين ملايين المسلمين ينافح عن دين العزّة والكرامة، ويذود عن شريعة الإسلام.

- الشّيخ أبوبكر محمود جومي (1341هـ - 1413هـ): مفتي نيجيريا الأكبر، كان المستشار والساعد الأيمن للحاج أحمد بِلُّو سَرْدَوْنَا، وشاركه في إنشاء «جماعة نصر الإسلام».

- السلطان أحمد بن إبراهيم الفزان (الغازي) (1507م – 1543م): هو أعظم سلاطين المسلمين في الصومال، غزَا الحبشة بعد أن وحّد قبائل الصومال وعدداً من قبائل الأورومو تحت قيادته، كاد يسيطر على الحبشة لولا تدخّل البرتغاليين وأوروبا، قُتل في معركةٍ ضدّ البرتغال والحبشة، وكان قد قَتَلَ القائد كريستوفاو بن فاسكو دا غاما، والملك لبنا دبنجل الأمهري.

- الإمام سلطان يوسف بن سيف اليعربي (ت 1680م): تمكّن العُمانيون تحت قيادته في ظلّ الدولة اليعربية من تحرير مسقط من سطوة البرتغاليين، وقام بمطاردة البرتغاليين في المحيط الهندي وتخليص منطقة الخليج العربيّ من شرورهم، كما تمكّن من دحر البرتغاليين وتصفية وجودهم في الشرق الإفريقي.

- السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي (1797م - 1856م): أعظم سلاطين الدولة العمانية، اتخذ من «زنجبار» عاصمة لدولته، وكان له أكبر الأثر في نشر الحضارة العربية والإسلامية في ‏شرق إفريقيا.‏ 

- أحمد بن إبراهيم العامري: تاجر مسلم، من أهمّ الرواد الأوائل في مجال الدعوة إلى الإسلام، يرجع له الفضل في دخول الإسلام إلى أوغندا؛ بعد أن أقنع ملك أوغندا (الملك سونا) باعتناق الإسلام في عام 1843م.

- حميد بن محمد المرجبي (1837م – 1905م): الملقب بـ «تييو تيب»، تاجر عماني، فاتح الكونغو، كان يعتبر أحد المستكشفين، وساعد المستكشفين الغربيين في عملهم في إفريقيا.

- علي حسن مويني (وُلد عام 1925م): الرئيس السابق لجمهورية تنزانيا، وهو سياسيٌّ ومحامي، تولّى منصب رئيس تنزانيا (1985م – 1995م)، كان عصره هو العصر الذهبيّ للمسلمين بعد تحكّم الكنيسة في البلاد، واستطاع أن يعيد للمسلمين حقوقهم، ويعيد لهم مكانتهم.

- البروفيسور علي مزروعي (1933م - 2014م): عالم السياسة الذي عمل أستاذاً في جامعات عدة، كان آخرها جامعة ولاية نيويورك بمدينة بنجهامتن، حيث أسّس «معهد الدراسات الثقافية العالمية»، وظلّ مديراً له حتى قبل وفاته، وُلد في مدينة ممباسا الكينية؛ لأسرة ذات أصول عربية عمانية، اشتهر مزروعي بكتاباته عن السياسة والثقافة، وخصوصاً في إفريقيا، وبخاصّة كتاباته عن قضايا الإسلام والمسلمين.

حقيقةً؛ الأسماءُ كثيرة، والرموز- سواء في مجال العلم أو الجهاد أو الحكم- لا حصر لها، وما ذكرناه نماذج فقط للاستئناس وضرب الأمثلة؛ حتى نقف على عظَمَة تاريخ القارة ورموزها التي طالها التهميش على مدار قرون من الزمن.

فعلى أبناء القارة أن ينفضوا غبار التهميش عن تاريخ قارتهم ورموزهم وحضارتهم، فلن يكون لهم مستقبل إلا بإبراز رموزهم، والكشف عن إنتاجهم العلميّ والفكري، ثمّ تحقيقه ونشره والتعريف به، فالتاريخ هو ذاكرة الأمم، لا تستطيع أمّةٌ أن تعيش بلا ذاكرة، ودراسة التاريخ واستخراج الدروس والعبر منه هو دأب الأمم القوية، وخيرُ شاهدٍ على ذلك: أنّ الأمم التي ليس لها تاريخ تحاول أن تؤلّف لنفسها تاريخاً، ولو مختلقاً، حتى يكون لها ذكرٌ بين الأمم، كما هو حال الدولتَيْن اللقيطتَيْن أمريكا وإسرائيل.

كما أنّ هذه دعوة لأبناء إفريقيا- أفراداً وجماعات- إلى قراءة تاريخهم قراءةً واعيةً، يستخرجون منه الدروس والعبر، ويستخرجون منه منهاجاً للحركة والفَهْم، يفيدهم في مسيرة نهضة القارة، واستشراف مستقبلها، حتى يعود لإفريقيا مجدها، وتستعيد مكانتها وعزتها أمام الأمم.