إفريقيا والسلام المفقود!

  • 2 -1 - 2016
  • التحرير


هل قُدّر لإفريقيا أن تكون قارة الصراعات والفقر والتخلّف، وأن تتصدّر الدول الهشّة؟!.. في الواقع ليس الأمر كذلك، فما تعيشه القارة الآن هو من فعل الإنسان؛ ضعفٌ وعجزٌ داخلي، ومكرٌ وتسلّطٌ خارجي.

فالقارة التي دارت وتدور فيها الحروب والصراعات بين أبنائها الأصليّين، بسبب أيدٍ خارجية ساهمت وتساهم إلى اليوم في زعزعة السلام في إفريقيا لمصالحها الخاصّة، هذه القارة تملك مقوّمات القوّة والتقدّم والسلام والتنمية؛ متى ما وُجدت الإرادة والقيادة التي تُحسن استثمارها.

فمن حيث الإمكانيات البشرية يبلغ عدد سكان القارة ملياراً من البشر، ومنطقة جنوب الصحراء الإفريقية تضمّ أعلى نسبةٍ من فئة الشباب (20.2%) في سنّ (15 - 24)؛ بالمقارنة بغيرها من المناطق المجاورة.

ومن أسباب السلام والاستقرار في القارة الثروة الطبيعية الكبيرة، حيث أظهرت دراسة أعدتها شركتا "أفريقا إنفستور" و "أفريقا غروب" للأبحاث الاستثمارية: أنّ إفريقيا تمتلك ثروة كامنة في قطاعاتٍ مثل الزراعة والسياحة والمياه، تقدّر بـنحو 1.7 تريليون دولار؛ لم تكن معتبرة سابقاً، وقدّرت الدراسة أيضاً: أنّ إفريقيا تملك مخزونات قابلة للاستخراج من النفط الخام والغاز والفحم واليورانيوم، تتراوح قيمتها بين 13 تريليون دولار و 14.5 تريليوناً.

تقارير صندوق النقد الدولي تقول: إنّ الدول الثرية بالمعادن هي التي يشكّل تصديرها أكثر من ربع قيمة الصادرات، فنجد أنها تصل إلى 66% في القارة الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى.

وبالقارة الإفريقية 75% من المياه العذبة، وبها 72% من الأراضي الصالحة للزراعة، وهي مُطلّة على الممرات المائية المهمّة في العالم[1]، ولهذه الأسباب لُقبّت القارة: بـ «قارة المستقبل»، و «محور الاقتصاد العالمي»، وهذه الألقاب لها ما يسوّغها.

ولكن هل يمكن أن تصبح إفريقيا قارة مستقبل العالم، وتمثّل المحورية الاقتصادية في العالم؛ في ظلّ الحروب، والجهل، والمرض، وإهمالٍ لأغلبية السكان، وإبعادهم عن الحياة السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية، وممارسة الضغوط الدينية عليهم؟!

إنّ السلام في إفريقيا ليس مستحيل التحقيق؛ إذا توفرت بعض الشروط الموضوعية الواقعية، ومن أهمها:

- على أبناء القارة أن يعلموا أنّ حريتهم ونهضتهم وأمنهم وسلامتهم بأيديهم هُم، وأنّ الخارج لا يريد لهم إلا إهلاك أنفسهم وأوطانهم؛ بكثرة الصراعات الدينية والمذهبية والعرقية والقبلية؛ لكي يغفلوا عن تنمية بلدانهم. 

- العمل على عودة ستمائة مليون مسلم سنّي إلى أصول الإسلام الصحيحة (كتاب الله العظيم، وسنّة النّبي الكريم صلى الله عليه وسلم)، وهذه العودة هي الوسيلة الوحيدة التي تخلّص المسلمين من العادات والتقاليد والخلط بين ما هو من الإسلام، وما هو من الوثنيات الإفريقية ما قبل الإسلام التي تزيد الجاهل جهلاً، وتعطّل طاقات الإنسان العقلية والبدنية، وتقتل عوامل التنمية الإيجابية في حياته، وتغرقه في بحرٍ من الطرقيات، والحركات الباطنية، والمذهبية المسببة للبغضاء والتنافر والاقتتال والحروب بأنواعها، ومن خلال هذه العوامل أصبح غالبية سكان إفريقيا تحت تأثير قوى خارجية، تمكنت تلك القوى من تخديره، واستغلاله في فتن الحروب التي تستفيد منها تلك القوى.

- البحث عن سُبل التوازن بين المسلمين وغير المسلمين في القارة، ويدخل في إيجاد هذا التوازن المطلوب الذي يليق بحجم المسلمين: تحقيق العدالة الاجتماعية والدينية والثقافية وقبول الآخر كما هو، وهذا يتطلب تفعيل المجتمع المسلم في القارة، وتسجيل حضورٍ مؤثّر له في المجال الوظيفيّ والسياسيّ والاقتصاديّ والتعليميّ والثقافيّ والديني، وحصول التوازن في هذه المجالات يحقّق العدالة على مختلف المستويات، والعدالة شرطٌ أساسيٌّ للاستقرار والسلام الدائم، وبها يحصل استثمار كلّ الكفاءات والقوى النافعة في المجتمع.

إنّ من واجب المسلمين، والقيادات الوطنية المخلصة الإفريقية، إيجاد مبادرات ومشاريع تحقّق هذا التوازن في القارة، فليس من العدل ولا المقبول – مثلاً - أن نجد اليوم غياباً كبيراً للمسلمين في الوظيفة العامّة في الدول الإفريقية ذات الأغلبية المسلمة، وعلى سبيل المثال: نسبة المسلمين في دولة تشاد 85%، ولكن في الإدارات والوظيفة العامّة 10% عام 1993م، وهبطت هذه النسبة في عام 2015م إلى 8% لوجود مؤسّسات تابعة للكنيسة تزوّد تشاد بالكفاءات في كلّ المجالات، ولا يوجد مقابل هذا المركز مؤسّسة حكومية أو عربية إسلامية متخصّصة تقوم بمثل هذا العمل!

ومن الناحية الثقافية: نجد الثقافة العربية الإسلامية مغيّبة في خطط الدول التنموية وفي الإعلام؛ بالرغم من أنّ الثقافة العربية الإسلامية هي الثقافة الوحيدة المكتوبة للقارة الإفريقية قبل وصول الأوروبيين، وكانت اللغة العربية لغة الدواوين والمراسلات والتعليم من القاهرة إلى موزامبيك (موزمبيق).

ومن الناحية الدينية: تمّ تهميش الإسلام دين الأغلبية في القارة، وتمّ تجريمه بصورة ملفّقة، ما عدا ما يسمّيه الغرب ومجنّدوه المحليون: «الإسلام الإفريقي» أو «إسلام الأجداد».

وفي مجال التعليم: 64% من التعليم العامّ و 96% من الخاصّ تسيطر عليه الكنسية[2].

- على المسلمين أن يكثفوا جهوداً خاصّة لتوحيد الصفوف؛ من خلال بناء حوارٍ (إسلاميٍ – إسلاميّ)، لمنع نقل المعارك إلى داخل البيت المسلم، وهذا يمكّنهم من الوقوف في وجه الفرق الهدّامة وجماعات العنف، والحدّ من استغلال الآخرين لهم، واستخدامهم في ضرب بعضهم ببعض.

- إنشاء المراكز البحثية المتخصّصة ودعمها، للنزول إلى الميدان من خلال باحثين متخصّصين في القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية والفرق الهدّامة والإرهاب.

- من المهم لأبناء القارة تقييم مستوى الارتباط بالمستعمر القديم وأبنائه، وأثره في الوقت الحاضر، وماذا جنت القارة وأهلها من هذا الارتباط والتبعية، وأين هويتهم الوطنية والثقافية واللغوية، وخصوصياتهم  بوصفهم أمّة لها رسالتها وتاريخها وحضارتها.

- وضع قواعد عادلة ومنصفة في التعامل مع الإسلام وأهله، والبعد عن الحملات التشويهية ضدّ الإسلام، والكفّ عن زرع التخويف من الإسلام في قلوب الأفارقة غير المسلمين، وهذه السياسة المتبعة لا تجلب السلام ولا الاستقرار إلى القارة، ومشروع المحورية الاقتصادية في القارة لا ينجح في ظلّ وجود خوفٍ وهميٍّ من الإسلام وأهله.

- توسيع نطاق الاتصال والحوار مع مكوّنات المجتمعات الإفريقية؛ بصورةٍ تشمل المجتمع بكامل طوائفه وانتماءاته، عبر ممثليه، والحوار كفيلٌ بسدّ الثغرات، ووأد محاولات الفرقة والصراع في البلدان.

وأخيراً:

إنّ العبء الأكبر في تحقيق السلام والاستقرار والازدهار يقع على أبناء القارة، وهم قادرون على ذلك بإذن الله تعالى.

[1] برنامج الأمم المتحدة للتنمية في إفريقيا - تقرير رقم 1016 - لعام 2014م.

- http://answersafrica.com/oil-producing-countries-africa.html

- http://www.investopedia.com/articles/investing/101515/biggest-oil-producers-africa.asp

- http://www.youm7.com/story/2014/2/16

- http://www.gettyimages.ae/detail/news-photo/boy-pokes-his-head-through-a-gate-where-food-is-being-news-photo/108096898

[2] التنصير الجديد في إفريقيا، ص 181.

LA NOUVELL EVANGELISATION EN AFRIQUO : TCHIREGORAIL