إفريقيا.. مجاعاتٌ برغم الخيرات!

  • 2 -7 - 2017
  • تحرير المجلة


برغم امتلاكها الثروات الطبيعية لم تعان قارةٌ من المصاعب والمجاعات كما تعاني قارة إفريقيا، فمعاناتها لا تنتهي، فقد ضربتها المجاعات من شرقها لغربها، ومن شمالها إلى جنوبها، مروراً بوسطها.

لقد عانت أكثر من 28 دولة إفريقية في العقود الأخيرة من هذه المجاعات التي خيّمت على القارة، وذلك بسبب الجفاف ونقص المياه، وانتشار أمراض النباتات والحيوانات، والكوارث الطبيعية؛ كالفيضانات الناتجة عن غزارة الأمطار أحياناً، وكذلك بسبب الفقر الذي يمنع المنكوبين من القدرة على الاستفادة من الأرض بزراعتها، أو من الحيوانات بتربيتها، ويمنعهم من توفير مقوّمات الحياة.

المجاعة مشكلةٌ ناتجةٌ عن نقص الغذاء والمياه، وهما مشكلتان ناتجتان عن كثيرٍ من العوامل الطبيعية والبشرية المتداخلة والمتشعّبة، والتي تُلقي بظلالها الوخيمة على واقع القارة، وتجعله أكثر قابلية للتأثّر بمثل هذه الكوارث.

من الأسباب الأبرز للمجاعة: السياسات الخاطئة لبعض الأنظمة، وانتشار الفساد، والصراعات المسلّحة الإقليمية والداخلية، والتي تأتي على مقدّرات الدول وإمكاناتها، وتترك الشعوب عرضةً للنزوح واللجوء؛ مما يفقدهم مقوّمات الحياة، ومن ثمّ تنتشر المجاعات.

وبحسب التقارير الأممية؛ فإنها تقرن بين المجاعات المنتشرة في بعض البلدان وبين انهيار الأوضاع السياسية والأمنية، باعتبار أنّ الخلافات السياسية والصراعات المسلّحة هي السبب الأقوى لتعاظم أثر المجاعة،  فقد اتهم تقريرٌ أمميٌّ «حكومة جنوب السودان» بصرف عائدات النفط على الأسلحة؛ بدلاً من مواجهة التحديات التنموية والاجتماعية للبلاد.

وكانت الحروب سبباً في معظم المجاعات التي شهدتها إفريقيا خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والتي تورطت فيها الإمبراطوريات البريطانية والإسبانية والبرتغالية والبلجيكية.

وتشير بعض الدراسات إلى أنّ أحد أخطر أسباب المجاعة في القارة هي ظاهرة «إل نينيوEl Ni?o»، التي تظهر كلّ عدة عقود، وترتفع بسببها معدلات الحرارة ويقلّ هبوط الأمطار، والدول المعرّضة لهذه الظاهرة هي: (إثيوبيا، جنوب السودان، زيمبابوي، جنوب إفريقيا، مالاوي، موزمبيق).

وبالنسبة لنقص المياه؛ بالرغم من وجود سبعة عشر نهراً كبيراً، وتساقط الأمطار طوال الطعام في بعض المناطق، ووفرة المياه الجوفية، وبالإضافة لذلك توجد في إفريقيا 160 بحيرة، من ضمنها البحيرات العظمى، تعاني القارة نقص المياه؛ وذلك بسبب ضعف الاستفادة من هذه الثروة المائية؛ لقلّة الإمكانات والقدرات، وتقاعس الدول الكبرى عن تقديم المساعدات المالية والفنية.

وإذا تحدّثنا عن المجاعة التي أصابت عدداً من الدول مطلع هذا العام؛ فهذه هي المرة الأولى منذ عقود التي تواجه فيها قارة إفريقيا شبح المجاعة والجفاف بهذا الصورة، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ أكثر من عشرين مليون شخصٍ يتعرضون لخطر المجاعة في ثلاث دول إفريقية، هي: (جنوب السودان والصومال ونيجيريا)، داعيةً المجتمع الدوليّ إلى توفير 4.4 مليارات دولار لسدّ الاحتياجات، حيث قال منسّق الأمم المتحدة لشؤون الإغاثة «ستيف أوبراين» أمام مجلس الأمن: إنّ الناس في هذه البلدان سيموتون جوعاً في غياب جهودٍ عالميةٍ جماعيةٍ ومنسّقةٍ لتدارك المجاعة، مشيراً إلى أنّ العالم يواجه أكبر أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية.

وأشار المسؤول الأمميّ إلى أنّ العامل المشترك بين الدول التي زارها، وهي الصومال وجنوب السودان، هو القتال، مؤكّداً أن بوسع المجتمع الدوليّ «منع وإنهاء المزيد من البؤس والمعاناة» في هذه الدول المهدَّدة بالمجاعة.

المجاعات شرٌّ على القارة، تؤدّي في النهاية إلى دمار الدول التي تعاني منها، وتجعلها عرضة للاستغلال والتفكك

وعن جنوب السودان؛ وصف «أوبراين» الوضع بأنه الأسوأ من أي وقتٍ مضَى، وذكر أنّ الأمر في الصومال لا يختلف عن الصور المأساوية للمجاعة التي تعرّضت لها عام 2011م، وأودت حينها بحياة 260 ألف شخص.

كما أشار أيضاً إلى كينيا المتضرّرة من الجفاف، حيث قال: إنّ 2.7 مليون شخص  يواجهون انعدام الأمن الغذائي بالفعل، ويمكن أن يرتفع هذا العدد إلى أربعة ملايين قريباً[1].

ووفق تقرير صادر عن منظمة التغذية العالمية؛ فإنّ 37 بلداً بحاجةٍ إلى مساعدات خارجية، منها 28 بلداً يقع في إفريقيا جنوب الصحراء، واعتبرت المنظمة التابعة للأمم المتحدة أنّ هذه الأزمة الغذائية تعدّ غير مسبوقة، ففي الصومال- على سبيل المثال- أثّر الجفاف في أكثر من 6 ملايين شخص، يمثّلون نصف سكان البلاد، فقد أدّى الجفاف إلى حدوث نقصٍ حادٍّ في المواد الغذائية؛ مع شُح إمدادات المياه الصالحة للشرب، كنتاجٍ لعدم الاستقرار والصراع الذي تعانيه البلاد، بالإضافة لتغيّر المناخ، حيث تشير التقارير إلى أنّ الظاهرة المناخية «إل نينيوEl Ni?o» قد كانت أحد أسباب الجفاف.

صعوبة الوضع أجبرت الرئيس الصوماليّ محمد عبدالله محمد في 2017/3/24م على دعوة المجتمع الدوليّ لزيادة المساعدات المقدّمة إلى بلاده لمكافحة المجاعة التي تهدّدها، وقال الرئيس في كلمةٍ عبر الفيديو أمام مجلس الأمن الدولي: إنّ «نصف شعبي يعاني من نقصٍ حادٍّ في الغذاء، ونحو 15% من السكان يواجهون خطر المجاعة»، وذلك بسبب الجفاف الذي يضرب البلاد، وأضاف: «الأزمة الإنسانية تتصدر» قائمة التحديات التي يواجهها الصومال الذي يضمّ 12 مليون نسمة، معتبراً أنّ تجاوب شعب الصومال والأسرة الدولية «كان رائعاً، ولكننا نطلب من كلّ مَن استطاع ذلك زيادة دعمهم»[2].

أما عن آثار هذه المجاعات؛ فإنها تتسبّب في هلاك الإنسان والحيوانات والمحاصيل الزراعية، فقد تدهور حوالي 40% من الأراضي الزراعية في القارة تدهوراً خطيراً نتيجة نقص المياه، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية لتآكل التربة ستكون القارة قادرة فقط على سدّ احتياجات 25% من السكان بحلول عام 2025م؛ وفقاً للأمم المتحدة/معهد الموارد الطبيعية في إفريقيا، وينتج عن المجاعات أيضاً انتشار الجرائم والاضطرابات الاجتماعية، كما تؤدّي إلى زيادة ظاهرة الهجرة غير الشرعية للشباب خارج بلدانهم؛ مما يفقدها العنصر الأساسي في النهضة، وهو الإنسان.

ومن أسوأ الآثار المترتبة على الكوارث والمجاعات: مبادرة المنظمات والمؤسّسات الكنسية إلى ملء الفراغ في ظلّ تقاعس الدعم العربيّ والإسلاميّ عن التدخل السريع للحدّ من آثار المجاعة، فقد بادرت الكنسية الكاثوليكية بالتعبير عن مخاوفها في وجه المجاعة، وقدّم بابا الفاتيكان مبلغ نصف مليون دولار لجمهورية مالاوي من أجل مواجهة المجاعة ودعم برنامج الغذاء بالبلاد، على أن يُشرف القساوسة المحليون على توزيعها، وهذه الأوضاع تدعم موقف المنظمات التنصيرية والكنسية في نشر التنصير بين ضحايا المجاعة.  

المجاعات شرٌّ على القارة، تؤدّي في النهاية إلى دمار الدول التي تعاني منها، وتجعلها عرضة للاستغلال والتفكك، وإن لم تبادر الدول والمنظمات والمؤسّسات بمعالجة الموقف ستزداد تداعيات الأمر خطورة؛ ليس على الدول التي تعانيها فقط، بل على الدول البعيدة عن الخطر أيضاً..

وهذه دعوةٌ نوجهها إلى الدول والمنظمات الإسلامية ليكون لها دَوْر بارزٌ في وقف هذا الخطر القاتل، وحماية المسلمين في القارة من الموت والدمار، وحماية بلدانهم من الانهيار والتفكك!

[1] الأمم المتحدة: 20 مليوناً مهددون بالموت جوعاً، موقع الجزيرة، 2017/3/11م:

 http://www.aljazeera.net/news/international/2017/3/11

[2] رئيس الجمهورية يطلب من الأمم المتحدة مساعدات لمواجهة المجاعة، وكالة الأنباء الوطنية الصومالية، 24 مارس 2017م:

 http://sonna.so/ar