إفريقيا في مواجهة الجنائية الدولية

  • 17 -7 - 2015
  • تحرير المجلة


موقف الاتحاد الإفريقي ودولة جنوب إفريقيا برفض طلب الجنائية الدولية، وطلب بعض المنظمات الحقوقية المحلية في دولة جنوب إفريقيا، تسليم الرئيس السوداني المشير عمر البشير[1]؛ أثار كثيراً من الأسئلة؛ وسلّط الأضواء من جديد على المحكمة الجنائية الدولية: هدفها، ودورها، وقابلية مشروعها للتطبيق؛ في ظلّ كثيرٍ من المعطيات المتداخلة.

فهل ما حصل هو حالة خاصة؟ أو تعبيرٌ عن موقفٍ إفريقيٍّ جماعيٍّ من المحكمة؟ وهل هذا الموقف ينطلق من قناعات تتعلق بالمحكمة ودورها وعدالتها الانتقائية؟ أو هو موقفٌ مبنيٌّ على موازنة بين الاستحقاقات والمصالح الإفريقية، والمصالح الدولية؟ أو هناك أسبابٌ ومبررات أخرى؟ أسئلة مفتوحة ومتنوعة..

لم تعد هذه المحاكم الدولية ملاذاً للضعفاء بقدر ما تحولت لعصا غليظة في يد القوى الكبرى، تستخدمها أداةً لمعاقبة «الدول المارقة» الرافضة للسير في ركابها

عندما نشأت المحكمة الجنائية الدولية The International Criminal Court ICC بموجب اتفاقية روما 17 يوليو 1998م، وبدأت عملها في أول يوليو 2002م بوصفها أول محكمة جزاء دولية (دائمة)؛ بدلاً من قيام مجلس الأمن بتشكيل محاكم خاصّة لمحاكمة مجرمي الحرب ومنتهكي حقوق الإنسان والمتورطين في جرائم ضدّ الإنسانية في العالم، استبشر بها الضعفاء في عالم اليوم خيراً، وظنّوا أنها ستعوّضهم عن ظلم الدول الكبرى، وتعيد التوازن إلى العالم، وحتى الآن تمّ توجيه 32 اتهاماً علنيّاً من قِبل المحكمة، مع إدانةٍ واحدةٍ فقط كانت لتوماس لوبانغا بتهمة ارتكاب جرائم حرب في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

لكن بمرور الوقت وضح أنّ إلزام الدول والأشخاص المتهمين بقراراتها بات محلّ شك؛ نظراً لتعدد حالات الإفلات من العقاب من جهة، ونظراً لعدم امتلاك المحكمة جهازاً تنفيذيّاً مستقلاً يُلزم الجميع بقراراتها من جهة أخرى، مع العلم أنه بموجب قانون الجنائية الدولية فإنّ عدم توقيع أي دولة على المعاهدة لا يعفي مسؤوليها من المحاكمة؛ إذ يمكن للجنائية الدولية محاكمة أشخاص من أمريكا أو إسرائيل، أو دولٍ أخرى رفضت التوقيع على المعاهدة، في أي قضية؛ إذا ما كانت الدولة التي وقعت فيها الجرائم صدّقت على المعاهدة.

وأصبح واضحاً من سلوك المنظمة الدولية أنها تنتهج الانتقائية في ممارستها، والتي لا يخضع لها إلا الأفارقة على ما يبدو، بل إنّ القضايا المنظورة التي تبحثها المحكمة هي ثماني قضايا في دول إفريقية فقط، هي: (أوغندا - إفريقيا الوسطى - الكونغو الديمقراطية – دارفور (بالسودان) – ليبيا – كوت دي فوار – مالي – كينيا)، حتى سخر منها البعض وقالوا: إنها مخصّصة لمحاكمة «الأفارقة» فقط!

يفضح هذه الانتقائية أنّ هناك جرائم دولية كثيرة أشدّ فداحة وجرماً مما حدث في دارفور أو كينيا، ومع ذلك لم تحرّك المحكمة الجنائية ساكناً، وغضّت الطرف عمّا حدث فيها! فالعالم يشاهد ويتابع عبر البث المباشر مذابح الأطفال والضعفاء، واستخدام الأسلحة الممنوعة دوليّاً، في غزة وسوريا والعراق وبورما وغيرها، ومع ذلك لا تحرك الجنائية ساكنًا؛ وكأنه يحدث في كوكبٍ آخر، وما يحدث في إفريقيا من قِبل أنظمة غربية، مثل ممارسات فرنسا في رواندا ومالي وإفريقيا الوسطى، لا تتحرك المحكمة تجاهها وكأنها ليست داخلة في اختصاص نظر المحكمة!

يُضاف لذلك أنه في كلّ مرةٍ كان يصدر فيها قرارٌ من الجنائية الدولية برفض التحقيق في جرائم أمريكية أو إسرائيلية أو أوروبية؛ كان بالمقابل يصدر منها قبول للتحقيق مع دول إفريقية فقط، برغم أنّ الحجج في اتهام هذه الدول الإفريقية كانت متهافتة، وكانت ازدواجية المعايير واضحة.

ففي الحالة السودانية؛ كانت المفاجأة حينما تبنّى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو سياسة مختلفة تماماً– برغم أنّ السودان ليست عضواً في ميثاق روما–؛ عندما قبل التحقيق بعدما أحال له مجلس الأمن قرارَ التحقيق فيما سُمّي جرائم حرب و «إبادة جماعية» في دارفور، ولم يكتف أوكامبو بخرق دوره بوصفه مدّعياً عامّاً فيما يخصّ التحقيق في حالة السودان، بل تجاوز دوره حيث قام بإعلان نتائج تحقيقاته في وسائل الإعلام، وطالب علانية باعتقال البشير بدلاً من أن يقدّم توصياته للمحكمة الجنائية، ما يؤكد أنّ هناك «تسيساً» واضحاً فيما يخصّ حالة الرئيس البشير، ويفضح «التسيس» الواضح للقضية السودانية أيضاً أنّ وزارة الخارجية الأمريكية كشفت طلب لويس أوكامبو اعتقال البشير قبل أن يعلنه هو رسميّاً بثلاثة أيام!

دول القارة الإفريقية معنيّة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتوافق على إطارٍ قانونيٍّ حقوقيٍّ؛ يحمي شعوبها ودولها من افتراس المنظمات الدولية غير العادلة

الأمر نفسه ظهر في قبول التحقيق في حالات: (كينيا، ومالي، وليبيا) وباقي الدول الإفريقية، حيث كانت الإحالة للمحكمة الجنائية يسيرة وسهلة، بينما في حالات الدول الأخرى الكبرى كانت عسيرة وصعبة!

لذا.. لم تعد هذه المحاكم الدولية ملاذاً للضعفاء بقدر ما تحولت لعصا غليظة في يد القوى الكبرى، تستخدمها أداةً لمعاقبة «الدول المارقة» الرافضة للسير في ركابها، ووسيلة قانونية بديلاً عن نهج التدخل العسكري في شؤون الدول الأخرى.

وهذا ما جعل الدعوات داخل الاتحاد الإفريقي إلى انسحابٍ جماعيٍّ من المحكمة الجنائية الدولية تتزايد، وذلك في ضوء ما يراه بعض الأفارقة تركيزاً متزايداً من المنظمة على قارتهم، تحوّلت معه إلى أداةٍ سياسية لا قضائية، علماً بأنّ 34 دولة إفريقية هي التي وقّعت معاهدة روما، وقد تكون كينيا أول دولة في العالم تنسحب منها؛ إذ لبّت طلباً في هذا الصدد صوّت عليه برلمانها مؤخراً.

إلا أنّ هناك مَن يرى أنه لا بد للدول الإفريقية أن تشارك في القيادة الدولية، وأن تسهم بفعالية في إصلاح المنظمات الدولية أو تغييرها؛ انطلاقاً من حقيقة أنّ إفريقيا هي من أكثر المتضررين، ومن كونها- أيضاً- تملك مقومات التأثير متى ما وجدت الإرادة السياسية.

إنّ ما حدث في جنوب إفريقيا هو امتدادٌ وتطورٌ لموقفٍ سابق، فالاتحاد الإفريقي قد طلب من المحكمة الجنائية الدولية وقف الإجراءات ضد الرؤساء الحاليين، وقرّر أنه لن يجبر أيّاً من دوله الأعضاء على القبض على زعيمٍ نيابةً عن المحكمة، وذلك عندما اتفق قادة الاتحاد الإفريقي في القمة الاستثنائية- بطلبٍ من كينيا-، بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا في أكتوبر 2013م، على عدم مثول أي زعيمٍ إفريقيٍّ أثناء ولايته أمام المحكمة الجنائية الدولية أو أي محكمة خارجية، إلا أنّ التطور في الموقف الجديد جاء في القمة الـ 25 للاتحاد الإفريقي، يوم الثلاثاء 16 يونيه 2015م، في جوهانسبرج، حيث ورد في البيان ختامي للقمة: (إنّ الاتحاد الإفريقي يعمل وفقاً لقوانينه, وليس وفقاً لقوانين المحكمة الجنائية الدولية).

وهذا ما نؤمّله؛ أن تسعى القارة إلى استقلالٍ حقيقي، فدول القارة معنيّة اليوم- أكثر من أي وقت مضى- بالتوافق على إطارٍ قانونيٍّ حقوقيٍّ؛ يحمي شعوبها ودولها من افتراس المنظمات الدولية غير العادلة وغير النزيهة في تعاملها مع قضايا القارة، ومن دكتاتورية بعض الأنظمة الغاشمة، وكذلك إيجاد آليات إفريقية لتحقيق العدالة ورفع الظلم عن الشعوب، ومحاكمة  الفاسدين، وعدم إغفال تجاوزاتهم وتعدياتهم على الحقوق والحريات وقيم العدالة.

عندها تكون إفريقيا قد وضعت قدميها على طريق الاستقرار والتنمية، ودفعت عن شعوبها تدخّل القوى الدولية، وتغوّل القوى الداخلية.

[1] كانت المحكمة الجنائية الدولية الابتدائية في لاهاي قد أصدرت، يوم الأربعاء الثالث من مارس 2009م، قرارها بتوقيف الرئيس عمر حسن أحمد البشير، في سابقةٍ تُعدّ الأولى من نوعها ضدّ رئيس دولة في أثناء تولّيه الرئاسة، وذلك حسب ادعائها لمسؤوليته غير المباشرة عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ارتُكبت في الفترة من أبريل 2003م إلى منتصف أغسطس 2008م (موعد إعداد مذكرة المدّعي العام)، ضدّ مجموعات من المدنيين تنتمي إلى قبائل: (الفور، والمساليت، والزغاوة) في دارفور.