إفريقيا بين الاستعمار والتبعيّة: رؤية نقدية لأطروحات سمير أمين

  • 2 -10 - 2018
  • د. محمد عبد الكريم أحمد


د. محمد عبد الكريم أحمد

باحث مصري بمعهد الدراسات المستقبلية- بيروت

المقدّمة:

فقدت إفريقيا مؤخراً المفكر المصري الكبير سمير أمين (1931م- أغسطس 2018م)، الذي برَزَ واحداً من أعمدة مفكريها المؤثرين في فكرها وثقافتها على امتداد عقودٍ منذ أواخر الخمسينيات، وقد كرّس سمير أمين مشروعه لخدمة قضية التنمية في إفريقيا المستقلة.

ويُمكن تقسيم إسهامات «أمين» إجمالاً إلى أربعة عناوين رئيسة، وهي: نقد نظرية التنمية وتجاربها، وبنائه لنظرية التبعيّة؛ تقديم اقتراحٍ بديلٍ لتحليل النظام العالمي الذي يُطلق عليه «الرأسمالية القائمة حقيقة»؛ إعادة قراءة تاريخ التكوينات الاجتماعية، والتي تناول في جانبٍ كبيرٍ منها أقاليم إفريقيا وربطها بالعالم العربي؛ وأخيراً إعادة تفسير ما وصفها بالمجتمعات «ما بعد الرأسمالية»[1].

والملاحظة الأساسية في إسهام «أمين» كونه إسهاماً أصيلاً ومبتكراً لتطوير تحليلات التبعيّة لملائمة الأحوال الإفريقية، حيث قدّم خلاصات ومراجعات ومقاربات لقضايا التخلُّف الاقتصادي، وأزمة الدولة الإفريقية، وعلاقات إفريقيا الدولية وهشاشتها أمام التدُّخل الدولي، والتنمية البديلة، والتعاون الإفريقي، وتعاون (الجنوب- الجنوب).

ويهدف المقال إلى تقديم رؤية نقدية موجزة ومبدئية لإسهام «أمين» الفكري المميز.

أولاً: إرهاصات مشروع سمير أمين الفكري: النشأة والريادة:

وُلد سمير أمين بمصر، عام 1931م، لأبٍّ مصريّ وأمٍّ فرنسيّة (وهما طبيبان) ينتميان للمجتمع البورجوازي، وكان أبوه وفديّاً يساريّاً مهموماً بالقضايا الوطنية. وأتمّ سمير أمين تعليمه الابتدائي والثانوي بمصر في Francais Lycee، وانحاز للبُعد الاجتماعي، ورأى ثمّة صلات بين الإمبريالية والاستعمار، والبناء الطبقي للمجتمع المصري[2].

ذهب إلى باريس عام 1947م، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد السّياسي في 1957م، كما تخرّج في المعهد القومي للإحصاء والدراسات الاقتصادية بالقاهرة[3].

تخلّف إفريقيا لا يمكن تفسيره إلا من خلال تفسير تورط أوروبا في النظام العالمي

ويعتبر «أمين» نفسه «كائناً سياسيّاً» لا يمكنه فصل توجّهه الفكري عن نضاله وقراراته السياسية، وتبنّى منذ فترةٍ مبكرة ثلاثةَ مواقف أساسية، ظلّت تمثّل قوام تكوينه، وهي: رفضه للظلم الاجتماعي بالمجتمع المصري، والثاني: تبنّى مواقف رافضةٍ تماماً للفاشية والنازية، ورفض فكرة أنّ «عدوّ عدوّي صديقي»، بل تعاطف مع الاتحاد السوفييتي. والثالث: ثورة المصريّين ضدّ الهيمنة البريطانية[4].

وتعزّزت أفكار سمير أمين «اليسارية» بانضمامه للحزب الشيوعي الفرنسي (الذي خرج من عضويته لاحقاً، وتبنّى أفكار الزعيم الصيني ماوتسي تونج، أو ما عرفت بالماوية)[5]، وارتبط توجّهه السياسي بتأميم القناة، وحرب السويس، وتكوين حركة عدم الانحياز[6].

ثم انخرط في سياسات التخطيط الحكومية في مصر، التي غادرها عام 1960م للعمل بوزارة التخطيط في مالي، وظلّ هناك حتى 1963م، ركّز بعدها بالعمل الأكاديمي، فعمل أستاذاً في فرنسا منذ 1966م، وشغل لعشرة أعوام (1970-1980م) منصب مدير المعهد الإفريقي للتنمية الاقتصادية والتخطيط التابع للأمم المتحدة AIEDP في داكار، وأدار منذ 1980م المكتب الإفريقي لمنتدى العالم الثالث AOTWF، وهو جهة دولية غير حكومية للبحوث والنقاشات[7].  

ثانياً: سمير أمين وتفسير الاستعمار: تطوير ماركسية إفريقية؟:

قدّمت إسهامات «أمين» الفكريّة رؤى متنوعة وممتدة زمنيّاً لتفسير الاستعمار في إفريقيا في سياق مفهوم «الجنوب» أو «الأطراف» والمشكلات والقضايا المتعلقة به. وفي عبارةٍ لافتةٍ في كتابه المهم عن التطور غير المتكافئ development unequal؛ يحلل «أمين» التطور في طبيعة التكوينات الاجتماعية في «عالم البحر المتوسط» وإفريقيا الاستوائية، مؤكّداً أنّ هذا التطور في المنطقتَيْن كان مترابطاً للغاية، وأنّ التحوّل التدريجي لطرق التجارة من الغرب إلى الشّرق انعكس في تغيّرٍ موازٍ للحضارة والدول القوية، سواء في شمال إفريقيا أو في أراضي السافانا بغرب إفريقيا[8].

وعلى الرغم من أهمية هذا العامل؛ فإنّ التركيز فيه يجب ألا يحجب حقيقةً مهمّةً- أكّد عليها أمينٌ نفسه-، وهي أنّ عزل هذه الفرضية عن السياقات المحلية والإقليمية إفريقيّاً (وعربيّاً بطبيعة الحال) تعبيرٌ عن هيمنة أيديولوجية المركزية الأوروبية[9]، خاصّةً أنّ الوجود الأوروبي في إفريقيا ظلّ لفترةٍ طويلةٍ متركّزاً في نقاط ارتكازٍ ساحليةٍ متفرّقة. 

وشهدت هذه الفترة الميركانتلية– التي يمكن قراءتها كصراعٍ بين أسلوب الإنتاج القديم (الإقطاعي) والجديد (الرأسمالي)- ظهور قطبَيْنِ لنمط الإنتاج الرأسمالي، وهما تكوّن قطب بروليتاري، وتراكم الثروة في شكل نقود. وأدى اندماجهما خلال الثورة الصناعية إلى تحوّل النقود/الثروة إلى رأسمال، ووصول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى مرحلته المكتملة.

ويرى «أمين» أنه خلال هذه الفترة من «الحضانة»، الممتدة لثلاثة قرون، أدى «الطرف الأمريكي» دَوراً حاسماً في تراكم النقود/الثروة من قِبَل البورجوازية التجارية للدول الأطلسية. وأدّت إفريقيا السوداء دَوراً لا يقلّ أهميةً باعتبارها «طرفاً لطرف (أي الطرف الأمريكي)»، وانحصر في توفير العمالة؛ وبدأت في التشكُّل وفق العوامل الخارجية[10].

ومن اللافت تمسُّك قلّةٍ من المُؤرّخين الاقتصاديّين بوجهة نظرها بعدم صحة الربط الأوّلي بين تجارة الرقيق وتخلُّف قطاع الصناعة في إفريقيا، ومن أهمهم المؤرخ الكبير أ. ج. هوبكنز، الذي لم يؤكد في مؤلّفه المهمّ عن التاريخ الاقتصادي لغرب إفريقيا (1973م) خطورة تأثير الاختلافات التكنولوجية بين أوروبا وإفريقيا قبل القرن التاسع عشر، ورأى وجوب النَّظر للأثر الكبير لتجارة الرقيق في اقتصاديات غرب إفريقيا؛ ضمن سياقٍ اجتماعيٍّ محلّي وإقليمي له جذوره التاريخية الممتدة[11].

ويقفز «أمين» لتحليل القرن التاسع عشر، ويؤكّد أنه اتّسم بمحاولة تكوين شكلٍ جديدٍ من الاعتماد dependence بين الأطراف والمركز، حيث حقّقت الرأسمالية شكلها الصناعي المتطور، بينما لم تتأثر منطقة نفوذ الميركانتلية «الشرقية» Mercantilism Oriental (في شرق إفريقيا) بهذه العملية، وأنّ الاستعمار أكمل العمل في غرب إفريقيا، وتطورت «الميركانتلية» في غرب إفريقيا بهمّة تعادل عشرة أضعاف أشكال الاعتماد حينذاك[12]- حسب صياغة أمين-.

ويشير «أمين» إلى أنه كان هناك في إفريقيا ما يتراوح بين 100 أو 200 إقليم (دون أن يوضح سبب هذا التباين الكبير بين الرقمَيْن من وجهة نظره، كما استخدم لفظ «أقاليم» بالرغم من وجود قائمة كبيرة من الدول الإفريقية وفق المفهوم المعاصر للدولة حينذاك!) تتباين مساحاتها وتتداخل في حدود الدول الحالية، وأنّ هذه الأقاليم لم تشتق تحديدها من وضعها الجغرافي فحسب، لكن أيضاً- وبالمقام الأول- من الطبيعة المتجانسة لأحوالها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وكذلك السياسية[13]، وأنّ إفريقيا أصبحت تنقسم لثلاثة أقاليم كبيرة، وهي:

1) غرب إفريقيا التقليدي والكاميرون وتشاد والسودان، وتشكّل معاً «إفريقيا الاقتصاد الاستعماري القديم»، أو الاقتصاد التجاري.

2) وتشكّل منطقة حوض نهر الكونغو التقليدية (زائير، والكونغو برازافيل، والجابون، وجمهورية إفريقيا الوسطى) الإقليم الكبير الثاني: «إفريقيا الشركات صاحبة الامتيازات».

3) وتشكّل الأجزاء الشرقيّة والجنوبية من القارة الإقليم الكبير الثالث «إفريقيا الاحتياطيات العمالية»[14].

أما إثيوبيا، والصومال، ومدغشقر، ورينيون، وموريشيوس، كما «كيب فيرد» بالساحل الغربي، فإنها لا تمثّل جزءاً من هذه الأقاليم، بالرغم من وجود بعض الجوانب المشابهة لهذه التقسيمات؛ من حيث وجود النظام الميركانتلي- القائم على امتلاك العبيد- في جزر كيب فيرد ورينيون وموريشيوس، والنُّظُم الإقطاعية في إثيوبيا ومدغشقر[15].

ويظلّ تقسيم «أمين» هذا مثيراً للجدل؛ لاتساقه بشكلٍ شبه تامٍ مع التقسيم الاستعماري الأوروبي (خاصّةً الفرنسي والبريطاني والبلجيكي) للقارة الإفريقية. 

ويرى «أمين» أنّ تقسيم إفريقيا واستعمارها ساهم في مضاعفة الوسائل أمام المستعمر للحصول على الصادرات الرخيصة؛ حيث أصبح بمقدور رأس المال تنظيم الإنتاج بالمستعمرات، واستغلال الموارد الطبيعية والعمالة الرخيصة، والهيمنة السياسية المباشرة والصارمة، وتحجيم النفقات «الضرورية» للحفاظ على الطبقات الاجتماعية المحلية التابعة، والاستخدام المباشر للقمع[16].

وكان هذا التطور يعني حتماً تنميةً محدودةً للمحاصيل لأجل التصدير ولأغراضٍ تتعلق بتحصيل الضرائب، وتمّ- بين حينٍ وآخر- التخلّي عن زراعة هذه المحاصيل لصالح الزراعة المعيشية[17]. وهكذا فقد كان منطق التنمية الاستعمارية دوماً إتاحة الفرص الأعلى للقطاع الخارجي، ويعني هذا تنمية القطاع الزراعي أو القطاعات الاستخراجية المخصّصة للتصدير (حالات كينيا، وزيمبابوي، والكونغو، وزامبيا- على الترتيب)، كما خضعت المجالات الأكثر أهميةً اقتصاديّاً لهيمنة شركاتٍ أجنبية؛ كانت تعمل دائماً على ضمان تحويل الفائض من إفريقيا إلى المركز[18].

وإجمالاً؛ اتفقت مدرسة التبعيّة مع الماركسية الجديدة في مسألة: أنّ العلاقة بين الرأسمالية المتقدمة في المركز والأطراف، أو الرأسمالية التابعة، تستحيل معها أنّ تقوم الأولى بتطوير أو المساعدة في تطوّر الأخيرة[19]، وأنّ تخلّف إفريقيا لا يمكن تفسيره إلا من خلال تفسير تورط أوروبا في النظام العالمي (متمركزاً في آسيا، شاملةً الشرق الأوسط)[20].

وهي خلاصاتٌ تقودنا إلى أنّ «أمين»، الذي قدّم إسهاماً كبيراً في تفسير التكوينات الاجتماعيّة والقضايا المترتبة على الاستعمار ودينامياته في إفريقيا، لم يعمد إلى وضع «ماركسية إفريقية»؛ بقَدْر ما أنه أخضع تناوله لقضايا استعمار إفريقيا للتفسير الماركسي بشكلٍ ملتزم تماماً، ومثير لبعض التناقضات– في التفسير- كما أشرنا، وفي سياق نظرية التبعيّة التي تبنّاها وطورها إفريقيّاً؛ في جهدٍ رائدٍ ودؤوبٍ وكاشفٍ.

ثالثاً: نظرية التبعيّة: جهود سمير أمين بين التطوير والمراجعات:

انتقلت مقاربة نظرية التبعيّة إلى إفريقيا لتفسير مجموعةٍ من مشكلات الاقتصاد السياسي الإفريقي، قادتها محاولاتٌ أصيلةٌ ومبتكرةٌ لتطوير تحليلات التبعيّة لملائمة الأحوال الإفريقية من قِبَل كُتّابٍ، مثل: سمير أمين، وآن سيدمان، وريجنالد جرين، وإيمانويل ولرشتاين[21]. وتمّ التواضع على تقسيم مدرسة نظرية التبعيّة إلى أربعة جوانب رئيسة: 1- نقد الازدواجية. 2- ونظرية المركز/الأطراف. 3- التبادل غير العادل. 4- البورجوازية التابعة[22].

ولا يمكن القول– تاريخيّاً- بأنّ التبعيّة ظاهرةٌ حديثة، لكنها اتّخذت شكلاً منتظماً ومكتمل الجوانب في العصر الحديث، حيث برزت قدرات الهيمنة (مقابل التبعيّة) في تاريخ العلاقات الدولية من تراكم الاقتصاد الرأسمالي وبناء الدولة، مما نتج عنه تركيزٌ للسلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية والعسكرية، وإن كان لعوامل مثل اللغة والإثنيّة والدِّين دَورٌ كبيرٌ في فترات كثيرة[23].

كما ظلّت العلاقات (الأوروبية- الإفريقية) عرضةً لعوامل الاستمرار والتغيّر، لكن تفسيرها والحكم عليها يتباين تبايناً كبيراً بين مَن يرون أنّ الاستعمار الجديد والتبعيّة وريثا الاستعمار في إفريقيا، ومَن يرون أنّ الغالب على هذه العلاقات سياسات «فك الارتباط» تدريجيّاً[24].

ورأى سمير أمين- في مرحلةٍ مبكرةٍ من تطويره لنظرية التبعيّة theory dependency إفريقيّاً- أنّ دول إفريقيا السوداء تتّسم جميعها بأشكالٍ متطرفةٍ من التخلُّف، عمّقتها آليات الاستعمار الجديد، حيث لم تتمكن الدول التابعة- بسبب دَورها التابع- من اتخاذ قراراتٍ مستقلةٍ بخصوص وتيرة واتجاه نمو اقتصاداتها القومية، وأنّ مسائل من قبيل: ماذا ينتج؟ وكيف ينتج؟ ولمن ينتج؟ أصبحت تُقرَّر من قِبَل أبنية وعمليات دولية[25].

وتؤكد التبعيّة أنّ طبيعة الاقتصاديات «المتخلّفة» الموجَّهة للخارج (ارتباطاتها بالتجارة الخارجية) هي أساس الاختلالات المنتظمة في تطورها، بحيث تلاحظ السمات الهيكلية «للتخلّف» بشكلٍ أكثر عندما يكون مستوى الاندماج الدولي أعلى، أي يكون نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أعلى، وهكذا.. فإنّ التنمية الموجَّهة للخارج ليست تنمية[26].

وبقراءةٍ سريعةٍ للوضع في إفريقيا (1960-1966م)؛ أظهرت سبع دول نموّاً سريعاً نسبيّاً بفضل تطوير مواردها البترولية أو المعدنية، وساحل العاج بفضل تنمية إمكانياتها الزراعية، ولم تشهد إفريقيا سوى محاولةٍ محدودةٍ في مصر لتحقيق تنميةٍ صناعيةٍ موجَّهة للداخل[27].

ورأى «أمين» أنّ الفرضية الماركسية- بخصوص انتشار الفقر على نحوٍ متصاعدٍ- تتضح تماماً على المستوى العالمي، وإن كان توزيع الدخل يميل للتفاوت بنحوٍ متزايدٍ باستمرارٍ في الأطراف، التي تشكّل أغلب سكان النظام العالمي، ومستقراً عند المركز، فإنه يكون عند المستوى العالمي متحركاً نحو قَدْرٍ أكبر من التفاوت[28].

ويوجز «أوسكار برون» أهمّ القضايا التي طرحتها نظرية التبعيّة في: أنّ التخلُّف نتيجةٌ لتطور الرأسمالية على المستوى العالمي. وقاد هذه الفكرة «أندريه جوندر فرانك»، وتقوم على أساس القول بأنّ الرأسمالية عملت منذ بدايتها على إعادة تنظيم المجتمعات الإفريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية لصالحها، وأنّ التطور الرأسمالي يعني حتماً تنميةً غير عادلةٍ أو متفاوتة، وأنّ التوسع العالمي للرأسمالية يخلق أبنيةً اقتصاديةً واجتماعيةً متفاوتة، ويركّز السُّلطة في الدول المركزية، وأنّ تطوّر الدول المتخلّفة غير ممكنٍ إلا داخل إطارٍ من ثورةٍ اشتراكية، ومن خلال فك الارتباط بالعالم الرأسمالي؛ وأنّ حدوث تغيّرٍ عميقٍ في الأبنية الاجتماعية- أي تكوّن المجتمع الاشتراكي- شرطٌ مسبقٌ للتنمية، لكن يجب أن يكون مصحوباً باستراتيجيةٍ للاعتماد على الذَّات فرديّاً وجماعيّاً[29]. 

ومن أهمّ المراجعات (كما أشار سمير أمين بأكثر من موضع) أنّ الأداء الاقتصادي ليس مرتبطاً فحسب بعوامل اقتصادية، لكنه مرتبطٌ بجوانب الاعتماد السياسي أو العسكري أو الثقافي، ومن ثَمّ فهناك حاجةٌ إلى تناول الصلات بين دول إفريقيا السوداء والنظام العالمي، من أجل التحديد الدقيق للمؤثرات على العمليات الداخلية[30].

لكن توصلت بعض التحليلات لوجود مفارقاتٍ مهمّة في العلاقة بين الاعتماد والأداء الاقتصادي؛ على غير ما افترضته نظرية التبعيّة، وظهر عند تناول قياسات الأداء الاقتصادي (مثل الصادرات والواردات، وتركّز حركة التجارة، ونسب المكوّنات الرئيسة للصادرات، سواء سلعاً أو خدمات) أنّ للتبعيّة تأثيراً إيجابيّاً، لكن يظلّ العامل الرئيس بهذه الحالة هو التوزيع الداخلي للموارد[31].

وعلى الرغم من تقديم مدرسة التبعيّة إسهامات لافتة، وبخاصّةٍ مفهوم الاعتماد الخارجي، لفهم تاريخ دول العالم الثالث، وبخاصّةٍ الدول الإفريقية، فإنّ مفهوم التبعيّة اكتنفه الكثير من أوجه القصور، وخصوصاً عند عزله عن مفاهيم أساسية، مثل قوى الإنتاج، وعلاقات الإنتاج الاجتماعية، والطبقة والصراع الطبقي، أو حتى عندما يحلّ محلّ هذه المصطلحات تصنيفاتٌ غامضة، مثل النمو الخارجي (الموجّه للخارج)[32].

كما تختزل مدرسة التبعيّة دَور العوامل الداخلية في حدوث التخلُّف باستمالة المركز لنخبٍ تابعةٍ في الأطراف بتدريب الشريحة العليا بالمجتمع الإفريقي على العادات الغربية، مما يقود نظرية التبعيّة إلى نتيجةٍ ختامية، وهي أنّ التنمية الوطنية مستحيلة، لأنّ الهيمنة الأوروبية السابقة استمرت على يد نخبٍ مُستمالة[33].

وواجهت نظرية التبعيّة مزيداً من النَّقد من داخل الحركة الماركسية نفسها، لعل أبرزه وأحدثه: أنّ التسليم بوجود التفاوت وعدم التساوي في السوق العالمي، ووجود دولٍ قويّة وأخرى ضعيفة (أي المركز والأطراف)، لا يقوم على تقسيمات للدول والأقاليم، أو التقسيم الجغرافي والإثني، لكن على علاقات الإنتاج. ويدلل ذلك على أنّ «التشارك» لا يقتصر على آليات الاستنزاف، ولكن يتضمّن أيضاً آليات الربح المتبادل، مما يدفعنا إلى التحليل فيما يتجاوز الوطنية والإقليمية، ورؤية السوق العالمي على أنه منقسمٌ طبقيّاً بين بورجوازية دولية وبروليتارية دولية؛ أي أنه نظام عالمي للدول، حيث تكون كلّ دولةٍ أداةً لرأس المال العالمي، ما يعني الرجوع لأفكار لينين عن الإمبريالية[34]، وتبنّي مفهوم «الاستغلال» كمحددٍ أدقّ لعلاقات الإنتاج «الدولية».

تنوّعت إسهامات «أمين» في الفِكر الإفريقي، حيث نشَرَ أكثر من 30 كتاباً، تركّز أغلبها في الظروف التاريخية والهيكلية التي قادت إلى تخلّف إفريقيا

وعقب الأزمة الاقتصادية، بمنتصف الثمانينيات، تبدّدت إرهاصات التخلُّص من التبعيّة (كما بشّر بها أمين)، وتزامن ذلك مع قرب سقوط الاتحاد السوفييتي، وتجريد «العالم الثالث» بشكلٍ تامٍّ من أي غطاءٍ سياسي في مواجهة العولمة- أو الصورة الحديثة للإمبريالية وفق تصوّر «التبعيّة»-.

وقدّم «أمين» طرحاً، في عام 1987م، مفاده: أنه يمكن القول- بغضّ النظر عن التباينات المحلية- أنّ الثورات الفلاحية، التي أدخلت الفترة الرأسمالية في هذه المراكز، قلّلت من درجة التفاوت في الريف، على الأقلّ عندما تبنَّت شكلاً راديكاليّاً.

وبتناول «أمين» لهذه التطوّرات في المركز (وربما تسويغه للأزمة الاقتصادية الطاحنة التي شهدتها أغلب الدول الإفريقية؛ باعتبارها مرحلةً في الحتمية التاريخية للوصول إلى التراكم الرأسمالي)[35]؛ فإنه وصل إلى النظر في تطوّر النظام العالمي ككل، ورأت فرضيته أنّ استقرار توزيع الدخل في المركز core؛ أفضل من منع توزيعٍ متفاوتٍ للدخل أكثر حدّة في الأطراف؛ بمعنى أنّ تحقيق القيمة على مستوى النظام ككلٍّ يتطلب هذا التعارض التكميلي بين الأبنية (في المركز والأطراف)[36].  

رابعاً: الإمبريالية والعولمة: تراجع فك الارتباط؟:

كانت التطوّرات التي شهدها العالم بعد منتصف السبعينيات، من موجة التحوّل التصنيعي الجديدة (وما تعنيه من تكثيف العلاقات بين المركز والأطراف)، وفرض ظروفٍ تنافسيةٍ جديدة، وانهيار النُّظم الاشتراكية منذ نهاية الثمانينيات، قد جعلت جميعاً فك الارتباط أو الاشتراكية الثورية أقلّ احتمالاً (وليس الأمر متعلّقاً هنا بصحّة فرضياتها من عدمه)، وهو ما أضعف من قبول فرضيات نظرية التبعيّة. وأدى تزايد الاهتمام بقضايا مثل الديمقراطية، والمجتمع المدني، ومسألة الاختلاف الثقافي، إلى تغيّرٍ في اتجاه دراسات العالم الثالث بعيداً عن المقولات العامّة والتنموية لنظرية التبعيّة[37].

وفي تحليله «للنظام الاقتصادي العالمي الجديد»، عقب رفع أسعار النفط بنهاية 1973م، أكّد «أمين» أنّ تطوّر هذا النظام يتضمّن- قبل أيّ شيءٍ آخر- تقويةً لاستراتيجية التنمية المعتمدة على الذَّات self-reliant development strategy (والتي استبدلها أمين بعد سنوات بمصطلح autocentric development في واحدٍ  من أبرز وأواخر مؤلفاته: Maldevelopment)، والتي ستتضمن درجةً أكبر أو أقلّ من فك الارتباط مع تقسيم العمل الدولي، وأنه يمكن أن تتعزّز استراتيجية التنمية الوطنية- القائمة على الاعتماد على الذّات- من خلال استراتيجيةٍ للاعتماد الجماعي على الذّات من قِبَل مجموعاتٍ من دول العالم الثالث و/أو من خلال العالم الثالث ككل.

ورأى «أمين» وجوب بدء مشروعاتٍ للتحرك المحدد في مجالاتٍ عدة؛ من أجل تقوية استقلال الأقاليم النامية في مواجهة الأقاليم المتقدمة[38].

وربما كان هذا التصوّر متسرعاً؛ لأنّ الثمانينيات شهدت أزمةً اقتصاديةً طاحنةً في أغلب أجزاء العالم الثالث، ولا سيما أزمة الدُّيُون الإفريقية التي عمّقت الهيمنة، وهدّدت مكتسبات مشروعات «الدولة الوطنية»، وأدت فيما بعد إلى تراجعٍ في تعاون (الجنوب- الجنوب) بعيداً عن هيمنة المركز- كما تصوّره أمين-.

وقد قدّم «جون ويكس» و«إليزابيث دور» مناقشةً شهيرةً وموجزةً لجملة «سمير» الشهيرة: The universalization of the productive process on a world scale، وأكدَّا أنّه لا يوضّح معناها، ولا يحلّل مفهوم وجود «أسواق سلع عالميّة» (كما ترسّخ ذلك عقب الأزمة الاقتصادية الإفريقية)، ومفهوم آخر وهو «قيمة قوة العمل على المستوى العالمي»، وهما مفهومان مثاليَّان لكونهما مجرَّد «بناء ذهني» لا يوجد في الواقع، وأنّ ما غاب عن «أمين» حينذاك: عدم وجود تفسيرٍ أو تفصيلٍ لتكوين التنمية «المتوسطة» للقوى الإنتاجية[39].

وبعد نقد «ويكس» و«دور» بسنواتٍ أوضح «أمين» (عام 1983م) آراءه بخصوص نمط الإنتاج الرأسمالي: بأنّ قيمة قوة العمل (وفق قواعد واقعية وأجور حقيقية) تعتمد على تطوّر القوى الإنتاجية (إنتاجية العمّال)؛ لكن في النظام الرأسمالي العالمي تكون أسعار قوة العمل موزعةً على نحوٍ غير متساوٍ حول هذه القيمة، وتكون أعلى في المركز وأدنى في الأطراف. ويتحكّم نظام الأسعار (الذي هو ناتج لهذا البناء من توزيع الأسعار مقابل قوة العمل) في تقسيمٍ دوليٍّ خاصٍّ للعمل والتجارة؛ ويمكن وصفه بغير المتساوي؛ بمعنى أنّ نظام الأسعار يدلّل على تحويلٍ للقيمة من الأطراف إلى المراكز. كما أنّ التوسع العالمي للرأسمالية كان قائماً على هذا النّمط غير المتساوي للتكوينات المدمجة في النظام العالمي الآخذ في التشكّل والتطور المستمر، ونتيجةً لذلك؛ فإنّ النظام الاجتماعي للرأسمالية العالميّة قد تشكّل، ليس من خلال ثنائية (بورجوازية- بروليتارية) في توسّع مبسط، لكن من خلال مجموعةٍ أكثر تعقيداً من البورجوازيات المركزية- بورجوازيات الأطراف مع الطبقات المستغلة الأخرى- والطبقات الوسطى التي تصاعدت في تنمية عالمية غير متساوية- وفلاحين يتمّ استغلالهم- وبروليتارية منقسمة... إلخ[40].

وهناك مراجعةٌ أخرى قدّمها «أمين»، في سياق مواجهة أو استيعاب الاستعمار والإمبريالية، إذ أكّد أنّ مسألة الخلفية الثقافية والتنظيم الاجتماعي المشتركة، إلى جانب مسألة العِرْق بطبيعة الحال، لا تزال تُظهر الكثير من أوجه الشبه من منطقةٍ لأخرى، مما يجعل إفريقيا السوداء كياناً واحداً، ولم ينتظر هذا الكيان الحي والواسع والثري الغزو الاستعماري ليستعير من أجزاء أخرى من العالم القديم أو يقدّم لها ما لديه، فهذه العلاقات لم تؤد إلى تحطيم شخصية إفريقيا؛ بل إنها ساعدت على توكيدها وإثراءها، كما قوَّى الغزو الاستعماري هذه الشخصية بشكلٍ أكبر[41].

وتمثّلت المراجعة فيما طرحه «أمين» بعد سنواتٍ؛ بخصوص تشكيل الدول المتقدمة لصورة الدول «النامية» (في سياق تمترس الإمبريالية، وتعزيز ارتباطها بالأطراف، كنقيضٍ لفك الارتباط)، ومن ضمنها الدول الإفريقية عقب استقلالها، ورأى أنّ ثمّة نزعةً وطنيةً شكلية، اتّسمت بها دول العالم الثالث خلال الفترة الأولى من «التنمية»، استلزمت بناء الدولة الوطنية، التي عملت على تأكيد نفسها من خلال معارضة الآخرين، ولا سيما جاراتها (وهو بُعدٌ جديدٌ في أفكار سمير أمين، يؤكد عوامل داخلية لتكريس التبعيّة إفريقيّاً)[42].

وفي مواجهة الانتقادات المستمرة لمصطلح «فك الارتباط»؛ أوضح «أمين» بدقّةٍ بالغةٍ: أنّ المصطلح لا يعني رفض التكنولوجيا الأجنبية لكونها أجنبية، أو باسم أية نزعة قومية ثقافية، لكنه يعني- تحديداً-: الوعي بأنّ التكنولوجيا ليست محايدة، سواء فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية للسكان، أو في أنماط المعيشة والاستهلاك. وتكون الأولوية معطاة لتدريب جميع أهل البلاد في عملية التغيّر، وأن تكون مكرّسةً لمزج التكنولوجيات الحديثة (المستوردة على نحوٍ ممكن)، وابتكار وتجديد التكنولوجيات التقليدية[43]. ولحدٍّ ما؛ فإنه إن كان بمقدور دولة متخلّفة الانفصال عن الاقتصاد العالمي؛ فإن ذلك ليس من مصلحتها- في المدى البعيد- ولا من مصلحة البروليتاريا والجموع المستغلة، إنّ مصالحهم تكمن في تعظيم تنمية القوى الإنتاجية على مستوى عالمي؛ لأنّ الاقتصاد العالمي سيكون يوماً ما ملكيةً عامّةً للجميع.

إنّ إعادة توزيع جغرافيّة للقوى الإنتاجية لصالح  أقاليم العالم- التي تُعدّ حاليّاً مهمّشةً- ضروريٌّ؛ لكنه سيتمّ من قِبَل البروليتاريا الدولية بعد تحقيق انعتاقها الذاتي، وليس من قِبَل الدول الرأسمالية قبل الثورة[44].

خامساً: سمير أمين ومستقبل إفريقيا: مأزق الهيمنة الرأسمالية والتعاون الإفريقي:

طرَحَ «أمين»- قرب نهاية الألفية الفائتة- رؤيته للعوامل التي تهدّد المجتمعات المعاصرة، ومن بينها المجتمعات الإفريقية، مختزلاً إياها في أربع سمات، وهي:

1- أنّ النّظام الاقتصادي منذ السبعينيات كان في فترة طويلة من الركود النسبي (مقارنةً بمرحلة ما بعد الحرب التي شهدت نموّاً استثنائيّاً).

2- أنّ الفاعلين الاقتصاديّين المهيمنين اليوم– الشركات متعددة الجنسيات- قادرون على تطوير استراتيجيات عالميّة، تحررهم– لحدٍّ كبير- من وصاية السياسات القومية للدول.

3- أنّ المشاغل المالية حظيت تدريجيّاً بمزيدٍ من الأهمية أكبر من المتعلقة بالنمو الاقتصادي أو توسع نُظُم الإنتاج. وبالنسبة للبعض؛ فإنّ هذا «التحوّل المالي» لرأس المال؛ يشجّع على السلوك الربوي ذي الآثار السلبية على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

4- أخيراً- على المستويَيْن الأيديولوجي والسياسي-: فإنّ المفاهيم الأصولية لبديلٍ اشتراكي– أفضل اجتماعيّاً وفعّالٍ اقتصاديّاً على نحوٍ لا يقلّ عن الرأسمالية- تقوم على فك الارتباط عن النظام العالمي؛ قد أصبحت مرّةً أخرى محلّ تساؤلٍ، إذ يستنكر البعض هذه الحقيقة، ويُرجعون– ببساطةٍ كبيرة- فشل التجربة إلى أخطاءٍ في وضع النظرية قيض الممارسة (بينما لا تزال المبادئ التنظيرية سليمة)، ويُقدم آخرون على نقدٍ أكثر راديكاليةً لهذه المحاولات، ويعتبرون أنّ الاستراتيجية التي تدافع عنها لم تعد مرتبطةً بالتحديات المعاصرة، وأخيراً يرحّب بعضٌ آخر بالفشل؛ لأنه يؤكد أنّ أية محاولة لرفض الرأسمالية هي محاولة يوتوبية[45].

وصدّر «أمين» مدخل (الفصل السابع) من كتابه Maldevelopment: Anatomy of a Global Failure بعبارةٍ كاشفة، وهي: أنّ بلقنة إفريقيا (والإقليم العربي) تمثّل عقبةً إضافيةً أمام أيّ شكلٍ من أشكال التنمية، وتترك مسألة الاندماج في التنمية عبر العالم دون بديل، ومن ثَمّ جعل فك الارتباط مستحيلاً.

وبالرغم من أنّ هذه المقولة عادةً يتمّ الدفع بها مسوّغاً، فإنّ التعاون– أو الاندماج بهدف بناء مناطق مستقلة ذاتيّاً واسعة النطاق، وإن لم يكن في شكل دولٍ موحدةٍ كبيرة- ليس بديلاً عن التغيرات الداخلية المطلوبة (حتى في الدول الصغيرة ومتوسطة الحجم) للبدء في تنميةٍ وطنيةٍ وشعبيةٍ قائمةٍ على الذّات[46].

وبعد تعدّد الجهود التي قامت بها الدول الإفريقية لإرساء مؤسسات وآليات وأدوات الوحدة الإفريقية، وتحقيق التعاون العربي الإفريقي[47]، رأى «أمين» أنّ النتائج كانت هزيلةً وأقلّ من الحدّ الأدنى المطلوب لتدشين «تنمية بديلة»، أو قائمة على فكرة «فك الارتباط»- كما طوّرها أمين-، وناقش أسباباً عدّة رآها وراء هذا الفشل، أو عدم النجاح بالقدر اللازم، وهي: النزعات الوطنية الصغيرة، وتبنّي أيديولوجيا غير مناسبة عن الأمّة، والإرث الاستعماري، والانقسام في نظام العلاقات الدولية[48].

كما لاحظ «أمين» أنّ التنمية الاستعمارية، التي خضعت لها جميع أرجاء إفريقيا، لم تُكَوِّن مناطقَ متكاملةً اقتصاديّاً في أيّ جزءٍ منها، وأنّ ما تمّ كان عملية توحيد؛ لكن داخل الإمبراطوريات الاستعمارية الواسعة جغرافيّاً، وفق المعنى (الليبرالي– الرأسمالي) للكلمة، ما يعني توحيد الأسواق أمام السّلع، ورأس المال، والعمالة[49].

وفي ضوء هذه التجربة وتأثيراتها؛ يؤكد «أمين» أنّ أية مقابلة بين السّوق الأوروبية المشتركة وأية «أسواق» مشتركة إفريقية ستكون بلا معنى تماماً؛ إذ إنّ السّوق الأوروبية المشتركة منتظمةٌ بين دولٍ وصلت بالفعل إلى نفس المرحلة من التنمية، وقادرةٍ على التنافس (فيما بينها)، فالأمر متعلّقٌ بتنظيم وحدة unit قائمةٍ عمليّاً بالفعل، بينما مسألة خلق وحدة unit للدول الإفريقية لم يكن لها وجود أبداً، وتلك مسألةٌ مختلفةٌ تماماً.

ويرى «أمين» أنّ توفّر «فضاء ذاتي المركزية» شرطٌ مسبقٌ لتحقيق تنمية متقدمة في إفريقيا، وهو شرطٌ ضروري لكنه ليس كافياً؛ لأنه في حالة انتظام هذا الفضاء على نحوٍ مغاير، كطرف لفضاء يهيمن عليه رأس المال الأجنبي، فإنه لن يكون هناك تأثيرٌ تنمويٌّ قائمٌ بذاته، لكن سيكون له- في المقابل- تأثيرٌ مُبرِزٌ للتفاوت[50].

سادساً: مشروع سمير أمين الفكري: تطبيقات وخلاصات:

كان عمل «أمين» في منتدى العالم الثالث ذا أهميةٍ عمليةٍ كبيرةٍ وخاصّةً، فقد نمت المُنظّمة منذ مطلع الثمانينيات لتضمّ نحو ألف عضو، وعمل «أمين» منسّقاً للمنتدى لسنواتٍ عدة، وركّز خلالها في تحويله من منتدى للقارات الثلاثة إلى منتدى أكثر عالميّة، وقد نجح- على المستوى العملي (الحركي) والأكاديمي- في إحداث اختراقٍ في فكرة التصور الجغرافي التقليدي عن إفريقيا، والتركيز على العالم بأكمله كمجال لعمل المنتدى[51].

وكان للمعهد الإفريقي للتنمية الاقتصادية والتخطيط IDEP مكانةٌ مهمّةٌ في مسيرة سمير أمين العلمية أستاذاً وباحثاً، وقد طوّر عمل المعهد بشكلٍ تامّ؛ فأصبح مركزاً للامتياز في التدريب، وتنوعت أنشطته، وشملت الانتقال بأنشطته لبلدٍ ما للعمل مع موظفين بوزارة التخطيط به أو وزارات أخرى متعلقة بالشؤون الاقتصادية، وكذلك مع طلاب وأساتذة الجامعات بهذه الدولة[52].

وقبل مغادرته للمعهد وضع ترتيبات ضرورية للعمل مستقبلاً، بإقامة مؤسسات داخله كبرامج للحصول على التمويل اللازم لها في البداية، ومنها مؤسّسة «العمل البيئي والتنموي في إفريقيا» ENDA، التي تحوّلت لاحقاً إلى «العمل البيئي والتنموي في العالم الثالث».

والمؤسسة الأخرى هي: مجلس تطوير بحوث العلوم الاجتماعية في إفريقيا «كودسريا» KCODESRIA، الذي وُضع على مثال المجلس الأمريكي اللاتيني للعلوم الاجتماعية CLACSO، وكُوّنت «كودسريا» كنوعٍ من الكيان الاتحادي لمعاهد ومراكز بحثية من الجامعات أو مرتبطة بها، لتنظيم نقاشات منتظمة حول جوهر مشكلات وتحديات من كلّ الأبعاد[53].

وارتبط بهذه المساعي إسهام «أمين» بقوةٍ في إقامة «المنتدى العالمي للبدائل» WFA بالقاهرة عام 1997م، الذي كان له شركاء آخرون بأوروبا، كمركز «دراسات مواجهة الإمبريالية» في فرنسا، ونتج عن ذلك مباشرةً تكوين جمعيات برازيلية عدة لما عُرف بالمنتدى الاشتراكي العالمي في بورتو أليجر، ومنتديات مماثلة في حيدر آباد وفلورنسا، وتمكّنت هذه المنتديات من صياغة مواقف معارضة لأيديولوجية الليبرالية الجديدة والرأسمالية العالمية (وهو ما سبق الحركة العالمية لمناهضة العولمة التي بزغت في سياتل بعدها بسنوات)[54].

وتنوّعت إسهامات «أمين» في الفِكر الإفريقي، حيث نشَرَ أكثر من 30 كتاباً، تركّز أغلبها في الظروف التاريخية والهيكلية التي قادت إلى تخلّف إفريقيا[55].

ولا يمكن مقارنة إسهام سمير أمين إلا بجهود مفكرين أفارقة أنجزوا مشروعاً علميّاً ممتداً لعقود، مثل «علي المزروعي»، الذي تركّزت مقاربته في المسائل الثقافية، من منطلق (إفريقي- عربي)، وبرؤيةٍ توفيقية لحدٍّ كبير. بينما قامت رؤية «أمين» على دمج إفريقيا في تصنيف «الجنوب» أو «الأطراف»، وربطها بهذا القطب المقابل للشمال، أو المركز المهيمن.

وبطبيعة الحال؛ فإنّ المقام لا يتسع لتفصيل المسألة، ولكن يمكن تلمّسها عند مطالعة مقاربة «أمين» النقدية للتعاون (العربي- الإفريقي) (الذي مثّل أحد الهُمُوم الكبرى لمزروعي)، الذي يضعه في سياق تعاون (الجنوب- الجنوب)، ويرى أنّ هناك عوامل عدة تؤثّر في تباطئه من جانبَيْن، وهما الدول التي تموِّل هذا التعاون (وأغلبها من الدول المصدرة للبترول)، والدول المستفيدة منه (الدول الإفريقية والعربية الفقيرة)، ورأى «أمين» أنّ هذا التعاون لم يحقّق (حتى مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة) أيةَ زيادة مقبولة في التدفقات التجارية التكميلية، ويفسّر ذلك بأنّ أيّاً من الجانبَيْن لا ينخرط في سياسات فك الارتباط (بالمفهوم الذي راجعه وطوّره أمين نفسه لاحقاً)، ويتجسد هذا القصور في «استراتيجيات البنك الدولي» التي يحاولون من خلالها إعادة إنتاجها وتمريرها عبر اتفاقات التعاون (العربية- الإفريقية) (كما يتضح في توجيه أغلب المساعدات العربية لدول إقليم الساحل إلى برامج تمّ تخطيطها من قِبَل «أصدقاء» دول الساحل والغرب بالتنسيق مع البنك الدولي)، وعدم الاكتراث بتحقيق تنميةٍ ذاتية المركزية، أو حقيقية، في الإقليم[56]. 

خاتمة:

فيما بدت صيحةً غاضبةً أطلقها سمير أمين قُبيل وفاته بأعوام قلائل؛ أكّد فيها أنّ القوى المهيمنة تكون كذلك بفضل نجاحها في فرض لغتها على ضحاياها. وأنّ «خبراء» الاقتصاد التقليدي عملوا على وضع قناعة بأنّ تحليلاتهم والخلاصات التي توصلوا لها- بمقتضاها- حتميةٌ؛ لأنها علمية، ومن ثمّ موضوعية ومحايدة ولا يمكن تفاديها! وهذا أمرٌ غير صحيح. كما أنّ ما يُدعى «الاقتصاد البحت»- الذي يقيمون عليه تحليلاتهم- لا يتعامل مع الحقيقة، لكن مع نظامٍ متخيّل؛ لا يعجز فحسب عن مقاربة الحقيقة، أو يقتصر على عدم مقاربتها؛ بل يقف في الاتجاه المناقض لها تماماً، إنّ الرأسمالية الموجودة بشكلٍ حقيقيٍّ أمرٌ مغايرٌ بالمرّة[57]. 

وهذه المقولة تردّ الكثير من الانتقادات لأمين، وتؤكد منحاه الإنساني- إن جاز القول- في مقاربة مشكلات إفريقيا ضمن العالم الثالث؛ أو الجنوب أو الأطراف.

وتظلّ المشكلة- برأيي- أنّ التفاعل الأكاديمي والعملي مع أطروحات سمير أمين اتّسم بتناقضٍ غريب، يتمثل في القصور إفريقيّاً مقابل ثراء النقاشات والتفاعل من خارج إفريقيا. وتظلّ أطروحات سمير أمين بحاجةٍ إلى مقارباتٍ أكثر تفصيلاً وتعمّقاً، وهو الدافع الأول– هنا- وراء إثارة هذه النقاشات بخصوص أطروحاته ومراجعاتها وانتقاداتها، وتصحيحها من قِبَل «أمين» ومؤيديه، كما من قِبَل أصحاب التوجهات المغايرة له.

[1] A Brief Biography of Samir Amin, Monthly Review: https://www.questia.com/magazine/1G1-12663251/a-brief-biography-of-samir-amin

[2] Amin, Samir, Samir Amin: Pioneer of the Rise of the South (Brauch, Hans Günter, editor, Springer Briefs on Pioneers in Science and Practice, Vol. 16), Third World Forum, Paris, 2014, p. 3.

[3] Amin, Samir, Samir Amin, Op. Cit. pp. 3-4.

[4]  Ibid. p. 4.

[5] اتضح هذا في كتابه: the Future of Maoism الصادر في 1981م؛ ورأى سمير أن الثورة الصينية في جذورها (على الأقل منذ الثلاثينيات، وحتى تاريخ وضع كتابه ومراجعته لبعض أفكاره في المؤتمر الذي عقد بهونج كونج عام 2006م:  “The Fortieth Anniversary: Rethinking the Genealogy and Legacy of the Cultural Revolution”  ) أنتجت وضعاً جديداً يختلف عن الوضع الذي شهدته روسيا بعد الثورة. انظر: سمير أمين: الماوية والتحريفية (ترجمة صلاح داغر)، دار الحداثة، بيروت، 1984م.

[6] Amin, Samir, Samir Amin, Op. Cit.. p. 5.

[7] A Brief Biography of Samir Amin, Monthly Review: https://www.questia.com/magazine/1G1-12663251/a-brief-biography-of-savmir-amin

[8] Amin, Samir, Unequal Development: An essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism (translated by Brian Pearce), the Harvester Press, Sussex, 1976, p. 50.

[9] Amin, Samir, the Ancient World-Systems versus the Modern Capitalist World-System, Review (Fernand Braudel Center), Vol. 14, No. 3 (Summer, 1990), p. 349. 

[10] Amin, Samir, Unequal Development, Op. Cit. pp. 319-320.

[11] Thornton, John, Precolonial African Industry and the Atlantic Trade, 1500-1800, African Economic History, No. 19 (1990- 1991), p. 2.

[12] Amin, Samir, Unequal Development, Op. Cit. p. 319.

[13] Ibid. p. 318.

[14] Ibid.  p. 318.

[15] Ibid. p. 318-9.

[16] Amin, Samir, Underdevelopment and Dependence in Black Africa: Historical Origin, Journal of Peace Research, Vol. 9, No. 2 (1972), p. 114.

[17] Amin, Samir, Development and Structural Change: The African Experience, 1950-1970, Op. Cit. pp. 212-3.

[18] Amin, Samir, Atta-Mills, C. Burja, A. Hamid, Ghariebella and Mkandawire, Thandika, Social Sciences and the Development Crisis in Africa Problems and Prospects: A CODESRIA Working Paper, Africa Development, Vol. 3, No. 4 (October- December 1978), p. 24.

[19] Folson, Kweku G. Samir Amin As a New-Marxist, Africa Development/ Afrique et Developpement, Vol. 10, No. 3 (July- September, 1985), p. 117.

[20] Amin, Samir, History Conceived as an Eternal Cycle, Review (Fernand Braudel Center), Vol. 22, No. 3 (1999), p.291-2. 

[21] McGowan, Patrick J. and Smith Dale L. Economic Dependency in Black Africa: An Analysis of Competing Theories, International Organization, Vol. 32, No. 1. Dependence and Dependency in the Global System (Winter, 1978), pp. 194-5.

[22] Angotti, Thomas, the Political Implications of Dependency Theory, Latin American Perspectives, Vol. 8, No. 3/4, Dependency and Marxism (Late Summer- Autumn, 1981),  p. 126.

[23] McGowan, Patrick J. and Smith Dale L. Economic Dependency in Black Africa, Op. Cit. pp. 180-1.

[24] Zartman, I. William, Europe and Africa: Decolonization or Dependency? Foreign Affairs, Vol. 54, No. 2 (January, 1976), pp. 325.

[25] McGowan, Patrick J. Economic Dependence and Economic Performance in Black Africa, the Journal of Modern African Studies, Vol. 14, No. 1 (March 1976), pp. 25-6.

[26] Amin, Samir, Development and Structural Change, Op. Cit. p. 206.

[27]  Ibid. p. 218.

[28] Amin, Samir, Democracy and National Strategy in the Periphery, Third World Quarterly, Vol. 9, No. 4 (Oct., 1987), p. 1139.

[29] Braun, Oscar, the New International Economic Order and the Theory of Dependency, Africa Development/ Afrique et Developpment, Vol. 1, No. 1 (May 1976), pp. 13-14.

[30] McGowan, Patrick J. Economic Dependence and Economic Performance in Black Africa, Op. Cit. p. 39.

[31] Vengroff, Richard, Dependency and Underdevelopment in Black Africa: An Empirical Test, the Journal of Modern African Studies, Vol. 15, No. 4 (December 1977), pp. 624-6.

[32] Cueva, Agustin, Villamil, Jose and Fortin, Carlos, A Summary of "Problems and Perspectives of Dependency Theory", Latin /American Perspectives, Vol. 3, No. 4, Dependency Theory and Dimensions of Imperialism (Autumn, 1976), p. 13.

[33] Zartman, I. William, Europe and Africa: Decolonization or Dependency? Foreign Affairs, Vol. 54, No. 2 (January, 1976), pp. 325-6.

[34] Esteban, Mora, Plundering and Profits: Moving Beyond Dependency Theory, Roape, August 31, 2018 http://roape.net/2018/08/31/plundering-and-profits-moving-beyond-dependency-theory/ 

[35] راجع عن التراكم والتنمية:

Amin, Samir, Accumulation and Development: A Theoretical Model,  Review of African Political Economy, No. 1 (Aug. - Nov., 1974), pp. 9-26.

وفيه يضع أمين نواة نموذجه لتراكم رأس المال العالمي، ويحدد نمطين متمايزين، ينطبق الأول على التنمية في المركز، والآخر على التنمية التابعة في الأطراف.

[36] Amin, Samir, Democracy and National Strategy in the Periphery, Third World Quarterly, Vol. 9, No. 4 (Oct., 1987), pp. 1136-7.

[37] Blaney, David L. Reconceptualizing Autonomy: the Difference Dependency Theory Makes, Review of International Political Economy, Vol. 3, No. 3 (Autumn, 1996), p. 460.

[38] Samir Amin, NIEO: How to Put Third World Surpluses to Effective Use, Third World Quarterly, Vol. 1, No. 1 (Jan., 1979), p. 69.    

[39] John Weeks and Elizabeth Dore, Reply to Samir Amin,  Latin American Perspectives, Vol. 6, No. 3, Studies on the State and Developmentand on Popular Mobilization (Summer, 1979),. p. 115.

[40] Amin, Samir, Expansion or Crisis of Capitalism? Third World Quarterly, Vol. 5, No. 2, Africa: Tensions and Contentions (Apr.,1983), p. 367. 

[41] Amin, Samir, Unequal Development: An essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism (translated by Brian Pearce), the Harvester Press, Sussex, 1976, pp. 317-8.

[42] Amin, Samir, Democracy and National Strategy in the Periphery, Third World Quarterly, Vol. 9, No. 4 (October, 1987), p. 1130.

[43] Amin, Samir, A Note on the Concept of Delinking, Review (Fernand Braudel Center), Vol. 10, No. 3 (Winter, 1987), p. 444.

[44] Hensman, Rohini, Capitalist Development and Underdevelopment: Towards a Marxist Critique of Samir Amin, Economic and Political Weekly, Vol. 11, No. 16 (April 17, 1976), p. 607.

[45] Amin, Samir and Luckin, David, the Challenge of Globalization, Review of International Political Economy, Vol. 3, No. 2 (Summer, 1996), pp. 216-7.

[46] Amin, Samir, Maldevelopment: Anatomy of a Global Failure, Pambazuka Press, Cape Town, 2011, p. 281.

[47] قدّم «أمين» مقاربة للتعاون (العربي- الإفريقي)، اتّسمت لحدٍّ ما بالتحفظ وعدم المباشرة في توجيه النقد لأوجه قصور هذا التعاون، خاصةً بعد حرب أكتوبر 1973م، ربما لاعتباراتٍ حكمت عمل «كودسريا» بذلك الوقت. كما يلاحظ أنه يفترق عن المفكر علي المزروعي في مقاربة هذا التعاون- كما سيأتي بيانه-. انظر المقال المهم لأمين: 

Amin, Samir, Afro-Arab Cooperation: the Record & the Prospects/ La Cooperation Afro-Arabe: Bilan & Perspectives, Africa Development / Afrique et Développement, Vol. 11, No. 2/3, (1986), pp. 5-17, 19-30.

[48] Amin, Samir, Maldevelopment, Op. Cit. pp. 281-2.

[49] Ibid. p. 282.

[50] Amin, Samir, Maldevelopment, Op. Cit. p. 283.

[51] Osha, Sanya, Samir Amin (entry), (in: Akyeampong, Emmanuel K. and Gates, Henry Louis, editors, Dictionary of African Biography), Vol. 6, Oxford University Press, 2012, pp. 217-8.

[52] Amin, Samir, Samir Amin,Op. Cit. p. 8.

[53] Ibid p. 9.

[54] Osha, Sanya, Samir Amin, Op. Cit., p. 218.

[55]  Ibid.

[56] Amin, Samir, Maldevelopment, Op. Cit. p. 297.

[57] Amin, Samir, Understanding the Political Economy of Contemporary Africa, Op. Cit. p. 17.