إفريقيا بين الإسلام والتنصير

  • 2 -10 - 2012
  • تحرير المجلة


قبل ثماني سنوات من الهجرة إلى المدينة المنوّرة؛ بدأت رحلة بحرية من ميناء «شعيبة» الواقع بالقرب من مدينة جدة، ضمّت وفداً من المهاجرين المسلمين قوامه أحد عشر رجلاً وأربع نساء، توجّهوا في سفينتين شراعيتين، ونزلوا في ميناء «باضع» أو «عدول» (عدوليس)، أو ما يُعرف حديثاً بـ «زولا Zullah» الواقعة على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر في إريتريا الحديثة، على بعد عشرين ميلاً إلى الجنوب من «مصوع» (وهي جزيرة أكسوم)، في الساحل الإفريقي للبحر الأحمر، كانت هذه الجزيرة عاصمة مملكة بني عامر، التي تُسمى جارين.

استقبل أفراد قبيلة بني عامر هؤلاء المهاجرين، ورحّبوا بهم، وأعطوهم الأمان للنزول في أرض مملكتهم، وبذا تكون هذه القبيلة البجاوية هي أول شعب يعطي الأمان للمسلمين لأول مهاجريهم خارج الجزيرة العربية[1].

ثم ذهب المهاجرون إلى ملك الحبشة العادل، كما أخبر بذلك النّبي صلى الله عليه وسلم، النجاشي أصحمة بن أبجر (توفي سنة 632م) الذي استقبل الصحابة المهاجرين إليه، واجتمعوا به في الفترة ما بين 610م - 629 م، والراجح أن النجاشي أسلم وأخفى إسلامه، وصلى النّبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب عليه لمّا علم بوفاته.

كانت هجرتا الحبشة[2] الأولى والثانية إيذاناً ببزوغ فجر جديد على القارة السمراء؛ إذ بدأ الإسلام ينتشر رويداً رويداً في شرق إفريقيا، مع استمرار المدَّ الإسلاميَّ الوافد إلى ساحل شرق إفريقيا، في ركاب الهجرات الإسلامية القادمة من جنوب الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي.

ونتيجة لذلك المدّ الإسلامي في إفريقيا، وقبول الأفارقة للإسلام، تأسَّست مدن وممالك وحضارات إسلامية مزدهرة، مثل إمارة «شوا»، وإمارة «لامو»، ومملكة «مقديشو»، وسلطنة «كلوة».

ثم ظهرت بعد ذلك سلطنات في منطقة القرن الإفريقي، عُرفت باسم «ممالك الطراز الإسلامي» في منطقة القرن الإفريقي، وعُرفت باسم «ممالك الطراز» لأنها كانت تقع على جانبي البحر كالطراز له، وهي مملكة «ايفات» أو «أوفات جبرت»، ومملكة «هدية»، ومملكة «داراو»، ومملكة «بالي»، ومملكة «اربيني»، ومملكة «شرخا»، ومملكة «دارة»، هذه الممالك والسلطنات صارت بيئة صالحة لانتشار الإسلام بين الأفارقة من ناحية، وتغَلّب مظاهر الثقافة العربية الإسلامية عليهم من ناحية أخرى.

وبعد شرق إفريقيا؛ بدأ الإسلام ينتشر في غرب إفريقيا التي طرق الإسلام بابها مبكراً في عام 46هـ، وهي الفترة التي وصلت فيها طلائع المسلمين بقيادة عقبة بن نافع إلى إقليم «كوار»، ومنه إلى باقي مناطق غرب إفريقيا.

وقد تأسّست ممالك وسلطنات وإمبراطوريات كثيرة في غرب إفريقيا، مثل مملكة «غانا»، ومملكة «صوصو»، ومملكة «مالي»، ومملكة «سنغاي» (صنغاي)، ومملكة «كانم»، ومملكة «باقرمي»، ومملكة «وداي»، ومملكة «الهوسا»، وغيرها من الممالك التي استطاعت أن تحافظ على انتشار الإسلام لقرون في تلك البقاع.

كان من أهمِّ أسباب انتشار الإسلام عَبْر ربوع إفريقيا بساطة تعاليمه، وسهولة فَهْمه، ويُسْرُ الدعوة إليه، فكلُّ مسلم يُعد داعية، فلا توجد تعقيدات كهنوتية كما في المسيحية، وما يكتنفها من غموض، مما يجعلها صعبة الفَهم بالنسبة للإفريقي، كما يَسَّرَت تعاليمُ الإسلام وسُمُوِّها بالبَشَرِ ومساواتها بين الناس مهمَّة الدعوة للإسلام، وساعد على انتشار الإسلام كذلك عدالته، ومساواته بين الناس، وبغضه للتفرقة العنصرية، وهي عُقْدَة الأفارقة[3].

وعلى الرغم من سقوط الممالك الإسلامية في إفريقيا على يد قوى الاحتلال والاستعمار الغربي؛ استمرت مسيرة الإسلام في القارة بفعل الخصائص سالفة البيان، إلا أن تحدّيات عديدة أصبحت تواجه الدعوة الإسلامية والمسلمين في القارة بفعل الاحتلال الغربي للقارة الإفريقية، وتقسيمها لدول المنطقة تقسيمات غير منسجمة عرقياً أو دينياً، مما زاد من الصراعات والتقاتل بين أبناء إفريقيا المسالمين.

وبرغم وطأته لم يكن الاحتلال المادي هو أخطر التحديات التي واجهت الإسلام في القارة؛ بل ما واكب الاحتلال من محاولات تغيير هوية أهل القارة وثقافتهم وعقيدتهم، وغالبهم من المسلمين، مستخدماً قي ذلك كلّ السبل، وفي مقدمتها التنصير الذي ظهر مواكباً للاحتلال، وتمازج معه حتى اختلط الأمر؛ هل التنصير هو الذي مهّد للاحتلال؟ أو أن الاحتلال هو الذي مهّد للتنصير؟ وعموماً فإن الاستعمار قد رعى التنصير إبّان الحقبة الاستعمارية وما بعدها، وسار به آفاقاً أوسع في القارة، سعياً لتحقيق بشارة الكنسية الكاثوليكية لأتباعها بجعل القارة الإفريقية قارة مسيحية.

وقد بذلت النصرانية، وما زالت، جهوداً جبارة لتنصير القارة، وحيكت الخطط والمؤامرات من قبل الفاتيكان لتحويل القارة إلى النصرانية، وتعويض حجم التناقص في أعداد النصارى في أوروبا، وهو الأمر الذي حقّق المنصِّرون فيه نجاحاً بين أصحاب المعتقدات التقليدية في إفريقيا، لكن - وباعترافهم - بقى الإسلام حجر الزاوية، ومحطّم آمال المنصّرين وطموحاتهم، الأمر الذي يعني مزيداً من المساعي الكنسية للتركيز في مسلمي القارة لزحزحتهم عن عقيدتهم بكلّ السبل.

ولأهمية «ملف التنصير» رأت مجلة «قراءات إفريقية» من خلال هذا العدد الذي بين أيديكم أن تقدّم قراءة استشرافية لمنظومة التنصير (المنصّرين، ووسائل التنصير، والمتنصّرين)، من خلال ملف العدد الذي يحمل عنوان «التنصير في إفريقيا بين المدّ والجذر».

ويتناول الملف بالرصد والتحليل أنشطة المنظمات التنصيرية واستغلالها للمؤسّسات التعليمية والصحية في الدعوة لعقيدتها، مع سرد لنماذج عملية في كلٍّ من إريتريا وجنوب السودان، كما يتحدّث عن المساعدات التي يقدّمها الفاتيكان للنشاط التنصيري، علاوة على السرد التاريخي لحياة أحد مؤسّسي التنصير في إفريقيا، ويسعى الملف كذلك لبيان دور المنظمات والهيئات الخيرية الإسلامية في مواجهة التنصير، وأثر سوء سلوك المنصّرين وفاعلية المسلمين في القضاء على حلم تنصير القارة السمراء، ويقدّم الملف كذلك قراءة لمستقبل التنصير في إفريقيا في ضوء تلك المتغيرات الجارية على الساحة.

[1] الأستاذ سليمان صالح ضرار في مخطوطته البجة، ص 74 – 75، من كتاب المؤرخ الأوروبي بضج: تاريخ إثيوبيا، ص 270 .

[2] كانت الحبشة وقتئذٍ تضم إليها منطقة شرق السودان وشمال شرق إريتريا.

[3] نوال عبد العزيز راضي: الإسلام والمسلمون في وسط إفريقيا، ص 16.