إفريقيا الوسطى وتحقيق السلم الاجتماعي

  • 2 -10 - 2015
  • محمد البشير أحمد موسى


د. محمد البشير أحمد موسى – باحث في الدراسات الإفريقية والقانونية، تشاد

تردّد فرنسا دائماً، في عهد الجمهورية الثالثة، أنها جاءت إلى إفريقيا بناءً على واجب تقديم الحضارة والمدنية، والأنظمة السياسية والإدارية، والقيم والمبادئ العلمية والجمالية، إلى شعوب بربرية متوحشة، ترسف في أغلالٍ من التقاليد البالية التي تمنعها من الاتصال بالعصر الجديد، في تجلياته ومظاهره الأوروبية.

وأن الواجب الإنساني يملي عليها ألا تترك هذه الشعوب المتخلِّفة للتصرف في نفسها، وأنَّ قدر فرنسا أن تعيش في ظلّ إمبراطوريتها المترامية الأطراف[1]، مع أنّ التاريخ يشهد على ما قدّمته الممالك الإسلامية في إفريقيا للعالم من حضارةٍ ورقيّ، في وقتٍ كانت تعيش الدول الغربية كلها وعلى رأسها فرنسا في عصر الظلمات.

المسلمون في إفريقيا الوسطى لم يكن لهم بعد الله عز وجل أية دولة داعمة لهم في تحقيق المطالبة بحقوقهم على عكس المنظومة النصرانية في البلاد

ظلَّت السياسة الاستعمارية الفرنسية تجارية في طبيعتها، إذ ترى في المستعمرات أراضي ملحقة بأراضيها اقتصادياً وإدارياً وسياسياً، ولذلك أنشأت معظم العواصم الفرانكفونية على ضفاف الأنهار أو المحيطات لتسهيل عملية النقل، مثلما في «أنجمينا» في تشاد، أو «بانقي» في إفريقيا الوسطى، أو «دكار» في السنغال.. وغيرها.

وكانت أولى وسائل هذا الحكم تحطيم الزعامات القبلية والمحلية بأنواعها المختلفة، وكذلك المعتقدات الدينية والفكرية، لتحطيم الدولة أو السلطة المحلية القائمة قبل وصول المستعمر، ثمَّ تحطيم كلّ ولاءٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ لتلك السلطة، وقد نتج هذا أساساً عن عاملين:

أولهما: دور الجيش الفرنسي في التوسع الاستعماري وما لقيه من مقاومة عنيفة، وخصوصاً في الصحراء الكبرى، لهذا سيطر التفكير العسكري على السياسة الاستعمارية الفرنسية.

وثانيهما: الثورة الفرنسية وما صورته للفرنسيين من أنَّ عليهم عبء حمل شعلة الحضارة إلى البشر وتعليمهم دروس الحرية، وبخاصة الأفارقة، حتى لو كان ذلك قهراً[2].

لقد أُنشئت المستعمرات في إفريقيا وغيرها لا لأغراض الأمن، بل، كما يقول أحد الباحثين، لإطالة عمر الرأسمالية الأوروبية المحتضرة، وهو ما ورد على لسان أحد الحكام الفرنسيين: «لقد أوجدت المستعمرات من قبل الدولة الأم المُسْتَعْمِرة ولأجلها»، ولذلك كانت سياسة الاستيعاب ضرورية لاستمرارية الدولة الأمّ، ألا وهي فرنسا[3].

لم تكتف القوى الاستعمارية بتقسيم إفريقيا إلى كيانات غير متماسكة وقوميات متنافرة فحسب، بل عمَّقت، عن طريق استراتيجياتها وسياساتها الإدارية والاقتصادية والثقافية، عوامل الانقسام بين القوميات داخل القطر الواحد، وهذا ما أدى إلى كثرة الحروب العرقية بين مختلف القوميات، حتى بين القومية الواحدة، كما في حالة إفريقيا الوسطى الأخيرة وغيرها من الدول، ولتكون هذه الحروب وسيلة أخرى من وسائل الاستفادة الاقتصادية للدول الأوروبية، حيث سوق السلاح للحكومة والمعارضة على حدٍّ سواء، وكذلك سوق نهب المقدرات من المخزون الاستراتيجي للدول الإفريقية من الذهب واليورانيوم وغيرها؛ مما ظهر لنا جلياً في الأحداث الأخيرة في إفريقيا الوسطى وفي غيرها من الدول الإفريقية.

آثار التقسيم الاستعماري في السلم الاجتماعي في الدولة الإفريقية:

ورثت الدولة الإفريقية ما بعد الاستقلال عدداً من الإشكاليات، لعل من أهمها: (هشاشة الدولة)، الناتجة عن ضعف: (الاندماج الوطني) بين المكونات المختلفة في الدولة، مع أنّ عدد سكان بعضٍ من هذه الدول لا يتعدى خمسة ملايين، ومع ذلك تتصارع في رقعة جغرافية محدودة، أفضى ذلك إلى القضاء على السلم الاجتماعي في عددٍ من الدول الإفريقية منذ اليوم الأول من الاستقلال وحتى القرن الحادي والعشرين، ولعل آخر تلك الأحداث ما جرى في كلٍّ من دولة مالي، ودولة إفريقيا الوسطى، ودولة جنوب السودان.

وتعدُّ عملية فقدان الاندماج الوطني ظاهرة أصيلة في دولة ما بعد الاستقلال، تتفرع عنها الظواهر التبعية الأخرى، ذلك أنّ واقع دولة ما بعد الاستقلال لم تحقق طموحات المكونات الاجتماعية المختلفة في البلاد، بل إنّ كثيراً من الزعماء الذين تولوا سدّة الحكم لم تسعفهم الظروف لإيجاد أسس متينة للدولة الناشئة وبنائها، فبرغم أنّ هؤلاء القادة كانوا زعماء لحركات وطنية، أو عسكريين، فقد حكموا البلاد وفقاً للمنهجية الطائفية، فأضحى الاندماج مؤقتاً تحت ظلّ تلك الطائفية الحاكمة، وباحتكار هذه الأخيرة لمقاليد الثروة والحكم ينفجر الوضع؛ في مساعٍ من الفئات المهمّشة لإسقاط النظام، لأنّ ولاء الشعب لم يكن ولاءً كاملاً للفئة الحاكمة، وقبولها لهذه الفئة الحاكمة لا يعني بالضرورة الاقتناع بسياساتها، وإنما هي حالة مؤقتة، تزول مع زوال أسبابها[4].

أُنشئت المستعمرات في إفريقيا وغيرها لا لأغراض الأمن، بل، كما يقول أحد الباحثين، لإطالة عمر الرأسمالية الأوروبية المحتضرة

وتفتقد الدولة الحديثة في إفريقيا السلم والتعايش الاجتماعي، مع وجود تعددية لغوية، وتعددية قبلية ومناطقية، ومع فقدان التنمية الحقيقية، واستحواذ الفئة الحاكمة على مقدّرات الشعب، وذلك باعتباره أثراً من آثار المستعمر في مساعيها لإنشاء هذه الدولة على أرضية اجتماعية واقتصادية لم تكتمل بعد، فتعمقت أزمة الاندماج الوطني تحت وطأة عدة أسباب، يرتبط بعضٌ منها بالسياسات الاستعمارية التي كانت تتبع سياسة: (فرّق تسد)، ومن ثم بذرت البذور الأولى للفرقة والانقسام داخل هذه المجتمعات، فضلاً عن أنَّ المستعمر قد قضى على كلّ الكيانات المؤسسية والإدارية الإفريقية القائمة، التي كان من المفترض أن تكون نواةً لدولٍ وطنية متماسكة جغرافياً واجتماعياً، على نحو ما كان في السابق.

 فعجزت الدولة الوليدة عن تبني مشروعات وطنية، يمكن من خلالها أن تُذوب الاختلافات بين هذه المكونات المتعددة، وتبني أسساً سليمة للسلم والتعايش الاجتماعي، ليس هذا فحسب، بل تبنّت بعض الأنظمة المتعاقبة سياسات تمييزية إقصائية ضد الجماعات الأخرى، وحرمتها من نصيبٍ عادل من الثروة والسلطة، وهو ما أدى إلى ما عُرف بظاهرة: (التهميش)، فنتج عن ذلك صراع ما يعرف باسم: (العلاقة بين المركز والهامش)، الذي تفاقم مع تطبيقات نظام الحكم غير المباشر في بادئ الأمر، ومن ثمَّ أصبحت ظاهرة مطردة في كلّ الدول الإفريقية، فما كان من ملجأ للمجتمعات المحرومة سوى العودة إلى الولاءات التقليدية الضيقة، والانتماءات الجهوية، وذلك على حساب الوطنية الجامعة، والانتماء الجماعي للدولة الحديثة.

إفريقيا الوسطى من الانقسام الداخلي إلى تحقيق السلم الاجتماعي:

ولم تكن إفريقيا الوسطى بدعاًَ من الدول الإفريقية في بناء دولة قومية تتعايش فيها المكونات الاجتماعية والدينية وغيرها، بل عانت، خصوصاً في الفترة الأخيرة، وبإيعازٍ من جهات خارجية، حرباً أهلية قضت على معظم الوشائج الاجتماعية بين مكوناتها المختلفة، وأدت إلى نزوح قرابة مليون شخص وتشريدهم من قراهم ومدنهم، وأدى بشكلٍ كبير إلى القضاء على السلم الاجتماعي الهشّ الذي كان سائداً بين المكونات المختلفة في إفريقيا الوسطى منذ نشأة الدولة الحديثة فيها عام 1960م.

ومنذ حدوث التغييرات على الوضع الميداني العسكري للصراع في إفريقيا الوسطى، ومساعي القيادات  العسكرية الشمالية المنضوية تحت تحالف «سيلكا»، ودعوة عدد من قياداتها المؤثرة إلى الانفصال، أصبح الواقع أمام القوى الداعمة للميليشيات النصرانية العسكرية في البلد في وضعٍ لا يحسد عليها، خصوصاً أنّ معظم الجرائم التي اقترفت على أيدي هذه الميليشيات والقوات الغربية والإفريقية الموالية لها سجلتها المنظمات الدولية، وصُنفت بوصفها: (جرائم ضد الإنسانية)، ولأول مرة في تاريخ هذا البلد نرى الانتهاكات البشعة ضدّ المسلمين، والتي - في هذه المرة - لم تكن كسابقتها في الثمانينيات من القرن الماضي عندما تمّ قتل وتهجير آلافٍ من المسلمين من قراهم، حيث لجؤوا إلى جنوب تشاد تحديداً في منطقة «قوري» التي استوطنوها، ولم يستطيعوا العودة إلى قراهم الأصلية مرة أخرى.

أدركت القوى الغربية التي ساهمت في اندلاع الحرب الأخيرة أنّ تحقيق أهدافها الاقتصادية في المرحلة الراهنة يتطلب تحقيق السلام في البلاد، لذا كان الضغط على القوى المؤثرة في البلاد، والمتمثلة في ميليشا «أنتي بلاكا» النصرانية وحركة «سيلكا» الإسلامية، لعقد مفاوضات سلام، بدأت في برازافيل 21-23/7/2014م، مروراً بنيروبي كنقلة نوعية غريبة، فاستمرت لأشهر هناك، وفي جلسات مغلقة تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والكنيسة الكاثوليكية وبعض القوى الغربية، ومن ثم كان ختام تلك المفاوضات في برازافيل مرة أخرى، حيث كانت الاتفاقية التي أُبرمت وبحضور الحكومة الانتقالية برئاسة السيدة كاثرين سامبا، حيث خلصت الاتفاقية إلى نقاط تمَّ التوافق عليها من قبل، ومن أهمها:

1 - نزع جميع الأسلحة من كلّ الأطراف، وجمعها في ست مناطق في البلاد.

2 - دمج مَن يصلح من الميليشيات في الجيش الوطني طبقًا لضوابط معينة.

3 - تكوين جيشٍ قويٍّ، يكون ولاؤه للوطن دون غيره.

4 - سيادة العدالة الكاملة في ربوع إفريقيا الوسطى، وذلك بضمان تطبيق القانون على الناس كافة دون تفرقة أو تمييز.

5 - تقرير حقّ المواطنة للكل، باعتبار المسلم مواطناً له كامل الحقوق وعليه جميع الواجبات.

6 - إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة مرتكبي جرائم حرب في الحرب الأخيرة، حتى تتحقق العدالة الكاملة، وفق ضوابط تحقق الأمن والعدالة للمتهمين.

7 - بناء جميع دور العبادة من مساجد وكنائس.

8 - حقّ المسلمين في إجازاتهم الرسمية في الأعياد السنوية.

9 - تعويض المتضررين جرّاء الأزمة الأخيرة من الطرفين.

10 - نشر ثقافة السلام بين أبناء إفريقيا الوسطى وتحقيق السلم الاجتماعي بين مكوناتها المختلفة. 

11 - علمانية الدولة، وذلك بعدم تدخل السلطة السياسية في أيّ شأن من الشؤون الدينية أو القضاء الإسلامي أو العرفي.

12 - استقلالية السلطة القضائية حتى تحقق العدالة الكاملة في البلاد.

13 - تفعيل دور المجتمع المدني على نحوٍ يكفل حفظ الإنسانية ويصون الأموال والأعراض.

14 - إعادة النظر في الاتفاقيات الدولية التي عقدت مع إفريقيا الوسطى بما يكفل الحقوق والحريات العامّة في الدولة، ويحقق الأمن الاقتصادي والسياسي، ومن بينها الاتفاقيات مع دولة فرنسا.

15 - تنمية الموارد البشرية، واستغلال الثروات الطبيعة، بما يحقق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة لجميع السكان.

لقد كانت هذه الاتفاقية مماثلة في كثيرٍ من بنودها لأول ورقة لتحقيق السلم الاجتماعي طرحتها حكومة «سيلكا» عند وصولها إلى سدّة الحكم، لكن لم توافق عليها الحكومة السابقة برئاسة «بوزيزي»، وكذلك الدولة المستعمرة السابقة، مما أدى إلى الحرب الأخيرة، إلا أنه وبعد مرور أكثر من عامٍ ونيّف، ومقتل قرابة عشرة آلاف شخص من الطرفين، والتهجير القسري لحوالي 400.000 ألف مسلم إلى دول الجوار، ها هم أولاء يوافقون على توقيع هذه المذكرة، والتي تمّ إعلانها رسمياً في: (منتدى بانقي للسلام)، الذي عُقد في الفترة : (4-11/ يوليو 2015م).

وثقت المنظمة حالات التحويل القسري للمسلمين في غرب البلاد إلى الديانة النصرانية بتخيير المسلمين العائدين إلى ديارهم ما بين العودة الآمنة باعتناق النصرانية أو القتل

الاتفاقية وتحقيق طموحات المسلمين وآمالهم:

يرى الناظر في بنود هذه الاتفاقية، والمذكرة التوضيحية لها، أنّها لم تحقق كثيراً من المطالب التي كان ينادي بها المسلمون منذ سنوات، ومن أجلها حملوا السلاح، وضحّوا بالغالي والنفيس، بل أدى إلى هجرة كثيرٍ من كوادرهم إلى دول الجوار، حتى استطاعوا في تحالفٍ بينهم تحقيق جزءٍ من طموحاتهم بالوصول إلى رأس الهرم الحكومي، ومن خلال ذلك يتم فرض شروطهم التي لم يستطيعوا تحقيقها، إلا أنًَّ الكنيسة والدوائر الغربية لم ترض عن وصولهم إلى السلطة وتحقيق بعضٍ من آمالهم، لذا كانت الحرب التي شاركت فيها عدد من الدول وعدد من مجالس الكنائس في دول الجوار وغيرها، والتجييش الإعلامي  لهذه الحملة المضادة ضدّ المسلمين في معظم الوسائل الإعلامية ذات المرجعية الفرنسية.

ولعل هذه البنود تحقّق جزءاً ولو يسيراً من آمال وطموحات المسلمين الذين لم يكن لهم بعد الله عز وجل أية دولة داعمة لهم في تحقيق المطالبة بحقوقهم على عكس المنظومة النصرانية في البلاد، حتى منظمة التعاون الإسلامي كان موقفها في أضعف الأحوال، حتى لم تستطع الموافقة بالإجماع على اعتبار ميشليا «أنتي بلاكا» منظمة إرهابية، مما أفقد كثيراً من المسلمين الأمل في هذه المنظمة التي كان من المفترض أن تقوم بما لم تستطع القيام بها كثيرٌ من الدول الإسلامية.

ووسط هذه الحالة من اللامبالاة من عددٍ من الدول الإسلامية، وانسحاب بعضها وسط ضغوط دولية، ما كان أمام قادة تحالف «سيلكا» إلا أن يستمروا في هذا المسار، وسط محاولات جادة لتمزيق الصف الواحد للمسلمين بإثارة النعرات القبلية والجهوية على حساب القضية الواحدة، ووسط ضغوط من اللاجئين بالمطالبة بالعودة الآمنة أو الذهاب مرة أخرى إلى الحرب، حيث أخذت الحركة شرعيتها باعتبارها تحالفاً بين أكبر الفصائل المسلمة، مع وجود مجموعات تدار من بعض الدول حتى لا يتحد المسلمون في كيانٍ واحد، فاستغلت الدوائر الغربية هذه الأجواء لفرض الحكومة الانتقالية برئاسة كاثرين سامبا، والتي سعت إلى مزيدٍ من التمزيق الداخلي للمسلمين باختيار بعض القيادات المحسوبة على فرنسا بأنها قيادات تمثّل المسلمين، أمثال رئيس الوزراء الحالي الانتقالي محمد كمون وغيره، مما دفع حركة «سيلكا» إلى إصدار بيانٍ واضحٍ بأنّ محمد كمون لا يمثّل إلا نفسه، وليس ممثلاً للمسلمين، وهذا البيان كان إحراجاً للحكومة الانتقالية وداعميها، مما تطلب الاستمرار في إجراء الحوار بين الأطراف المختلفة (الحكومة الانتقالية +  ميليشيا أنتي بلاكا +  حركة سيلكا).

ولهذه الضغوط والظروف المحيطة بهذه القضية، وإشعال حربٍ جديدةٍ في المنطقة تحت مظلة محاربة جماعة «بوكو حرام»، لم يكن أمام حركة «سيلكا» والمسلمين في غالبهم إلا الموافقة على هذه الاتفاقية، وتحقيق جزء من طموحاتهم، مع وجود إشكالية لم يتم حسمها إلى الآن، وهي عودة اللاجئين والمشردين إلى البلاد، وهي قضية ما زالت تشكّل سجالاً بين الأطراف المختلفة، وإن كانت المحكمة الدستورية أعلنت رسمياً مشاركة اللاجئين في الانتخابات القادمة، وهي خطوة ساهمت في التقليل من السجال بين هذه الأطراف.

العلماء ودورهم في الدفاع عن حقوق المسلمين:

ولعلّ قوة العلماء المسلمين وثباتهم على مواقفهم إبّان الأزمة وتماسكهم، وكذلك دعوتهم لحركة «سيلكا» وغيرها من القيادات السياسية للمسلمين بالوحدة وعدم التفريط بأي حقٍّ من حقوقهم، ألجأت الحكومة الانتقالية وكذلك حركة «سيلكا» إلى أخذ وجهة نظر العلماء بعين الاعتبار.

كما تمثلت قوة العلماء أيضاً في أنَّ كثيراً منهم صمدوا ولمدة أكثر من عامٍ في الدفاع عن المسلمين وعن آخر حي رئيس لهم في العاصمة بانقي، ودعوا الشباب إلى الرباط والدفاع عن العجزة والمسنين والأرامل والأيتام، وإفشال كلّ المخططات الرامية إلى نقلهم، وبخاصة الدعوات الرسمية من المنظمة الدولية الأمم المتحدة الداعية إلى الهجرة «الآمنة»، والتي أعلن مسؤولها الأول الأمين العام أكثر من مرة، في أثناء زيارته للمسجد العتيق ولهذا الحي، بضرورة نقل المسلمين من هذا المكان الخطر، إلا أنّ ردود الفعل القوية أجبرته على التراجع عن هذا الموقف، بل أجبرت القوى الأخرى على ضرورة مشاركة بعض من العلماء في الهيئة التشريعية الانتقالية، وهو ما تحقق بمشاركة بعضٍ منهم، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ عمر قوني، أحد أبرز الدعاة الذين وقفوا ضدّ حملات التهجير القسري للمسلمين وإفراغ العاصمة منهم.

الضغوط الخارجية والداخلية لتحقيق السلم الاجتماعي في البلاد:

شهدت القارة الإفريقية خلال هذا العام 2015م في عددٍ من دولها انتخابات رئاسية وتشريعية، ويُعدّ عام 2015م عام انتقاد الديمقراطية الإفريقية، فقد تمّ إعادة انتخاب عددٍ من الرؤساء بانتخابات يشوبها عددٌ من العيوب، ومن ذلك ما جرى في دولة إثيوبيا وبورندي وغيرهما، ومع هذا الانتقاد للديمقراطية فقد شهدت دول أخرى، مثل ليسوتو ونيجيريا، انتخابات قلبت كلّ الموازين، وبخاصة نيجيريا التي أعيدت إليها الحياة الديمقراطية، بعد أن خشيت الأطراف الداخلية والخارجية من ضياعها وسط ضغوط قوية من عددٍ من الدول، ولا يختلف اثنان في أنَّ هناك عدداً من المتغيرات على الساحة النيجيرية تحققت بوصول الجنرال محمد البخاري، قد تعيد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية والدينية في القارة الإفريقية، تحديداً منطقة جنوب الصحراء، وخصوصاً في دول وسط إفريقيا، وبدأت آثارها تظهر في سرعة وتيرة تحقيق السلام في دولة إفريقيا الوسطى بأي شكلٍ كان، ولو على حساب المجموعات النصرانية التي أقامت الدنيا ولم تقعدها باعتبارها جماعة مضطهدة في إفريقيا الوسطى، إلا أنّ الوقائع التي سجلتها المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وما تمّت مشاهدته من قِبل العالم أجمع، تؤكد أنّ هذه الفئة التي تدعي بأنها الأغلبية المضطهدة كانت مجيشة من بعض القوى الغربية ودول الجوار لتحقيق أهداف اقتصادية ليست إلا. 

ولعلّ آخر تلك الوقائع المسجلة ما أوردته منظمة العفو الدولية في تقريرها رقم: (AFR19/2165/2015)، وتاريخ : (30/ يوليو 2015م) بعنوان: (محو الهويّة لمسلمي إفريقيا الوسطى)، حيث وثقت المنظمة حالات التحويل القسري للمسلمين في غرب البلاد إلى الديانة النصرانية؛ بتخيير المسلمين العائدين إلى ديارهم ما بين العودة الآمنة باعتناق النصرانية أو القتل، وكذلك التضييق بمنع الآذان والصلوات في مساجد المناطق الغربية المتاخمة لحدود دولة الكاميرون، حيث كانت المقتلة الكبرى للمسلمين، وبخاصة الرعاة في هذه المناطق، وهي المناطق التي تمتاز بوفرة الألماس واليورانيوم والذهب.

أما في العاصمة بانقي؛ فبعد عودة نسبية للأمن فاجأت القوات الأممية (البورندية تحديداً) السكان بإطلاق النار على حي كيلو خمسة حيث الغالبية العظمى من المسلمين، في محاولة منها لاعتقال أحد قادة المسلمين في هذا الحي، وأدى ذلك إلى تبادل إطلاق النار بين الطرفين، قُتل على أثره اثنان من شباب الحي الذين دافعوا عن المسلمين في هذا الحي الوحيد المتبقي للمسلمين طيلة عامٍ كامل، وجُرح وقُتل عدد من القوات البورندية.

ومع هذه الأحداث المؤلمة؛ فإنَّ الضغوط الخارجية والداخلية تدفع كلها إلى تحقيق السلم الاجتماعي، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها في 18 أكتوبر 2015م، ولعل اللقاءات التي تمّت في الآونة الأخيرة توحي بذلك، وأهمها لقاء الرئيس النيجيري محمد البخاري - بعد انتخابه بقليلٍ-  والرئيس المسلم السابق لإفريقيا الوسطى ميشيل دجوتيا، وكذلك لقاء الرئيس الأمريكي - في زيارته الأخيرة لكينيا يوليو 2015م - والرئيس الأسبق «بوزيزي» الذي يتزعم ميلشيات «أنتي بلاكا»، وسرعة وتيرة المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة مجرمي الحرب في إفريقيا الوسطى، وعلى رأسهم قادة جيش الرب الأوغندي، كلّ ذلك يدل على وجود محاولات من بعض الأطراف للحلحة المسألة الأفروسطية قبل الانتخابات المتوقعة في كلٍّ من فرنسا وأمريكا، ولعل زيارة وزير الدفاع الفرنسي وكذا وزير الخارجية لكلٍّ من بانقي وبرازافيل في يوليو الماضي 2015م، وتأكيد الدعم الفرنسي للعملية الانتقالية، توحي جميعها بأنّ فرنسا قد حققت بعضاً من أهدافها، وبخاصة الاقتصادية منها، وإن أخفقت في تحقيق الأهداف الأخرى، وبخاصة التي تخدم الكنيسة الكاثوليكية التي تورطت بشكلٍ كبيرٍ في المجازر الأخيرة للمسلمين هناك.

إنَّ هذه الخطوات والضغوط كلها يجب أن تدفع المسلمين دفعاً إلى مزيدٍ من الوحدة والاتفاق، لأنّ الحرب الأخيرة أبرزت بشكلٍ واضحٍ أنّ الحرب حربٌ «دينية» بامتياز، فلم يُستثنَ مسلم سواء في الشمال أو الجنوب من القتل والتهجير، خصوصاً أنّ هنالك قوى غربية كثيرة تساعد النصارى على التخطيط والتدبير، وتقدم لهم الدعم المادي والمعنوي، وبالمقابل لا توجد أية قوى أو دولة تساند المسلمين في هذه القضايا إلا من رحم ربي، حتى تلك العمليات الإنسانية التي تقوم بها بعض المنظمات الطوعية الإسلامية أصبحت شبه متوقفة نظراً لقلة الدعم والمعونة.

حركة التنصير ودور المنظمات الدولية في ذلك:

دأبت المنظمات الدولية، وبخاصة التي تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، على رفع تقارير دورية عن وضع اللاجئين والنازحين، دون تقديم برامج نوعية لمساعدة هؤلاء اللاجئين في مناطق اللجوء، بالرغم من أنّ الكثير منهم يعانون أشدّ المعاناة، ومع ذلك نجد أنّ ما تقدّمه هذه المنظمات من دعاية إعلامية مقارنةً بما تقدمه على أرض الواقع لا يُقارن بشيء، ولكن الأمر اللافت في هذه التقارير التي تقدمها هو تقليل نسبة المسلمين المهجرين إلى تشاد بشكلٍ لافت، فقد رفعت المفوضية السامية للاجئين تقريرها الأخير في (26/7/2015م)، وذكرت أنّ إجمالي المهجرين من إفريقيا الوسطى (468.386) إلى دول الجوار، كالآتي:

1 - الكاميرون: (247.596).

2 - الكونغو الديمقراطية: (99.182).

3 - تشاد: (92.534).

4 - الكونغو الشعبية: (29.074).

5 - بالإضافة إلى: (368.859) نازحاً في داخل إفريقيا الوسطى[5].

بعدد إجمالي للاجئين والنازحين قدره (837.245) لاجئاً ونازحاً.

والناظر في هذه الأرقام يرى بشكلٍ لافت تقليل نسبة المسلمين المهجرين إلى تشاد، حيث كانت النسبة في بداية الأزمة قد وصلت إلى قرابة (430.000) لاجئ في تشاد وحدها، وإذا ما استبعدنا المقيمين من هذه النسبة؛ فإنّ النسبة التي ذكرتها المفوضية (92.534) غير منطقية حسب الأرقام الميدانية للمنظمة الأفروسطية التي تعمل وتنشط وسط هذه المخيمات منذ الوهلة الأولى للأحداث، حيث كانت آخر الإحصائيات لها في 25/6/2015م، في تسع مخيمات رئيسة، وهي: (قوي + ميقاما + سيدو + دنمجة + أمبوكو + دوسي + أمبوكو + أنغونجي + موندو)، بلغت مائتي ألف وخمسة وعشرين لاجئاً: (200.025)، وأكبر الأعداد في مخيمي «ميقاما»  و «دوسي» في منطقتي سار وقوري، هذا إذا استبعدنا الأعداد الموجودة في مخيم السلامات في المنطقة الوسطى الجنوبية من تشاد، حيث كانت هناك بعض الهجرات إلى هذه المنطقة لم تمر عبر الممرات الخاصة بالأمم المتحدة، وهذه الأرقام بناءً على موظفي وزارة الشؤون الاجتماعية في هذه المخيمات.

هناك محاولات لتوطين المهجرين المسلمين في بلدان الجوار، والهدف الأساسي من هذه الحملة هو وقف المدّ الإسلامي إلى جنوب منطقة الغابات الاستوائية في إفريقيا

ولعل هذه النسبة التي تكررها منظمات الأمم المتحدة في دولة تشاد (92.534) ترجع إلى عددٍ من العوامل، من أهمها أنها اعتبرت المهجرين غير مواطنين ولا يمكنهم العودة، أي إسقاط حقّ العودة عنهم باعتبارهم غير مواطنين، وهو ما تبدّى بشكلٍ واضحٍ في موضوع الانتخابات، حيث دعت بعض القوى النصرانية إلى استبعاد هؤلاء بحجة أنهم أجانب أو بحجة حدوث تزوير، وهو ما رفضته المحكمة الدستورية في بانقي، حيث أصدرت حكماً بحقّ مشاركة هؤلاء اللاجئين في الانتخابات القادمة في 18/10/2015م.

وهذه الفرضية تسعى إلى توطين المهجرين في بلدان الجوار، وتحقيق الهدف الأساسي من هذه الحملة، وهو وقف المدّ الإسلامي إلى جنوب منطقة الغابات الاستوائية في إفريقيا.

وكذلك فإنَّ العدد المذكور لدولة الكاميرون: (247.596) مبالغ فيه بشكلٍ كبيرٍ، مما يدلّ على السعي إلى توطين ميليشيات «أنتي بلاكا»، حيث إنّ كثيراً من أفراد هذه الميليشيات، وبخاصة الذين ينتمون إلى قبيلة الرئيس السابق «بوزيزي» يحملون الجنسية الكاميرونية، وهو ما يتطلب توطينهم في إفريقيا الوسطى حتى ترتفع نسبة غير المسلمين وتقلّ نسبة المسلمين قدر المستطاع، وقد تكررت هذه الحالة في التسعينيات من القرن الماضي.

وتدل هذه الأرقام، مع الحركة القوية لمنظمات الأمم المتحدة في مخيمات اللاجئين، خصوصاً في جنوب تشاد، بالتنسيق مع مساعي الكنيسة وبخاصة الكاثوليكية، على أنها تسعى إلى تحقيق عدد من مآربها، ومنها تمييع الهوية الإسلامية للمسلمين في هذه المخيمات عبر برامج تهتم بنشر مفاهيم وتصورات خاطئة عن الإسلام، خصوصاً فيما يتعلق بالمرأة وحقوقها، وكذلك بثّ برامج ومشروعات تحت شعار: (السلم الاجتماعي)، ومشروعات (دمج المرأة في الحياة العامة)، وهو ما تلمسناه ميدانياً في بعض المخيمات، حيث يتم جمع الفتيان والفتيات في برامج مرسومة مسبقة لتمييع الهوية، ونشر الرذيلة، بعد إخفاق التنصير العلني في هذه المخيمات.

ولعل التقرير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية: (محو الهويّة لمسلمي إفريقيا الوسطى) – المذكور سابقاً - يشير إلى حالات الإكراه الديني عبر التخيير بين العودة الآمنة أو التنصير، وهي حالات أدت في غرب البلاد إلى صراعات شهدتها هذه المناطق خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وأدت إلى مقتل أحد القساوسة وبعض رجال الكنيسة، حين حاولوا فرض التنصير بالقوة، وهي محاولات يائسة، حيث إنّ الصراع في إفريقيا الوسطى صراعٌ دينيّ، وليس إثنياً أو جهوياً، حيث كان الاستهداف المباشر للمسلمين باعتبار ديانتهم وليس لشيء آخر، لذا فإنّ التنصير المباشر قد لا ينجح في الوقت الراهن، ولكن مشاريع العلمنة والفسوق وغيرها قد تنجح وسط الفراغ الذي يعيشه الشباب في المخيمات المختلفة، وعدم وجود برامج نوعية للمنظمات الإسلامية تعنى بإعداد الشباب وتوعيتهم، توعية تسهم في الحفاظ على دينهم الذي فرّوا من أجله إلى هذه الدول، وعانوا من أجله القتل والتشريد.

فعلى المنظمات الإسلامية أن تراجع برامجها ومشروعاتها في هذه المخيمات، فليست القضية في الوقت الراهن الغذاء والكساء والعلاج، فهي مرحلة آنية وضرورية، ولكن المرحلة المهمّة اليوم تتمثل في:

- إيجاد برامج نوعية تسهم في العودة الآمنة لهم إلى ديارهم.

- إيجاد مراكز للتدريب والتأهيل والتطوير، ومراكز ثقافية دعوية، وسط هذه المخيمات.

- زيادة أعداد الدعاة المفرغين من الرجال والنساء.

- زيادة الدعم للمدارس المؤقتة الموجودة حالياً في معظم هذه المخيمات في الداخل ودول الجوار.

- كفالة لطلاب جامعة بانقي الوطنية الذين انقطعوا عن الدراسة وبعضهم في المراحل النهائية، ولا توجد إلا جهات قليلة من المنظمات الإسلامية تعنى بكفالتهم لإكمال الدراسة الجامعية في دول الجوار، خصوصاً أنَّ كثيراً منهم يدرسون في تخصصات مهمّة جداً.

- ملء الفراغ الذي يعانيه الشباب في المخيمات ببرامج تربوية ثابتة، قبل أن ينفجر الوضع في أية لحظة، ونجد حالات تمرد على القيم الإسلامية وسط أبناء المهجّرين، خصوصاً أنّ المأساة ما زالت في بدايتها، ويمكن تلافي ما حصل من قبل في مخيمات لاجئي دارفور في  تشاد.

الانتخابات القادمة والآفاق المستقبلية للمسلمين:

ومن أهم بنود اتفاقية السلام – المذكورة سابقاً -، التي حققت ولو جزء يسيراً من طموحات المسلمين، عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 18 أكتوبر 2015م، في خطوة مهمّة في الانتقال السلمي للسلطة في الدولة، واختيار حكومة وطنية بعد عامين من الاحتراب الأهلي، وبشرط أن يكون أحد المسؤولين من الطائفة الأخرى، أي إذا كان الرئيس من النصارى فإنّ رئيس الوزراء من المسلمين.

وقد ترشح لهذه الانتخابات قرابة (60) مرشحاً، ومن أبرزهم:

1 – دلوقلي: رئيس وزراء سابق في عهد الرئيس باتاسي.

2 - مرتي زقلي: أيضاً رئيس وزراء سابق.

3 - كريم ماي كامبو: مسلم من قبيلة الهوسا، ووزير خارجية سابق.

4 - بلال كوليمبا: مسلم، وهو ابن الرئيس كولميبا، وقد ترشح لرئاسة الحكومة الانتقالية مع الرئيسة الحالية كاثرين سامبا، وفازت بفارق صوتين فقط، وتُعد قبيلة الأخ بلال من القبائل الأصيلة والمسالمة في إفريقيا الوسطى، لذا له ولاء حتى من غير المسلمين، وتجلّى ذلك في الانتخابات التي أجريت مؤخراً.

5 - الأمين ميشيل: مسلم من المهتدين الجدد، ومن الشخصيات المؤثرة جداً في إفريقيا الوسطى، حيث ينحدر من القبائل المؤثرة والمهمّة في البلاد.

وهذه خطوات كلها لو تمّت وفقاً لما تمّ التوافق عليها لأدت إلى تحقيق السلم الاجتماعي المفتقد في البلاد، وتُعدّ خطوات أولية لتحقيق طموحات المسلمين وآمالهم المفتقدة منذ نشأة الدولة الحديثة في إفريقيا الوسطى، ولعل البوادر الحالية تشير إلى ذلك.

لقد أضحى للمسلمين اليوم فرصة لم تكن مواتية من قبل، خصوصاً مع التضحية الكبيرة التي قدمها المسلمون في هذه الدولة، وهي حاجة المجتمع الدولي، ممثلة في فرنسا وأمريكا، وحاجة المجموعات النصرانية، إلى تحقيق السلام والخروج من الوضع الراهن للأزمة، ومحاولة الخروج الآمن للقوات الفرنسية المتورطة بشكلٍ كبيرٍ في الأزمة، وهذه الفرصة إن لم تُستغل بشكلٍ كبيرٍ لتحقيق ما ورد في تلك الاتفاقية وفي غيرها، نخشى أن تحوّل القوى الغربية هذه الاتفاقية لصالحها وصالح  المجموعات النصرانية في البلاد، وهي الطرف الأضعف إلى الآن، وبرز ذلك في الانشقاق الذي حدث بين بعض قادتها، وكذلك بين الحكومة التي تمثلها حكومة كاثرين سامبا، حيث كان واضحاً الانشقاق بين الأطراف المشاركة منها في مفاوضات السلام الأخيرة مع المسلمين في برازافيل.

ولعل توحّد المسلمين في مرشح أو مرشحين، والمشاركة الفاعلة في انتخاب شخصية ذات تأثير قبلي، يسهم بلا شك في تعزيز السلم الاجتماعي المأمول، وتحقيق السلام المنشود، وحبذا لو كان من أصول غير مسلمة في هذه المرحلة الحرجة من واقع المسلمين في البلاد.

إنَّ الواقع الإسلامي الإقليمي، ومع وصول الرئيس محمد البخاري، يمكن توظيفه التوظيف الأمثل لإحقاق حقوق المسلمين في إفريقيا الوسطى بعد سنوات من الإقصاء والتهميش، وأن يتضمن ذلك بصورة واضحة إعادة المهجرين إلى بلادهم من دول الجوار، وإعادة التنمية الشاملة في شمال البلاد على غرار جنوبه، وأن يقتص من أولئك الذين آذوا المسلمين أيّما إيذاء بما يحقق العدالة والسلم والاجتماعي في البلاد.

ومع المتغيرات المختلفة على الصعيد الإقليمي والدولي؛ فإنَّ واقع المسلمين في هذه الدولة مبشّرٌّ جدّاً بإذن الله تعالى، إذا وُظّف التوظيف الأمثل، مع الحفاظ على وحدة المسلمين العسكرية والسياسية والدينية، والقضاء على المحاولات الجادة من بعض الأطراف المحلية والإقليمية لتفتيت شملهم.

ومع هذه الدماء التي أريقت؛ فإنّ التمكين والنصر سيتحقق بإذن الله تعالى للمسلمين في إفريقيا الوسطى؛ إن صدقوا مع الله عز وجلّ.

 [1] نور الدين ثنيو: قراءة وكتابة تاريخ الاستعمار في لحظة ما بعد الكولونيالية، مجلة دراسات بجامعة الأمير عبد القادر - الجزائر، ص 70.

[2] أساني فساني: الصحوة الإفريقية، ص 330.

[3] وليم توردوف: الحكم والسياسة في إفريقيا، ص 40.

[4] د. إبراهيم نصر الدين: الاندماج الوطني في إفريقيا.. نموذج نيجيريا، ط1، مركز دراسات المستقبل الإفريقي، القاهرة  - مصر، 1417هـ / 1997م، ص 7.

[5] انظر:  central African republic situation, UNHCR regional update 59