إشكالية اللغة في إفريقيا.. ترميم ذاكرة

  • 3 -10 - 2013
  • هارون باه

هارون باه  

تكاد مسألة اللغة تختزل تاريخ أي جنس من الأجناس البشرية التي عاشت على مسرح الكون حيناً من الدهر، فهي من أخصِّ الخصائص التي يتميّز بها البشر عن غيرهم، حتى فيما بينهم، وهي الجسر الواصل بين الماضي الغابر واليوم الحاضر.

وقد ترك كلّ جيل سابق للأجيال اللاحقة على سجل التاريخ ما أنتجه من معرفة وعلم عبر أشكال مختلفة، تارة بالآثار والأطلال، وأخرى بالتماثيل والرسوم، لكن أوثق معرفة هي تلك التي دُوِّنت بلغة من اللغات، فبقيت بذلك خالدة مخلّدة لإرث من تركوها وشاهدة على صنيعهم، ولأن المعرفة متحركةٌ وغير جامدة، فقد ظلّت تتراكم يوماً بعد يوم وعقداً بعد عقد، وهكذا دواليك، واشتدّت الحاجة إلى مسايرة ما يفيض به الفكر الإنساني على الجنان من علوم ومعارف في شتّى المجالات ومختلف الميادين ومواكبته، تساهم فيه كلّ أمّة تطويراً وتعميقاً وتنقيحاً، إلى أن تبلغ تلك العلوم ذروة كمالها وتتربّع على عرش مملكتها.

وما ذكر هو ما يجعل حاجة الناس اليوم إلى أن يتواصلوا بلغاتهم الأمّ فيما بينهم أشدّ إلحاحاً إثباتاً منهم لوجودهم الحقيقي، وإثراءً للفكر البشري، وتوسعة لفضاء الوجود الإنساني، حيث يشارك فيه كلّ جنس بما تجود به قريحته، ويوحي به جنانه، ويسيل به يراعه، سعياً لاندماج علمي ومعرفي أفقي وعمودي تحت مظلة لا غالب ولا مغلوب.

لكن المتتبع لحالات اللغات واللهجات العالمية يلمس بَوْناً شاسعاً فيما بينها، ذلك البون الذي يشتد كلّما أشرقت الشمس في الوجود لتفصح عنه، لغات مغلوبة على أمرها وكأنها تُساق إلى مصيرها المحتوم نحو الاختفاء والاندثار راضية مستسلمة وقد سلّمت أمرها لباريها، بالمقابل؛ نجد لغات أخرى تصول وتجول متحكّمة في مصير العالم، يُدوّن بها كلّ شاردة وواردة، ويُقيّد بها كلّ صغيرة وكبيرة في شأن من شؤون العالم، ولم يبق لها إلا أن تتكلم بها العجماوات.

هذا الوضع غير السوي في ميزان القوى اللغوية اللسانية في عالمنا المعاصر يستلزم دراسة متأنية لهذا الواقع المرير، وإعادة ترتيب الأولويات للحيلولة دون طمس هويات شعوب العالم وتذويبها، علماً أن القضايا اللغوية والعرقية قد عادت في الآونة الأخيرة بعد سقوط المعسكر الشيوعي، وانتصار الليبرالية الغربية وهيمنتها على الساحة الدولية، وتفكّك القوميات وتناحر العرقيات، والتنقيب من جديد عن الهويات والمرجعيات، في وقت تسعى القوى الغربية بما تمتلكه من منجزات علمية وتقنية إلى الترويج لرؤيتها للكون والحياة مستندة للفكر المادي الوضعي العلماني الذي بدا السائد في العالم، بالرغم من أنه يُدرك وجود جبهات معاكسة تقاومه في رؤيته ومشاريعه؛ وكان هذا المخاض إيذاناً بدخول حقبة من التاريخ رأى فيها بعض منظِّري العلاقات الدولية حقبة الحرب الحضارية، ما يعني العمل على إعداد الأسلحة الحضارية للمواجهة (اللغة - الثقافة الشعبية - التراث - الهوية)، هذه الصورة المشوّهة تتجلّى بوضوح وبشكل مكشوف في إفريقيا السمراء.

الوضع اللغوي في إفريقيا:

من المثير للدهشة في إفريقيا كثرة لغاتها وتنوع أجناسها وأعراقها واتساع أراضيها ووفرة خيراتها، في الوقت الذي لم تُترجم فيه تلك العوامل الجاذبة إلى معطيات جيوبوليتيكية ترغِّب بها وترهّب عند اقتضاء المصلحة، حيث يكاد ألا توجد لغة قومية وطنية رسمية فيها، أما على مستوى النظام الإقليمي الإفريقي فلا توجد سوى اللغة العربية، فضلاً عن حضور لغاتها على المستوى الدولي كلغات دولية، فكيف يمكن للمهتم بالشأن الإفريقي تفسير هذه الظاهرة فضلاً عن تسويغها؟

اللغات الإفريقية قادرة على مواكبة التطورات الإقليمية والدولية مهما قيل عنها

بل إن لغاتها مصنّفة على أنها لغات ميتة في مقابل لغة المستعمر الحية، إن موت اللغة وحياتها أمر نسبي يخضع لعوامل ذاتية وموضوعية تتسع وتضيق مدة بعد أخرى، والأقرب إلى منطق الصواب القول: لغة محلية وأصلية أو لغة أجنبية ودخيلة.

على أن هذا التصنيف يُفصح عن ماضي الاستعمار، ويشي بنظرية الاستعلاء والتفوق على الشعوب الأخرى سيراً على خطى أسلافهم من الرومان وغيرهم في تعاملهم مع الأجانب، وهذا من مخلَّفات الدراسات الأنثربولوجية التي كانت مدداً للاستعمار في تحقيق مآربه، والذي رأى في شعوب المنطقة مجرد مختبرات لأبحاثه، وقد تشكّلوا من الأساتذة الجامعيين والمختصين من أمثال دولافوس Delafosse وغيره، ويصدق عليهم قول الباحث السنغالي إمباي لو بشير: «مهندسي الفكر الاستعماري»[1].

وللتذكير؛ فإن البرتغاليين هم أول من احتكّوا بشعوب القارة في القرن الخامس عشر، فكان من الطبيعي أن تطرق مسامعهم لغات القوم الذين حلّوا عليهم من غير سابق إذن، لكنّهم لم يتناولوها بالدراسة؛ إذ كانوا معنيين أساساً باستعمار البلاد ونهب خيراتها وتوطيد دعائمهم، وكان الألمان هم من برعوا وحازوا قصب السبق في الدراسات اللغوية الإفريقية، وممن اهتموا بدراستها: وليام هاينريش بليك في مؤلفه (النحو المقارن للغات جنوب إفريقيا)، وكذلك كارل ماينهوف، وهو أول من طبّق المنهج التاريخي المقارن في دراسة اللغات الإفريقية[2]، وديتريش ويسترمان وكذلك كتابات الإنجليزي دوك، ومن أهم إسهامه في دراسة اللغات الإفريقية أن نادى باستخدام مصطلحات لغوية خاصة باللغات الإفريقية، مستقلة عن تلك التي تُستخدم في دراسة اللغات الأوروبية، باعتبار أن للأولى خصائص لغوية لا توجد في الثانية[3]، ثم تطوّرت الدراسات اللغوية الإفريقية بعد ذلك.

 وباختصار مرّت الدراسات اللغوية الإفريقية بمرحلتين:

1 - مرحلة الاستعمار:

وقد غلب عليها الطابع التبشيري التنصيري، وكان المتصدّرون لهذه الدراسات هم الموظفون الإداريون والمنصّرون، ونذكر هنا دولافوس، وهو من أبرز من تناول لغات هذه المنطقة من بين مجموع الإداريين الفرنسيين، حيث شملت أعماله عدداً كبيراً من هذه اللغات، ضمّنها مجلده الضخم (ألفاظ مقارنة لأكثر من60 لغة أو لهجة متحدّثة في ساحل العاج وفي الأقاليم المجاورة)[4].

2 - مرحلة ما بعد الاستعمار:

وقد اتسمت بارتخاء الطابع التبشيري برغم أنه لم يغب كلية عن هواجس المنصّرين، حيث أخذت البحوث مجراها الأكاديمي إلى حدٍّ ما ساهم في بلورة دراسات لغوية إفريقية.

ولأي شعب في العالم أن يتحدث بلغته الأمّ دون أن تُفرض عليه لغة أخرى، وتكتسي اللغات الأمّ طابعاً خاصاً، من حيث أنها توفّر للإنسان الأداة التي تمكّنه من البدء بالنطق تعبيراً عن العالم، كما توفّر له الرؤية التي تتيح له إدراك العالم للمرة الأولى[5]، فهي تعبير عن الوجود من داخل البيئة التي يعيش فيها، ومن هنا اختلفت الرؤى باختلاف الزاوية المنظور منها.

كان للغة العربية الفضل في إلهام كتابة اللغات المحلية بأبجديات عربية، وهو ما شهد به العديد من الباحثين وينطق به التاريخ

بناءً على ذلك؛ فإنَّ تمسك الشعوب بلغاتها الوطنية دليل استقلالها وحضور ذاكرتها الجماعية، وتمتعها بسيادة ثقافتها وتقاليدها وأعرافها، ومئنة تشبثها بماضيها، وبارقة أمل في تبوأ مكانتها اللائقة بها بين الأمم، وحسب رأي د. عبد الحميد أبو سليمان فإن قدرة الإنسان على الإدراك وقدرته اللغوية التي مكّنته من إيجاد الرموز وإطلاقها على المسميات (وهي الأسماء) وقدرته على استخدامها؛ إنما هي أصل قدرة الإنسان الحضارية والعمرانية[6]، فهي وعاء الحضارة وذاكرة المجتمع، وينبني على هذا أن سكان كلّ بيئة جغرافية أقدر على صياغة المصطلحات والمفاهيم التي تتناسب وبيئتهم، كونها تؤدي دوراً جوهرياً في تطوير المفردات وإصباغها معاني خاصة، كلّ لغة تُعَدّ مصدراً فريداً للمعاني اللازمة لفهم الواقع والتعبير عنه كتابة وشفاهة[7].

فتحديد اللغة الرسمية – عنوان الهوية – في أي مجتمع أمر مصيري، ولا ينبغي التساهل فيه تحت أي ظرف، فالمجتمعات التي استطاعت فرض لغاتها بالجدارة والاستحقاق وليس بالغلبة والقهر ظلّت متفاعلة مع محيطها الجغرافي مؤثّرة ومتأثّرة، مما ضمن لها الثراء والغنى بفعل الاحتكاك والتداخل الممتد عبر الزمان والمكان والأجيال، فاللغة سلّم ومرقاة إلى جميع العلوم، من لم يعلم اللغة فلا سبيل له إلى تحصيل العلوم، فإن من أراد أن يصعد سطحاً عليه تمهيد المرقاة أولاً ثم بعد ذلك يصعد[8].

على أنه جدير بالتذكير أن إفريقيا، قبل دخول المستعمر إليها وفرض هيمنته عليها بالحديد والنار اللذين استطاع بهما التحكّم فيها وإخضاعها لجبروته وطغيانه، كانت تعرف لغات محلية واسعة الانتشار، فمثلاً في غرب إفريقيا كانت لهجات مثل: الماندنكو، الفولانية، الهوسا، اليوربا، وفي شرق إفريقيا السواحيلية وغيرها، وفي الوسط السانجو والياوندي وفي الجنوب النيانجا، وهكذا كانت لغات إقليمية متداولة بين الساكنة التي تجمعهم روابط عرقية واجتماعية تتعزز بالمصالح والمنافع المتبادلة، مما جعل الاندماج يتم بشكل تلقائي، ومن هنا لم تعرف إفريقيا الحروب القبلية مثلما عرفتها بعد انتهاء الفترة الاستعمارية.

وقد كان للغة العربية الفضل في إلهام كتابة اللغات المحلية بأبجديات عربية، وهو ما شهد به العديد من الباحثين وينطق به التاريخ وتؤكده الوثائق وتبرهن عليه الكتابات والمؤلفات.. هذا، ولقد اتخذت اللغة العربية طريقها إلى إفريقيا في وقت مبكّر قبل ظهور الإسلام، وذلك بحكم العلاقات التجارية بين العرب وإفريقيا بحكم الجوار، ثم جاء الانتشار الواسع لهذه اللغة بعد انتشار الإسلام في إفريقيا، فأضحت اللغة العربية جزءاً لا يتجزأ من تراث هذه القارة[9].

إلا أن الاستعمار قوّض ذلك التواصل اللغوي وأخلَّ بالتوازن القائم، وقد سعى جاهداً إلى محاربة كلّ تراث في إفريقيا يمكن أن يفنّد مقولة الأوروبيين الذين ادَّعوا بأن الأفارقة لا حضارة لهم، وأنهم – هم الذين - أتوا لنشر رسالة حضارية، وهو الشعار الذي رفعوه، لكن الحقيقة كانت خلاف ذلك.

ولمّا كانت نفس الإنسان هي هويته، وهويته هي حصيلة ماضيه القريب والبعيد، أو قل التراث والتاريخ، ارتأى الاستعمار لنفسه نهج طمس هذا التاريخ ورفضه بأنّ «الشعوب السوداء لا مكانة لها في مسرح التاريخ»[10]، ومع ذلك لا يمكن إطلاقاً إقصاء شعب من التاريخ أو حرمانه من أن يعيش في تاريخه، ومن ثم أن يرويه لنفسه، لأنه يعيش فيه داخل وجدانه[11]، هكذا عاشت القارة أيام الاستعمار، فماذا جدّ بعد رحيله؟

مرحلة ما بعد الاستقلال:

ها هي ذي إفريقيا بعد خمسين سنة من استقلال أغلب دولها، لم يتسنَّ لها بعدُ فك الارتباط اللساني مع الغرب، وهذا القيد المتبقي من أغلال الحقب الاستعمارية هو ما يكرّس التبعية للدول الرأسمالية الغربية، لقد فتحت إفريقيا أعينها بعد الاستقلال، وبدأت تبحث عن شخصيتها وثقافتها ومقوّمات استقلالها، فوجدت نفسها تعلّم أبناءها بلغة غير لغتها، وتتصل بالعالم عبر لغات المستعمرين[12].

فالحقيقة أنَّها لم تحقق بعد استقلالاً لغوياً علمياً يضمن لها الوقوف على قدميها، بالأحرى المشاركة في السباق، فاليوم الذي تتكلم فيه بلسان قومها، وتعبّر به عمّا يجيش في صدرها ووجدانها، وتعمل على صياغته مشروعاً نهضوياً تأسيسياً، عندئذ ستبزغ شمس العافية، وتتماثل الجراح للشفاء، وربما صحّت الأجسام بالعلل.

ومن المفارقات أنه في الوقت الذي تكرّس فيه المعاهدات الدولية حرية التعبير والرأي، وتجعل من ذلك علامة من علامات المجتمع السوي، بل إن دولاً جعلت من شروط التعامل الدولي مع بعض دول العالم الثالث احترام هذا المبدأ؛ نجد أنها تفرض لغاتها على شعوب وأمم أخرى، ونسيت أو تناست أن أكبر قمع وحيلولة دون حرية الرأي والتعبير هو انتزاع اللسان الذي هو المعبِّر الحقيقي عن أي إنسان، وذلك بفرض لغات أجنبية عليه، لا تنتمي ولو إلى العائلة اللغوية نفسها التي ينحدر منها، إن أول شرط لحرية الرأي والتعبير هو امتلاك أدوات التعبير نفسها، وما من شك في أن اللغة تأتي على رأس القائمة، وإلا فما الجدوى من التشدق بهذا المبدأ؟ وهذا ليس دعوة إلى حرب اللغات بقدر ما هو سعي لانتزاع الاعتراف باللغات المحلية والوقوف أمام التجبّر اللغوي الإمبريالي، والانطلاق السليم نحو العوالم المتعدّدة، بدءاً من اللغة الأمّ وهو الطريق إلى رفض التبعية.

معادلة اللغة والتبعية:

تتشابه الدول الإفريقية بهذا الخصوص مع كثير من دول أمريكا اللاتينية في كون لغاتها القومية ليست هي اللغة الرسمية للبلاد، بخلاف العديد من دول جنوب شرق آسيا مثلاً، حيث إن أغلب دولها، وإن كانت اللغة الإنجليزية فيها متداولة على نطاق واسع في الحياة اليومية بشتى تجلياتها، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو حتى الثقافي، فإن لغاتها المحلية معترف بها رسمياً، ويتم التعامل معها على نحو يسعفها في البقاء على حلبة المنافسة، وإن كان عليها أن تتحمل الضربات واللكمات الموجهة إليها من قبل اللغات المنافسة، ومن هنا يطرح التساؤل الآتي: هل كان التخلي عن اللغات الوطنية في هذه البلدان وتهميشها السبب الحقيقي وراء أزمة التخلّف وأخواتها، أو أنه مجرد عامل مكمّل ومساعد على مثل تلك الأوضاع المزرية التي تئن تحتها تلك الشعوب المستضعفة؟

إن إبعاد اللغات القومية يعني إقصاء غالبية شرائح المجتمع في صنع القرار السياسي وبلورته، مما يخلّف أثراً سيئاً على مسلسل التنمية، إذ أن المواطن أدرى باحتياجاته وأقدر على تلبيتها، وهو أيضاً ما يتيح لتلك الفئة القليلة التسلط والنفوذ والتحكّم في مفاصل السياسة باسم الكفاءة والجدارة، ومستندهم في ذلك إتقان اللغات الأجنبية (كلمة السحر).

ومن يحاول قراءة ما تقوم به بعض البلدان الأوروبية تجاه مستعمراتها القديمة في إفريقيا لدعم لغاتها ونشره يدرك أن الأمر لم يعد مجرد دعم ومساندة فقط، وإنما تحول إلى مسألة حياة أو موت سياسي، فقد أعلن الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران في القمة الفرانكفونية 1989م بدكار أن فرنسا سوف تلغي الدَّين العام للبلدان الإفريقية الخمسة والثلاثين الأفقر، وهو 16 بليون فرنك في جملته، وفي المقابل يُنتظر من هذه البلدان أن تستمر في ضمان الدور المتفوق للغة الفرنسية في الحكومة والتعليم[13]، فهذه المقايضة التي تبدو على شكل مساعدة هي التي تستأصل شأفة التقدّم والتطوّر من جذوره، وتضع معادلة سياسية قوامها: مساعدة مقابل تبعية.

فما تنفقه فرنسا مثلاً على سياسات التعليم للغتها في بعض البلدان يؤكّد حيوية هذا المجال في بعده الدولي لفرنسا، وهو ما يضمن لها توسيع مدّها الحضاري فيما وراء البحار عبر من يتواصلون بتلك اللغة، وهذا يستلزم ردة فعل على مستوى التحدّي لهذا المسخ الحضاري من قادة اللغة لتلك السياسات الماكرة على مستقبل أبنائهم.

 والواقع أن اتفاقيات التعاون الثقافي، وإن سيطرت على خاصيات الجمهورية الإفريقية، فإن أبعادها كانت تقضي بحماية اللغة الفرنسية والسهر على انتشارها، ومن ثم مدّ النفوذ الفرنسي[14]، ففي هذه الحالات فإن القضايا اللغوية تتجاوز التواصل والتفاهم إلى التعبير عن دلالات الهيمنة والسيادة، واكتساح مساحات جيوسياسية.

اللغات المحلية استطاعت أن تلج عالم التكنولوجيا عن طريق مواقع الشبكة العنكبوتية، مثل: الهوسا والسواحيلية وغيرها

ربط اللُّغة بالوضع الحضاريِّ لمتحدِّثيها:

اللغات الإفريقية قادرة على مواكبة التطورات الإقليمية والدولية مهما قيل عنها، فكثير من لغات الغرب اليوم قبل قرنين من الزمان كانت مجرد لهجات، ولم تكن بأحسن حال من هذه اللغات في وضعيتها الراهنة، حدث كثيراً أن ازدهار الكتابة جرى بتبني المتحدثين بلغات عامية أسلوب الكتابة للغة احتكّوا بها، ليكتبوا لغتهم بحروفها، وفي حالة أوروبا الغربية بقيت اللاتينية زمناً طويلاً لغة العلم الأولى، ولكنها أزيحت للمرتبة الثانية وراء اللغات الأوروبية العامية بنهاية العصور الوسطى[15].

 لذا فإن اللهجات الإفريقية أيضاً قادرة على المضي قدماً في سبيل تحقيق حلم أبنائها، وذلك شرط الأخذ بالأسباب التي تساعد على بلوغ الأهداف الكبرى وفق خطة محكمة، تأخذ في الحسبان كلّ الاحتمالات التي يمكن ورودها، ومنها:

- العمل على إحياء التراث بكلّ أشكاله.

- تقعيد اللغات وتأصيلها، والاستفادة من تجارب اللغات التي طوّرت نفسها حديثاً.

- إحداث جائزة الآداب الإفريقية، وتشجيع الأدباء والترجمة.

- العمل على تقليل استعمال لغة المستعمر إلا في الحالات القصوى.

- تدوين الحكم والأمثال الشعبية، وتدريسها ابتداءً من المستويات الابتدائية.

- متابعة الجهود التي تم بذلها في هذا المجال وتطويرها.

- إنشاء أكاديمية إقليمية تعنى بالوضع اللساني للشعوب الإفريقية.

ولا ينبغي أن يفوتنا هنا التنبيه على أن اللغة هي الترجمان الحقيقي لواقع الناس، فهي ليست مستقلة وبعيدة عن هموم من يتكلمون بها وآمالهم، وإنما تتحرك في محيط لا يمكن فصل بعضه عن بعض، ما يعني أنه للنهوض باللغة لا بد من النهوض بالمجالات الأخرى، لأنها في نهاية المطاف ليست سوى انعكاس للبيئة الاجتماعية لأمّة من الأمم في لحظة من تاريخها الإنساني، ومرآة تجلي وجه صاحبها في مختلف سيرته البشرية، إنَّ اللغة كائن حيّ، يعتريه ما يعتري أيّ كائن من عوارض، ويخضع لتقلّبات الزمن نتيجة للتطورات التي تقع، وللمتغيّرات التي تحدث، وللمستجدات التي تطرأ، وحياة اللغة من حياة أبنائها، وهي تقوى أو تضعف حين يقوون أو يضعفون.

واللغة عنصر فاعل في الحضارة، وعامل مؤثّر في النهضة[16]، ولعل بعض اللغات المحلية استطاعت أن تلج عالم التكنولوجيا عن طريق مواقع الشبكة العنكبوتية، مثل: الهوسا والسواحيلية وغيرها، وهذا ما يدفع إلى رفض كلّ ترويج للغات الأجنبية.

الترويج لاستعمال اللغات الأجنبية:

يحاول بعض من أبناء القارة الإفريقية، ممن عصفت بهم أعاصير الحضارة الغربية، وغشي أعينهم بريق الفكر الغربي، الادعاء بأن استعمال اللغات الإفريقية لا يضمن التواصل بين شعوبها على حدّ ما يعتقده مروِّجو التبعية اللغوية، وأن تداولها قد يؤدي إلى نزاعات قبلية بين من يتكلمون عدة لغات مختلفة فيما بينهم، وهذا كلّه فزّاعة سياسية ينبغي ألا تخدع كلّ ذي لبّ، وهل خلت إفريقيا من تلك المشكلات؟ والحال أن لغاتها مغيّبة تماماً، فعلم من ذلك أن هذا الافتراض لا يعدو أن يكون مجرد مكيدة ودسيسة للتَّخويف، أليس النموذج الهندي في التعدّد اللغوي منا بقريب؟

علاوة على ذلك؛ فإن كلّ المجتمعات الإنسانية تعرف تباينات وتناقضات لغوية أو غيرها، وعمل النخبة السياسية ينبغي أن يتوجه إلى إيجاد الحلّ ورأب الصدع وتقليص الفجوة لتلك التناقضات، وليس أن يترك الباب مشرعاً لمن يتصيد ويتربص، بل يجب الوقوف دون من يريدون المتاجرة بمثل تلك القضايا.

ثم إن هذا التعدّد يكشف عن الكنوز التي تزخر بها القارة، فهو نعمة وليس نقمة، إن أُحسِنَ استثمارُه، وكثير من أبناء القارة يتكلّم أكثر من لغة، كما أنّ هذا التعدّد في بعض جوانبه كان من نتائج سياسة الاستعمار نفسه، حيث عمد موظفو الإدارة الاستعمارية والمبشِّرون الدينيون إلى رفع لهجات بسيطة إلى مرتبة اللغات، ورفع جماعات محلية صغيرة إلى درجة القبائل؛ لدواعي التسهيل الإداري أحياناً أو لأسباب التبشير الديني[17]، على أنه لا يوجد في العالم منطقة إلا وتعرف التعدّد اللغوي كثرة وقلّة، فها هي ذي أوروبا ممثلة في نظامها الإقليمي «الاتحاد الأوروبي» تربو فيه اللغات المتداولة على 20 لغة رسمية، تنتمي غالبيتها إلى العائلة الجرمانية، مع وجود لغات أخرى جهوية.

وغير بعيد من حال أوروبا اللغوية الصين، فهي تبرز مشهداً مماثلاً من حيث التعدّد اللغوي، ففيها لغات قومية متعدّدة، ولم يمنع ذلك من استخدام إحداها (اللغة الماندرينية) لتنمية البلاد وتطويرها، فهذا من الدروس البليغة التي يمكن أن تستفيد منها إفريقيا في تجربة الصين المعاصرة في بناء ذاتها بذاتها، وتلك أمثال لمن يدرسون التاريخ بقلوب واعية ملؤها تحقيق نهضة شاملة.

بعد هذا كله نتساءل: ما أنسب اللغات للقيام بهذا الدور؟ وهو مما لا ريب فيه مرتبط أساساً بالسياسات اللغوية للدول الإفريقية.

لغات الوصل والسياسات اللغوية:

هي مجموعة من الإجراءات التي تتخذها الدولة أو منظمة تجاه اللغات المتداولة في بلد أو مجموعة من البلدان قد يتم تبنيها بشكل رسمي أو بشكل عرفي يجري به العمل، ومهما كانت السياسات اللغوية المتبعة فإن هدفها الأسمى يتوقع منه أن يكون الحفاظ على وحدة البلاد وتماسك البناء الاجتماعي، فذاك مدار نجاح أي سياسة لغوية.

غير أنَّ واقع السياسات اللغوية في الدول الإفريقية يظهر من خلال ما هو ملموس أن الدول الإفريقية لم تنظر إلى هذه المسألة بعدُ بجدية، ولم تحسب لها حساباتها اللازمة، ولعلّه لا يلوح في أفق السماء اللغوية الإفريقية أي دولة تشق طريقها إلى تخطي هذه العقبة التي طالما كانت لها عواقب ذات حساسية على مستقبل القارة وأوضاعها الراهنة؛ باستثناء جنوب إفريقيا التي تُعَدّ من أكثر الدول الإفريقية تقدّماً واهتماماً بالسياسة اللغوية خصوصاً بعد الانتقال الديمقراطي الذي كان في التسعينيَّات، وتوّج بانتخاب نيلسون مانديلا رئيساً للبلاد، مما أدى إلى دَسْتَرَة اللغات واللهجات المحلية، وكثيراً ما كان التعليم مسرحاً للصراع بين التوجهات السائدة في بلد من البلدان، تمتطي ظهره طوائف على حساب طوائف أخرى لقطف ثمار سياسية، كما أن بعض المنظمات الدولية لم تكن استثناءً من هذا الأمر، وهو ما كان يحصل بالفعل في جنوب إفريقيا أيام الفصل العنصري.

تجدر الإشارة إلى أنَّه لا يتم تداول اللغات أو اللهجات المحلية في إفريقيا على درجة واحدة؛ من حيث المتحدثون بها أو من حيث تواجدها، ويمكن أن نميز بين ثلاثة أصناف:

1 - اللغة الرسمية: التي يتم النصّ عليها في دستور البلاد، وهي لغة النخبة الحاكمة والمثقفة بالدرجة الأولى، وتتداول بشكل محدود، ويتم بها نقاش اجتماع الوزراء، وتقديم نشرة الأخبار الرسمية من الدولة، والحديث بها في المحافل الدولية باسم البلد، وكذا على مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتكون واحدة من لغات الدول المستعمرة، وهناك دول لها لغتان رسميتان مثل الكاميرون (الإنجليزية والفرنسية)، وجزر القمر (العربية والفرنسية)، وأخرى ثلاث لغات وهي رواندا[18] (الفرنسية السواحيلية والرواندية)، وأغرب حالة في إفريقيا هي دولة جنوب إفريقيا التي تعترف بإحدى عشرة لغة.

2 - اللغة المشتركة: أو لغة التواصل بين غالب فئات الشعب، وقد لا يُعترف بها لغة رسمية كالولوف في السنغال، وكما هو الحال بالنسبة لبمبرا في مالي، بخلاف السواحيلية مثلاً في بعض دول شرق إفريقيا، وقد تتعدّد في الدولة الواحدة باختلاف الجهة الجغرافية في خريطة اللغات المحلية، أو باعتبار العنصر الأكثر انتشاراً فيها، هذا، وتتميز بكونها تكتسح الساحة اللغوية، وتشكّل جزءاً من الهوية، بل إنها تصل إلى حدّ أن تكون الفيصل بين السكان المحليين والوافدين عليها.

3 - اللغات الوطنية أو القومية المتبقية: وهي تلك التي لا تمتد على رقعة جغرافية كبيرة داخل البلاد، وهذا الأمر يختلف من قُطر لآخر، فقد تكون لغةٌ ما أقليةً في دولة وأغلبيةً في دولة مجاورة؛ بفعل المبضع الاستعماري الذي شقّ جسد القارة.

 بعد توضيح معالم السِّياسات اللُّغوية بإفريقيا يمكن الإجابة عن السُّؤال المطروح عن اللغات الإفريقية المرشحة للقيام بدور الجسر والوصل.. إنَّ ذلك يقتصر على بعضها دون بعض، واللغات الواسعة الانتشار لديها لهجاتها الخاصة، بها تقلّ وتكثر حسب اللغة، فقد تمّت الإشارة في تقرير التنمية البشرية الصادر سنة 2004 إلى وجود 15 لغة إفريقية هي الأكثر تداولاً بين باقي اللغات، يتكلَّمها حوالي 85% من سكان القارة بوصفها لغة أساسية[19]، منها مثلاً: الهوسا، اليوربا، الماندينكا، الفولانية، السواحيلية، والأمهرية، ونغوني، وتسوانا، وإيبو، ولوو، وكيتارا، وغيرها، ويمكن الانتقاء من بين هذه اللغات الأصلح والأسهل حتى تتم بها البداية وتنطلق المسيرة، ولو قدر لعلماء اللغة عبر الحدود القومية في إفريقيا جنوب الصحراء أن يعملوا معاً لتوحيد المفردات؛ لأمكن استخدام هذه اللغات في التعليم، لا للصفوف الثلاثة الأولى في المرحلة الابتدائية فحسب، بل للصفوف الأعلى في نهاية الأمر[20].

ويمكن للغة العربية بوصفها مكوناً أصيلاً من مكوّنات التراث الإفريقي أن يكون لها النصيب الأوفر، فقد أبانت عن صمودها في حفظ الذاكرة الإفريقية من النسيان، وقاومت الاستعمار بالتصدّي له علمياً وثقافياً، وها هي ذي اليوم تصاحب مسيرة الشعوب بعد الاستقلال، وهكذا استطاعت العربية برغم إزاحتها من الإدارة والتعليم الرسمي أن تتطور وتنتشر بفضل الدعم الشعبي خلال الفترة الاستعمارية[21].

معوقات تطوّر اللغات المحلية:

يمكن إرجاع عدم تطوّر اللغات المحلية إلى مجموعة من العوامل المتداخلة فيما بينها تارة، والمتمايزة أحياناً ما بين المحلي والجهوي والدولي.

1 - العامل المحلي:

يعتبر عامل عدم الاستقرار وغياب الأمن في إفريقيا إحدى المعضلات الأساسية التي تفت في عضد كل إصلاح وتحول دون بلورة وتطوير المشاريع أياً كان نوعها، وحتى تلك المتعلقة بقضايا الثقافة واللغة مما يجعل أي تفكير خارج طوق الأمن مسألة ترف، فلا تكاد تجربة بازغة ترى النور حتى تجهض من بدايتها وتوأد في مهدها، ولا تستمر من الوقت ما يكفي للحكم لها أو عليها، كذلك يُعدُّ غياب الاستراتيجية والرؤية الواضحة للسياسات اللغوية عاملاً مكملاً للفوضى اللغوية التي تعرفها القارة.

من العوامل السلبية المحليَّة أيضاً تغرُّب النّخب الحاكمة التي تعيش في انفصام تام عن محيطها الحضاري، فهي لا ترى في الإصلاح إلا نقل ما لدى الغرب واستنساخه، وتطبيقه بحذافيره وإن عفا عليه الزمن، فما دام منقولاً من الغرب فهو مقدّس ولا يطاله الخطأ، وإن ظهر عدم ملاءمته للواقع المراد تغييره يرون الخلل في الساهرين على تنفيذ ذلك البرنامج وليس فيما تمّ استيراده، وبعبارة وجيزة يرون الخلل في الممارسة والتطبيق وليس في الفكرة والنظرية.

2 - العامل الجهوي:

يتجلّى هذا العامل في عدم وجود رغبة جامحة، سواء من القادة السياسيين أو الأكاديميين، في البحث لهذه اللغات عن مواطئ قدم راسخة داخل المجال الإفريقي، وذلك بحجّة الخوف من التوترات والانقسامات، إن الانقسامات اللغوية الناجمة عن الإرث الاستعماري الإنجليزي والفرنسي والبرتغالي والإسباني في إفريقيا قد عملت بشكل متزايد كحواجز أمام تدفق المعرفة أفقياً عبر الحدود، وهو ما أدى إلى المزيد من تبعثر بحوث العلوم الاجتماعية الناشئة في إفريقيا بعد الاستقلال[22]، فالقارة تعاني انقساماً لغوياً مزدوجاً ناتجاً عن الواقع المحلّي الإفريقي، وآخر متولّد من اختلاف القوى الأجنبية الوافدة على القارة بثقلها التاريخي الاستعماري، وهو أحد الأسباب الحقيقية في تعميق الهوّة بين أبناء القارة الإفريقية، ويترتب عليه أن جنساً أو عرقاً ينتمي إلى قبيلة واحدة قد تجد نفسها مشتّتة بين لغات استعمارية متعدّدة، مثل الهوسا في نيجيريا والنيجر، فإنهم منقسمون بين الإنجليزية والفرنسية، في الوقت الذي تخسر فيه الهوسا مكانها في الأوساط الرسمية على أرضها وبين ذويها وفي عقر دارها، ومثل ذلك في مناطق أخرى في غرب إفريقيا، مثل الولوف في السنغال وغامبيا.

بل نجد دولة واحدة تُستخدم فيها لغتان استعماريتان، كحالة الكاميرون في شمالها وباقي المناطق فيها، ما بين الإنجليزية والفرنسية، فهذا الشتات اللغوي لا مسوّغ له في دولة نامية، ويحق للباحث أن يتساءل ماذا كانت محصلة هذه التعددية غير الطبيعية غير المساهمة في تقسيم المقسّم وتجزئة المجزَّأ، وقد لا يوجد ما يماثل ما يحصل في الكاميرون سوى ما في جنوب إفريقيا؟!

ومن المفارقة في ظلّ هذا الشتات اللغوي المفتَعل أن تنصبَّ جهود المجلس الإفريقي لتنمية بحوث العلوم الاجتماعية (كوديسريا) لتعزيز موقع البرتغالية ذات الوجود الضَّئيل في إفريقيا بمستعمراتها الصَّغيرة، إضافة إلى أنَّ بعضها تتحدَّث لغات إفريقية كبيرة، كحال السَّواحيلية بشمال موزمبيق[23]، ألم يكن الأحرى تقليص مساحات وجود اللغات الأجنبية إلى أكبر حدٍّ، باستبعاد البرتغالية ودعم اللهجات الإفريقية الأكثر انتشاراً، مما يوفر عليهم عناء موارد مالية وبشرية وفترة زمنية أقصر؟! فالسواحيلية ذات انتشار واسع في شرق القارة، بل هي اللغة الأولى السائدة من بين جميع اللغات، فهي لغة تتجاوز الأعراق والأوطان لتصبح إرثاً إنسانياً مشتركاً بين من يعيشون فوق تلك الأراضي، ما أهَّلها للانتشار في كلٍّ من الصومال وكينيا وتنزانيا ورواندا وزامبيا وجزر القمر ومدغشقر وزائير وبورندي، كما أضحت اللغة السواحيلية تُبث في إذاعات عالمية[24]، بكلمة واحدة هي لغة البر والبحر في شرق القارة.

وهذا يؤكّد مرّة أخرى أن الرجوع إلى اللغات المحلية، ولا سيما السواحيلية والهوسا، لم يعد خياراً بل ضرورة لغوية حضارية يفرضها الواقع وتشدّ من أزرها المصلحة.

3 - العامل الدولي:

نلمس ذلك العامل في التفوق العظيم للدول الاستعمارية التي فرضت لغاتها على مستعمراتها، وأمدّتها بالدعم والمساندة مما يرسخ بقاءها وتفوّقها، فمعظم القارة اتخذت من اللغة الإنجليزية والفرنسية قاسماً مشتركاً للتفاهم بين تنوعاتها الاجتماعية واللغوية الكثيرة[25]، كما كانت تدخلات المنظمات الدولية، مثل البنك الدولي خاصة خلال العقود الأخيرة، ذات آثار ملموسة، تهدف إلى توطيد دعائم الاقتصاد الرأسمالي الحر عبر المساعدات المخصّصة للتعليم.

وتأتي أهميَّة العامل الدولي في أن العالم يعرف بزوغ منظمات دولية وجهوية تعنى بقضايا العلم والمعرفة، مثل: منظمة الأمم المتحدة للعلم والثقافة والتربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة، وكذا المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية، وهي تحاول ملء الفراغ فيما يخص الجوانب العلمية كلّ حسب المرجعية التي تحكمه وتوجّه أهدافه.

عليه؛ فإنَّ من واجب اللغات المحلية الاستفادة من هذه الفرص الراهنة لتدفع بنفسها إلى الأمام.

مستقبل القارة لغوياً:

يبدو من خلال الخريطة اللغوية العالمية أن جزءاً لا يُستهان به من التراث الإنساني معرض للاختفاء بما فيها اللهجات الإفريقية بفعل سيل العولمة الجارف؛ إذا لم يتم تدارك الموقف بالأخذ بالأسباب التي تحُول دون ذلك، وقد تقدّم ذكر بعضها.

بيد أنه يمكن قراءة مستقبل إفريقيا للخروج من عتمة التبعية اللغوية واللسانية بالتسلّح بالعلم والمعرفة على مستوى شبابها الذين يشكّلون أغلبية سكانها، وهي ظاهرة صحية، ذلك أن تعليم الشباب وتسلّحهم بالعلوم هو أقوى مؤشّر على صحة القارة وتعافيها من جراحها التي استعصت على العلاج، وبمعالجة الجراح اللغوية الغائرة تكون إفريقيا قد قطعت منتصف الطريق للوصول إلى الهدف المنشود بالتصالح مع ذاكرتها واسترجاع ذكرياتها المجيدة.

* باحث سنغالي في العلوم السياسية.

[1] إمباي لو بشير: قضايا اللغة والدين في الأدب الإفريقي، مركز دراسات المستقبل الإفريقي القاهرة، الطبعة الأولى 1417م – 1996م، ص 38.

[2] يوسف الخليفة أبو بكر وآخرون: اللغات في إفريقيا، مقدمة تعريفية، ملتقى الجامعات الإفريقية، الخرطوم، 2006م، ص 22.

[3] المرجع السابق، ص 23.

[4] المرجع السابق، ص 30.

[5] إيرينا بوكوفا: رسالة المديرة العامة لليونسكو بمناسبة اليوم الدولي للغة الأمّ 21 فبراير 2011م، ص 1.

http://www.un.org/ar/events/motherlanguageday/pdf/DG11.pdf28/04/2011

[6] عبد الحميد أحمد أبو سليمان: الإنسان بين شريعتين، رؤية قرآنية في معرفة الذات ومعرفة الآخر، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى 1423م – 2003م، ص 9. 

[7] إيرينا بوكوفا، مرجع سابق، ص 1.

[8] السيد محمد عقيل بن علي المهدي: المنهج الفلسفي عند الغزالي وديكارت للوصول إلى الحقيقة، دار الحديث القاهرة، الطبعة الثانية (دون تاريخ)، ص 28.

[9] بابكر حسن قدماري: كتابة اللغات الإفريقية بالحرف العربي، جامعة إفريقيا العالمية، الخرطوم، الطبعة الأولى 2006م، ص 6.

[10] امباي لو بشير، مرجع سابق، ص 38.

[11] بوباكرباري: سنغامبيا: دفاع من أجل تاريخ جهوي، ترجمة: مصطفى أعشى وأحمد لقمهري سيفيس (هولندا) – مركز الدراسات الأفروآسيوية (البرازيل)، ص 25.

[12] يوسف الخليفة أبو بكر، مرجع سابق، ص 101.

[13] المرجع السابق، ص 133.

[14] عبد الحميد الصنهاجي: التعاون الفرنسي الإفريقي بين حيثيات التنظير وإكراهات التطبيق 1960م – 1990م، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، الرباط 2007م، ص 91.

[15] عثمان كان: المثقفون الإفريقيون المتحدثون بلغات غير أوروبية، ترجمة مركز البحوث العربية والإفريقية (القاهرة)، منشورات المجلس الإفريقي لتنمية البحوث الاجتماعية (داكار) 2005م، ص 40.

[16] الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري: مستقبل اللغة العربية.

http://www.isesco.org.ma/arabe/publications/avarabe/index.php27l0402011

[17] تقرير التنمية البشرية للعام 2004م، الحرية الثقافية في عالمنا المتنوع، ص 63.

[18] انظر:Stéphane rosière, géographie politique & géopolitique, ellipses Edition marketing, s.a ,2003 paris, p :67.

[19] تقرير التنمية البشرية للعام 2004م، الحرية الثقافية في عالمنا المتنوع، ص 63.

[20] المرجع السابق نفسه.

[21] السيد بكري درامي: حضور اللغة العربية في بلدان إفريقيا الفرنكفونية الواقعة جنوب الصحراء، ندوة الفرنكفونية والعالم العربي: حوار الثقافات، معهد العالم العربي جامعة الدول العربية 2000م، ص 111.

[22] وثيقة الخطة الاستراتيجية للفترة 2007م – 2011م، ص 11.

[23] انظر:Françoise le Guennec – Coppens et pat caplan, les swahili entre Afrique et Arabie, credu – Karthala, Edi 1991, p : 13 .

[24] بابكر حسن قدماري، مرجع سابق، ص 79.

[25] عاطف إسماعيل أحمد: الهوية العربية والإفريقية في مواجهة جديدة – لغوياً -، مجلة البحوث والدراسات الإفريقية، السنة الأولى، العدد السادس (الصيف) 1378م و.رـ 2010م، ص 22.