إسرائيل في إفريقيا

  • 11 -1 - 2012
  • تحرير المجلة

 

المؤلف: د. حسين حمودة مصطفى        

عـــرض: هاني عتمان

الطــبعة: الأولى – 1432هـ / يناير 2011م

الناشــر: مكتبة الشروق الدولية - مصر

)إذا استمر النمط الحالي للعلاقات الإسرائيلية الإفريقية على نفس الوتيرة الحالية، والعمق من التغلغل الإسرائيلي في القارة، واستسلم الإفارقة للواقع المفروض، وتهافت العرب على السلام، فسنكون على مشارف مرحلة جديدة من مراحل تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، تسود فيها الهيمنة الإسرائيلية على أغلبية القارة، ومن ثم سقوط النظام العربي الإقليمي، مقابل صعود النظام الإقليمي الجديد في «الشرق الأوسط الكبير»، و «القرن الإفريقي الكبير»، تحت الهيمنة الإسرائيلية الكاملة، المدعومة أمريكياً تحت تأثيرات النظام الدولي أحادي القطبية(.

بهذا التحذير؛ اختتم الدكتور حسين حمودة مصطفى دراسته التي حاز بها درجة الماجستير، والتي أسماها (إسرائيل في إفريقيا)؛ وذلك في تصوّره للرؤية المستقبلية للعلاقات الإسرائيلية الإفريقية، والتي بناها على مجموعة من المعطيات، والبيانات، والمعلومات الواقعية للنشاط الإسرائيلي داخل القارة الإفريقية.

تناول الباحث في دراسته العلاقات الإسرائيلية الإفريقية منذ عام 1948م، مع التركيز في الفترة من عام 1991م - 2006م التي أعقبت مؤتمر مدريد للسلام، وشهدت دفعة قوية في العلاقات بين إسرائيل وإفريقيا.

اشتملت الدراسة على سبعة فصول رئيسة:

في الفصل الأول:

ناقش الباحث المحددات الداخلية والإقليمية والدولية للعلاقات الإسرائيلية - الإفريقية، والتي تفسّر التوجّه الإسرائيلي نحو الاهتمام بإفريقيا، والتي يختلف الوزن النسبي لكلٍّ منها في المرحلة نفسها.

وكانت على رأس هذه المحددات الأهمية الاقتصادية والسياسية للقارة الإفريقية بالنسبة للدولة اليهودية التي نشأت في ظروف استثنائية، أهدرت فيها القيم والعدالة الدولية والإنسانية، تلك الظروف التي دفعتها نحو الاهتمام بخليج العقبة الذي يحقق لها اتصالاً بإفريقيا بوصفها نقطة ارتكاز فيما وراء الدول العربية، ومن ثم يسهل لها تصدير منتجاتها، والحصول على المواد الخام.

كما سعت إسرائيل من خلال تقوية العلاقات مع الدول الإفريقية إلى كسب الرأي العام الإفريقي إلى جانبها؛ لضمان خروجها من عزلتها السياسية المفروضة عليها من قبل الشعوب المجاورة الرافضة لوجودها.

الاقتصاد والسياسة هما عصبا (الأمن القومي)، بمعناه الشامل، والذي يمثّل الهدف الأول في التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي على جميع المستويات (السياسية والعسكرية والجغرافية).

ومن ثم برزت أهم محاور الاستراتيجية الإسرائيلية على الساحة الإفريقية متمثلة في:

1 - تأمين البحر الأحمر: والذي وضعت إسرائيل قدمها فيه منذ عام 1948م حين احتلت ميناء إيلات، ليصبح منفذاً لها، خصوصاً على القارة الإفريقية.

2 - التركيز في دول القرن الإفريقي: وبخاصة إثيوبيا التي تؤكد الإحصاءات وجود نحو خمسة عشر ألفاً من يهود الفلاشا ما زالوا يعيشون بها؛ بالرغم من تمكن إسرائيل من نقل معظم الفلاشا إليها.

3 - توطيد العلاقات مع دول حوض نهر النيل: والذي تعلقت به رغبة إسرائيل الدائمة في الحصول على مياهه؛ من خلال الضغط على صانع القرار المصري، نظراً لحساسية ورقة المياه في الاستراتيجية المصرية، وكان لإسرائيل دائماً الدور غير المباشر في صراع دول حوض النيل، مستفيدة من نفوذها الكبير في دول مثل إثيوبيا وكينيا ورواندا.

4 - أما عن البعد السكاني الديموجرافي: فإن سياسة تشجيع الهجرة اليهودية لإسرائيل بشكل عام تمثّل أحد محاور الاهتمام ببعض المناطق الإفريقية، حيث أولت إسرائيل اهتماماً بتهجير تجمعات يهودية من كل من إثيوبيا (الفلاشا)، وجنوب إفريقيا وزيمبابوي وكينيا، فضلاً عن استثمار استمرارية وجود تجمعات أخرى حتى الآن في إفريقيا لتحقيق المصالح الإسرائيلية الأخرى بشكل عام.

5 - ومن الناحية السياسية: أدركت إسرائيل بعد الانتكاسة الدبلوماسية التي تعرضت لها من الجانب الإفريقي حينما لم تُدع لمؤتمر باندونج عام 1955م، ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث أدان المؤتمر في بيانه الختامي احتلال إسرائيل للأراضي العربية، حينها أدركت أنها لا بد أن تكثف من نشاطها السياسي تجاه إفريقيا، والتي تحتل أهمية عالية في الأمم المتحدة من حيث قدرتها العددية، وهذا ما عبّر عنه بن جوريون عام 1960م بقوله: «إن الدول الإفريقية ليست قوية، ولكن أصواتها في المحافل والمؤسسات الدولية تعادل في قيمتها أصوات أمم أكثر قوة».

وساعد إسرائيل في هذا الشأن التغييرات الهيكلية التي شهدها النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز العولمة الأمريكية، وما صاحب ذلك من تغييرات في النظم الإقليمية، ومن بينها منطقة الشرق الأوسط، كل ذلك قد أضفى تأثيرات ملموسة على تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية.

6 - ومن الناحية الاقتصادية: فإن النظرة الإسرائيلية لأقطار القارة الإفريقية انحصرت في أنها أقطار متخلفة، وقابلة لغزوها اقتصادياً، واجتياح أسواقها واستثمار مواردها، واتضح ذلك جلياً في كلام وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق أبا إيبان في كلية الدفاع الوطني عام 1964م، أن مستقبل إسرائيل الاقتصادي سيعتمد إلى حد كبير على نشاطها الاقتصادي في الدول النامية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهذا بدوره يفرض عليها تطوير شبكة علاقاتها مع هذه الدول.

فالقارة الإفريقية بالنسبة لإسرائيل فرصة عظيمة لتنمية اقتصادها، فهي مورد للثروات الطبيعية، وأيضاً هي سوق ضخمة يمكن زيادة الصادرات الإسرائيلية إليه، ومنافسة المنتجات العربية.

كما تحكمت مجموعة أخرى من المحددات الإقليمية في مسار العلاقات الإسرائيلية الإفريقية المتمثلة في: وجود الجماعات اليهودية في إفريقيا، والتي أسهمت في دعم النفوذ السياسي الإسرائيلي، ويتضح ذلك من كلام إحدى المصادر الإسرائيلية: إن هناك علاقة متبادلة بين دولة إسرائيل واليهود ككل، ولهذا يجب التفكير بمنطق التجمع الإسرائيلي لليهود في العالم. فالاعتماد المتبادل بين اليهود خارج إسرائيل وداخلها بدهية مقبولة من قبل الحركة الصهيونية وإسرائيل، وهذه الفكرة ترتبط بتجميع يهود الشتات في إسرائيل.

كما تناول الباحث أيضاً أثر التحولات في مسار الصراع العربي الإسرائيلي في العلاقة بين إسرائيل والدول الإفريقية، حيث أثبت من خلال الوقائع التاريخية أن موقف الدول الإفريقية تجاه إسرائيل يتحدد وفق تطور العلاقات العربية الإسرائيلية أكثر مما يتحدد وفق العلاقة بين إسرائيل وإفريقيا، وهذا الوضع كان نتاج ثقل العرب السياسي والاقتصادي، وتنوع نشاطاتهم في القارة، وفي منظمة الوحدة الإفريقية.

إلا أن غياب المنافسة العربية داخل القارة، والذي عكسه عدم وجود سياسة عربية موحدة ذات أهداف واضحة تجاه القارة، استفادت منه إسرائيل استفادة كاملة في تحقيق وجود راسخ لها في إفريقيا.

 

أما المحددات الإفريقية التي أثرت في تلك العلاقة الإفريقية الإسرائيلية؛ فتمثلت في:

1 - جاذبية النموذج الإسرائيلي بالنسبة للحكومات الإفريقية حديثة الاستقلال: والتي كان تعاني ندرة الخبرة في التمرس بالحكم، وعدم إتقان اللعبة السياسية الدولية، في حين اطلاعها على النشاط الإسرائيلي المتشعب في كثير من نواحي الحياة العامة والخاصة، فقبلته كما هو نموذجاً يُحتذى، مقتنعة بجدواه على مختلف المستويات، وبرز ذلك الافتتان الإفريقي بالنموذج الإسرائيلي في العديد من التصريحات لقادة الدول الإفريقية في المحافل الخاصة والعامة، ومن ذلك ما قاله الزعيم الكيني توم مبويا: «إن أي إفريقي يزور إسرائيل سيُعجب لا محالة بالإنجازات التي حققتها في فترة وجيزة؛ رغم قحط أرضها، وشح مواردها الطبيعية، ولذلك فقد كنا جميعاً منتشين ومتشوقين للنسج على منوال تلك التجارب في بلادنا».

2 - كما أن إسرائيل كانت تدعم نفوذها في إفريقيا: بتشجيع جيل جديد من القادة الجدد الذين ينتمون إلى الأقليات في بلدانهم، ويرتبطون مع الولايات المتحدة - ومن ثم إسرائيل - بعلاقات وثيقة، من أمثال ميلس زيناوي في إثيوبيا، وأسياس إفورقي في إريتريا، وجون جارانج في جنوب السودان وغيرهم، وذلك بغية محاصرة الأمن القومي العربي، لا سيما في امتداده المصري السوداني وفق استراتيجية حلف المحيط، أي إقامة تحالفات مع الدول والجماعات الإثنية والدينية المعادية للعرب من ناحية، ومن ناحية أخرى الاستفادة من وجودها في المنطقة للتلويح بورقة المياه في مواجهة السياسة المصرية.

3 - كما استغلت إسرائيل حاجة الدول الإفريقية إلى العون الاقتصادي والعسكري: وتقدمت فاتحة ذراعيها عارضة المساعدة والخبرة ورؤوس الأموال والقروض، الأمر الذي جعل الحكومات الإفريقية تسارع لعقد الاتفاقيات معها.

4 - وربطت علاقة قوية، منذ نشأة إسرائيل عام 1948م، بينها وبين دولة جنوب إفريقيا: والتي كانت تشترك مع إسرائيل في كثير من الأوصاف التي قرّبت بينهما، فكلتاهما دولة ذات طابع عنصري، ويربطهما علاقات وطيدة ومصالح مشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك يتشابهان في طبيعة التهديد الذي تتعرضان له، والمتمثل في الجماعات السرية المسلحة، والصعوبة الشديدة التي يجدها حلفاؤهما في تقديم الدعم لهما بصفة علنية بسبب وصمة التمييز والتفرقة التي لحقت بهما، لذا اتجهت الدولتان إلى تقوية العلاقات بينهما على الرغم من تعرضهما للانتقاد.

وكان أكبر الدوافع الإسرائيلية لتقوية العلاقة بينها وبين دولة جنوب إفريقيا العنصرية؛ أنه سيجعل منهما أقوى دولتين على طرفي القارة؛ مما يضمن إحكام قبضتيهما كطرفي كماشة على دول إفريقيا السوداء؛ تحد بشدة من النمو الاقتصادي والإرادة السياسية المستقلة لهذه الدول، وينتج عن ذلك ضمان إسرائيل لإحباط أي محاولة لتفعيل التصويت الإفريقي في الأمم المتحدة تهدف إلى عزل إسرائيل، خصوصاً في ظل المصالح المشتركة التي أخذت تربط بين إسرائيل وباقي الدول الإفريقية.

حتى بعد زوال نظام الحكم العنصري في جنوب إفريقيا؛ قام الرئيس السابق لجنوب إفريقيا (نيلسون مانديلا) بزيارة لإسرائيل عام 1999م، وفيها أكد ضرورة استمرار العلاقة المتنامية بين إسرائيل وجنوب إفريقيا، وأنه رفع لواء السلام مع العديد من الأشخاص الذين كانوا يتعاونون مع النظام العنصري الساقط، وقال مسوغاً: «إذا كانت إسرائيل قد تعاونت مع نظام الأبرتايد؛ فإنها لم تشارك في أي من جرائمه البشعة».

واستقرت سياسة جنوب إفريقيا تجاه الشرق الأوسط على حل المشكلة الفلسطينية بالطرق السلمية، واحترام القانون الدولي، مع الاحتفاظ بالعلاقات مع إسرائيل، ومن هنا نجد أن جنوب إفريقيا ما زالت شريكاً اقتصادياً مهماً لإسرائيل.

وفي الفصل الثاني من البحث:

عرض الباحث الأهداف الإسرائيلية العامة في إفريقيا؛ حيث حدّد الباحث ستة أهداف أساسية وراء حرص إسرائيل على إقامة علاقات قوية بينها وبين العديد من دول القارة الإفريقية، وهي:

1 - التأثير في الأمن المائي والغذائي العربي: فهي تستخدم الماء وسيلة للضغط على الدول العربية الإفريقية، وعلى رأسها مصر والسودان اللتين تعد قضية المياه بالنسبة لهما قضية مصير وحياة أو موت، ومن ثم فإن التنسيق الإسرائيلي مع دول منابع النيل الأخرى، وبخاصة إثيوبيا وأوغندا والكونغو المديمقراطية، يمثّل تهديداً للمصالح المصرية والسودانية بشكل لا يحتمل التأويل.

2 - الحفاظ على مصالح إسرائيل في البحر الأحمر: والذي يحظى من إسرائيل باهتمام بالغ؛ دلل عليه بن جوريون حين وصف ميناء إيلات بأنه «موت وحياة إسرائيل»؛ حيث إنه يوصف بأنه بوابة إسرائيل إلى كل من آسيا وإفريقيا.

كما أن البحر الأحمر يمثل لها نقطة تجسس مهمة على العديد من الدول العربية الواقعة على محيطه، بالإضافة إلى تأمين تجارتها، وإمكانية القيام بدور الوسيط في تسويق الصادرات الإفريقية عبر البحر الأحمر.

وتاريخ اهتمام إسرائيل بالبحر الأحمر والسيطرة الملاحية فيه طويل، وصل إلى حد الإصرار على شق قناة تربط بين البحر الأحمر والبحر الميت، ومن ثم مدها إلى موانئ إسرائيل على البحر المتوسط، لتكون قناة منافسة لقناة السويس من جانب، ومن جانب آخر تخدم المصالح الإسرائيلية السياسية والعسكرية والاقتصادية.

3 - إضعاف التأييد الإفريقي للقضايا العربية، وكسب الرأي العام الإفريقي إلى جانبها: خصوصاً في قضايا الصراع الساخنة، الأمر الذي قد يُفقد العرب رصيداً كبيراً من التأييد السياسي لهم، بحكم الثقل التصويتي لدول القارة في المنظمات الدولية، ومما يدلل على عظم النفوذ الإسرائيلي داخل إفريقيا؛ أن عدد الدول الإفريقية غير العربية التي أيدت قرار اعتبار الصهيونية إحدى صور العنصرية والتمييز العنصري عام 1975م، في إطار الأمم المتحدة، لم يزد على 20 دولة، في حين عارضته 5 دول إفريقية، وامتنعت 12 دولة عن التصويت، وهذا معناه أنه حتى في ظل المقاطعة العربية لإسرائيل اتخذت 17 دولة إفريقية مواقف متباينة - معارضة أو ممتنعة - في غير صالح القرار.

4 - الربط الإيديولوجي والحركي بين إسرائيل وبعض الحركات والجماعات الإفريقية: مثل حركة الجامعة الإفريقية والزنوجية، والتي حاكتها الصهيونية العالمية في عدة أوجه، منها: الزعم بخضوع كل من اليهود والأفارقة الزنوج لاضطهاد مشترك، فكلاهما ضحية للاضطهاد - بزعمهم -، وللاثنين ماض مؤلم، وأنهما ضحايا التمييز العنصري، حتى إنه منذ أواخر القرن العشرين، ومع أخذ الحركة الصهيونية وحركة الجامعة الإفريقية إطارهما التنظيمي، فقد أُطلق على حركة الجامعة الإفريقية اسم «الصهيونية السوداء»، وأُطلق على أحد زعمائها، وهو «ماركوس جارفي»، اسم «النبي موسى الأسود». وكان من أهم الأهداف وراء هذا الربط الإيديولوجي بين الحركتين مواجهة الإسلام في إفريقيا من جهة، وضرب العلاقة بين حركة التحرير العربية والإفريقية من جهة أخرى.

5 - تدعيم العلاقات الاقتصادية مع الدول الإفريقية: وفتح أسواق إسرائيلية بها لطاقاتها وإمكاناتها الإنتاجية والفنية على نحو يؤدي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية، مع زيادة التبادل التجاري، وضمان مورد مهم من الخامات، وخلق مجالات عمل جديدة للخبرات الفائضة لديها.

6 - المساعدة على تنفيذ السياسات الغربية في إفريقيا: بناء على أن إسرائيل هي الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة والدول الغربية، والمنفذ لسياستها؛ حيث تعمل كحلقة اتصال أو وسيط بين الدول الغربية وإفريقيا؛ بما يساهم في دعم العلاقات الغربية والأمريكية مع الدول الإفريقية في مختلف المجالات.

وعرض الكاتب في الفصل نفسه لتاريخ العلاقات الإسرائيلية الإفريقية منذ عام 1948م:

كانت أهم مرحلة فيها هي الفترة ما بين (1979م - 1991م)، حيث بدأت في تلك الحقبة مرحلة (التنافس العربي الإسرائيلي) في مجال العلاقات مع إفريقيا، بعد التوقيع المصري على اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر 1978م، ومعاهدة السلام مع إسرائيل في مارس 1979م، والتي أنهت حالة الحرب بين البلدين، واعترفت بحق إسرائيل في حدود آمنة؛ إذ تهيأت لإسرائيل نتيجة لهذه الخطوة ظروف أفضل للتحرك في الممرات الدولية، وبخاصة البحر الأحمر، إضافة إلى إمكانية كسر العزلة على المستوى الإفريقي.

وخلال فترة الثمانينيات؛ استخدمت إسرائيل جميع الأدوات المتاحة لإقناع الدول الإفريقية بإنهاء المقاطعة الدبلوماسية معها، وكان البحث عن شريك دبلوماسي مهمة تفوق أي اعتبارات، وكانت إسرائيل على استعدد لمكافأة القادة الأفارقة على استئناف العلاقات الدبلوماسية معها؛ من خلال تدريب قوات الأمن الخاصة بدولهم، بالإضافة إلى حراسهم الشخصيين، فضلاً عن ممارسة الضغوط على الولايات المتحدة تحقيقاً لمصالحهم، وقد آتت هذه الاستراتيجية أكلها، وحققت أهدافها بشكل كبير.

ومنذ عام 1991م وحتى عام 2001م؛ شهدت العلاقات الإسرائيلية الإفريقية مرحلة (العودة وتطبيع العلاقات)، فمع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر / 1991م شهدت العلاقات الإسرائيلية الإفريقية دفعة قوية؛ إذ نجحت إسرائيل في استئناف علاقاتها الدبلوماسية مع عدد كبير من الدول الإفريقية.

ولم ينته العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (2010م) حتى نجحت إسرائيل في استئناف علاقاتها مع 43 دولة إفريقية، على مستويات دبلوماسية مختلفة (سفارة، قنصلية، مكتب اتصال، مكتب مصالح)، في ظل التوحد الإيديولوجي والعقدي الأمريكي الإسرائيلي منذ عام 2010م.

وخلاصة القول: أن هناك خصوصية للتعامل الإسرائيلي مع إفريقيا؛ حيث ينفرد هذا التعامل بدرجة عالية من الخصوصية، تشبه عملية البناء المعماري، وتتكون من ثلاث مراحل:

أولاها: تسوية الأرض ووضع الأساس: وتتمثل في الربط الإيديولوجي والحركي بين إسرائيل وحركة الجامعة الإفريقية والزنوجية، وغيرها من الحركات الإفريقية.

ثانيها: مرحلة البناء: وتتمثل في تدعيم أنظمة الحكم المتعاونة والموالية لإسرائيل في القارة، وتوسيع دور حركات المعارضة في الدول غير الموالية لإسرائيل؛ لنشر حالة من عدم الاستقرار السياسي.

ثالثها: مرحلة التجميل: وتتمثل في تقديم إسرائيل عروضاً سخية من المساعدات المادية والعينية للدول الإفريقية؛ حتى تبدو في نظر هذه الدول نموذجاً للتقدم والتنمية الديمقراطية.

وفي الفصل الثالث:

عرض الباحث للعلاقات السياسية التي تربط بين إسرائيل والدول الإفريقية، مبتدئاً بمصر التي أفرد لها مبحثاً مستقلاً، يستعرض تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين البلدين خلال الفترة (1991م - 2005م).

ثم ثنّى بالكلام عن العلاقات السياسية الإسرائيلية مع أبرز دول شمال إفريقيا، ودول شرق إفريقيا ووسطها، ودول غرب إفريقيا، ودول الجنوب الإفريقي.

وختم هذا الفصل بالمبحث الثالث: الذي عرض فيه لتاريخ العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية الإفريقية.

الفصل الرابع:

وخصص الباحث الفصل الرابع لعرض العلاقات العسكرية والأمنية (الإسرائيلية - الإفريقية)، حيث أثبت من خلال العرض محاولة إسرائيل الدائمة للتغلغل في القارة من خلال تدعيم الأنظمة الموالية لها عسكرياً وأمنياً، الأمر الذي اتضح في مدى عمق العلاقات الإسرائيلية مع دولتي (إريتريا وأوغندا) وجيش تحرير جنوب السودان، وأخيراً تدعيم حركات التمرد في كوت ديفوار ودارفور بالسودان.

وكان لإسرائيل أهداف ترنو إلى تحقيقها من خلال التعاون العسكري مع الدول الإفريقية، منها:

1 - بناء عوامل الثقة وتوثيق علاقات التعاون الإسرائيلي مع الدول الإفريقية: على جميع الصعد لخدمة المصالح القومية، والتي يأتي في مقدمتها: تلبية مطالب الأمن القومي الإسرائيلي متمثلاً في الهجرة اليهودية، وربط الجاليات اليهودية بالدولة الإسرائيلية، وتأمين تلبية احتياجاتها مع الموارد الاستراتيجية، وتوفير الأسواق والعمالة والخبرة.. إلخ.

2 - العمل على اختراق القياديات الإفريقية: وذلك بإيجاد عناصر عسكرية تدين بالولاء لإسرائيل، لخدمة مصالح حلفائها الاستراتيجيين من الغرب وأهدافهم، وبخاصة الولايات المتحدة، وكسب الأصوات الإفريقية لمصلحة مواقفها في المحافل الدولية والإقليمية، خصوصاً فيما يتعلق بقضية الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك تقزيم النشاط العربي على الصعيد الإفريقي، وتشتيت الجهود العربية في مواجهة التحديات الأمنية بالشرق الأوسط، من خلال إثارة قضايا أمنية، مثل (مشكلة المياه في الجزر بجنوب البحر الأحمر).

3 - محاولة الحصول على تسهيلات عسكرية في دول القارة: كاستخدام القواعد الجوية أو البحرية.

4 - تطويق الدول العربية: بحزام من الدول الإفريقية الموالية لإسرائيل.

5 - تهديد العمق الاستراتيجي الطبيعي للدول العربية الإفريقية وحرمانها منه: من خلال الحصار الإفريقي المناهض للعرب الأفارقة.

وقد استخدمت إسرائيل ثلاث استراتيجيات أساسية للتعاون العسكري بينها وبين الدول الإفريقية، وهي:

1 - التأهيل النفسي للقبول بالوجود الإسرائيلي: عن طريق الدراسات النفسية عن المجتمع الإفريقي، لتوفير مناخ يتيح قناعة القيادات الإفريقية بحيوية الاعتماد على إسرائيل وأهميته في إعداد قاداتها العسكريين.

2 - الدراسة الدقيقة للواقع الإفريقي: من خلال توفير قاعدة المعلومات الدقيقة عن دول القارة، والمتابعة المستمرة للمتغيرات وتطورات الأحداث؛ بما يسمح بسرعة اتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب.

3 - تقسيم القارة الإفريقية إلى مجموعة من دوائر الاهتمام: وفقاً لأسبقيات الأهداف؛ تحقيقاً لأقصى مردود إيجابي للحركة الإسرائيلية بالقارة الإفريقية.

وفي الفصل الخامس:

عرض الباحث (العلاقات الاقتصادية الإسرائيلية - الإفريقية)، والذي أثبت فيه سعي إسرائيل لتدعيم مركزها الاقتصادي بالاستفادة من علاقاتها مع الدول الإفريقية النامية، وفي أثناء سعيها ذلك فهي ترسم لنفسها صورة النموذج، وتضرب بنفسها المثل على إمكانية التقدم الصناعي والسياسي والاجتماعي.

أما عن أهداف النشاط الاقتصادي الإسرائيلي في إفريقيا، فهي:

1 - كسب دعم، أو على الأقل تحييد، الدول الإفريقية المستفيدة من المساعدات والخبرات الإسرائيلية.

2 - توفر إفريقيا لإسرائيل إيجاد فرص عمل للأيدي الفنية الفائضة عن حاجتها.

3 - كما أنها توفر الخامات التي تعد إسرائيل في أمس الحاجة إليها في صناعاتها، وكذلك فإفريقيا توفر أسواقاً جديدة تسمح لإسرائيل بالتوسع في إنتاجها.

4 - وأخيراً: فإن أي نجاح اقتصادي لإسرائيل في إفريقيا يعني خطوة في الطريق إلى كسر طوق المقاطعة الاقتصادية العربية المفروضة عليها.

وفي الفصل السادس:

تحدث الباحث عن (العلاقات الثقافية والاجتماعية الإسرائيلية - الإفريقية)؛ بيّن من خلاله أن اهتمام إسرائيل لم يقتصر فقط على توطيد علاقاتها مع الدول الإفريقية على الصُّعُد السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، بل تعداها إلى العلاقات الثقافية والاجتماعية، والتي ركزت فيها إسرائيل في نشر ثقافاتها المتعددة - سواء التقليدية أو غير التقليدية - في بلدان القارة، والتي تتمثل في بلورة بعض المداخل التقليدية للعلاقات، وصياغتها في أشكال جديدة وأطر متنوعة، من أبرزها:

1 - المدخل الثقافي الجغرافي: من خلال المشروع الإسرائيلي الخاص بما يُسمّى (الأخدود الإفريقي العظيم).

2 - المدخل البحثي: المتمثل في مشروعات التعاون الإقليمي للشرق الأوسط.

3 - المدخل العقدي: الذي يتمثل في ترويج مذهب الصهيونية المسيحية في إفريقيا؛ من خلال نشاطات الجماعات اليهودية الإفريقية.

4 - المدخل الرياضي: المتمثل في معسكرات كرة القدم الإسرائيلية ومدارسها في بعض الدول الإفريقية.

بالإضافة إلى العلاقات الاجتماعية بأشكالها المختلفة.

ولم تختلف كثيراً الأهداف الإسرائيلية من وراء نشاطاتها الثقافية والاجتماعية في إفريقيا عن الأهداف المذكورة في الأهداف من وراء النشاط الاقتصادي؛ من حيث أنها تسعى إلى:

1 - العمل على قبول إسرائيل، وإقناع الرأي العام بحقها في الوجود.

2 - إقناع الشعوب الإفريقية بأهمية إسرائيل بالنسبة لها.

3 - العمل على الإضرار بالعلاقات العربية الإفريقية في جميع المجالات.

4 - حصار الدول العربية الإفريقية، واكتساب مواطئ أقدام في دول حاكمة أمنياً، مثل: إثيوبيا وإريتريا وأوغندا وكينيا والسودان.

5 - إجهاض محاولات الدول العربية في العمل على حصار إسرائيل سياسياً واقتصادياً وأمنياً وثقافياً.

في الفصل السابع والأخير:

ناقش الباحث قضية (السلوك التصويتي الإفريقي تجاه قضايا الصراع العربي الإسرائيلي)، حيث بيّن أن إسرائيل تحرص منذ بدء علاقاتها بالدول الإفريقية على الفصل بين مستوى علاقاتها بالدول الإفريقية ومستوى الصراع العربي الإسرائيلي، على أساس أن إفريقيا أصبحت أحد ميادين المواجهة في هذا الصراع، كما أنها تحرص من ناحية ثانية على الفصل بين مستوى العلاقات الدبلوماسية ومستوى العلاقات الاقتصادية والثقافية.

 ولذلك حينما تم قطع العلاقات الدبلوماسية من قبل الدول الإفريقية، كانعكاس لتطورات الصراع العربي الإسرائيلي، لم تتأثر علاقات إسرائيل الاقتصادية والثقافية بالدول الإفريقية، بل العكس من ذلك سجّلت تقدماً مطرداً على الرغم من المقاطعة الدبلوماسية الممتدة بين الطرفين منذ حرب أكتوبر 1973م!

التصورات المستقبلية (سيناريوهات) للعلاقات الإسرائيلية الإفريقية في المدى المنظور:

في ضوء هذه الدراسة؛ توقّع الباحث تصورات مستقبلية للعلاقات الإسرائيلية الإفريقية في المدى المنظور، تكاد أن تشي بها تطورات الأحداث عبر مختلف مراحل العلاقات التي تناولها في بحثه.

وهذه التصورات هي:

التصور الأول:

يمثّل هذا التصور الامتداد المنطقي للتطورات الراهنة للعلاقات الإسرائيلية – الإفريقية، والتي تم رصدها في هذه الدراسة، فإذا استمر النمط الحالي لهذه العلاقات على نفس الوتيرة الحالية، والعمق من التغلغل الإسرائيلي في القارة، واستسلم الإفارقة للواقع المفروض، وتهافت العرب على السلام؛ فسنكون على مشارف مرحلة جديدة من مراحل تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، وهي مرحلة الهيمنة الإسرائيلية على أغلبية دول القارة، ومن ثم سقوط النظام العربي الإقليمي، مقابل صعود النظام الإقليمي الجديد المتمثل في مشروع «الشرق الأوسط الكبير».

التصور الثاني:

يمثّل هذا التصور مسار العلاقات الإسرائيلية - الإفريقية، فيما لو طرأت تطورات غير جذرية على نسق العوامل التي أدت إلى تطور هذه العلاقـات، لا سيما العوامل الدولية، بمعنى أن تخفف الولايات المتحدة الأمريكية من درجة مساندتها المطلقة للسياسة الإسرائيلية وكثافتها، في حالة استفادة الأفارقة من تناقض المصالح، وتشابك العلاقات الدولية بين القوى الكبرى، خصوصاً الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، بهدف تحقيق نوع من التوازن والتكافؤ مع إسرائيل المدعومة أمريكيّاً، وفي هذه الحالة ستتضاءل وتيرة تطور العلاقات الإسرائيلية، وستعتمد إسرائيل على أدوات «القوى المستترة -Latent Power » في تغلغلها في القارة الإفريقية، وتكون الأوضاع  -يومئذٍ - على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب».

التصور الثالث:

ويمثّل هذا التصور المسار الذي يمكن أن تنحاه العلاقات الإسرائيلية الإفريقية؛ فيما لو تنبهت الدول الإفريقية والعربية إلى مخاطر التغلغل الإسرائيلي في القارة على أمنها القومي، ومجالها الحيوي، ودورها الإقليمي، وتبنّت استراتيجيات فاعلة:

محورها الأول: تعرية الأساطير والأكاذيب التي تروجها إسرائيل كغطاء لتغلغلها في القارة، ولا سيما العَقَدِيَّة منها والثقافية.

ومحورها الآخر: تنشيط التعاون العربي - الإفريقي في جميع المجالات، من خلال رفض إفريقي عربي شامل للتسويات السياسية الناقصة وغير المتوازنة، والعمل العربي - الإفريقي المشترك على وقف الهرولة، والاستسلام للهيمنة الإسرائيلية، استغلالاً لحاجة إسرائيل الماسَّة إلى السلام المتعجل، وحينئذ ستنحسر العلاقات الإسرائيلية - الإفريقية نسبياً.

وهذا التصور مستبعد في المدى المنظور.

ثم قال الباحث مرجحاً بين هذه السيناريوهات: (وبقدر ما يبدو التصور الثالث بعيداً – وفق معطيات الأوضاع المتدهورة على الصعيدين العربي والإفريقي – بقدر ما يكون التصور الأول قريباً وفقاً لنفس المعطيات، ويظل التصور الثاني هو الأقرب لمنطق المصالح الوطنية والقومية في المستقبل القريب؛ لو غلبَت المصلحة القومية).