أوروبا وتخلُّف إفريقيا: قراءة نقدية لأبرز الأطروحات الفكرية لوالتر رودني

  • 24 -1 - 2019
  • جهاد عمر الخطيب


إعداد: جهاد عمر الخطيب

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية- وباحث ماجستير بالشؤون الإفريقية

يُعَدّ «والتر رودني» واحداً من أبرز المفكرين، ذوي الأصول الإفريقية، الذين أفنوا حياتهم في دراسة قضايا القارة الإفريقية بغية إيجاد حلولٍ لمشكلات الواقع الإفريقي؛ المنبثقة بصفةٍ أساسية عن الحقبة الاستعمارية التي أحدثت قطيعةً في صيرورة التطوُّر السياسي والاجتماعي والاقتصادي لدول القارة.

وليس هذا فحسب؛ فقد جرَّدت الحقبة الاستعمارية الدول الإفريقية من إمكانات تطوّرها ومقوّمات تنميتها؛ كي تستمر العلاقات بين الدول الإفريقية والقوى الاستعمارية على شاكلتها غير المتكافئة، الأمر الذي سيشكِّل حجر عثرة أمام التحرُّر الكامل للقارة والفكاك من أسر التبعية للقوى الإمبريالية، التي تمثِّل الرأسمالية في أعتى صورها- حسبما ارتأى رودني-.

وعلى الرغم من قِصَر حياة رودني (1942-1980م)؛ فإنها كانت حياةً حافلةً على المستويَيْن الأكاديمي والعملي، فضلاً عن انخراطه في أوساط الطبقة العاملة في مسقط رأسه جمهورية جويانا التعاونية، وتأسيسه لائتلاف الشعب العامل Working People's Alliance بغية توحيد مختلف قطاعات الطبقة العمالية، والتأكيد على قوة الشعب في مواجهة أيّ سلطة، وكان نتاج ذلك أنْ قدَّم رودني حياته ثمناً لأطروحاته الفكرية ونضاله على المستوى الفكري والحركي.

وعلى هدي تلك المقدمة؛ جرى تقسيم هذه الورقة البحثية إلى محاور ثلاثة؛ إذ تناول المحور الأول: سياقات المولد والنشأة، والتي كان لها عظيم الأثر في فكر رودني والمنظور الذي تبنَّاه في تعاطيه مع قضايا الواقع الإفريقي وإشكالياته. أما المحور الثاني: فقد سلَّط الضوء على أبرز الأطروحات الفكرية لرودني، والمتمثِّلة في كتابه (أوروبا والتخلُّف في إفريقيا)How Europe Underdeveloped Africa . وتُخْتتم الورقة بملاحظات حول الأطروحات التي تضمَّنها الكتاب فيما يتصل بالسياق الذي كُتِب في إطاره هذا العمل، والمنهج الذي أمكن لرودني الركون إليه، فضلاً عن تبيان أبرز المفاهيم الجديدة التي طرحها الكتاب.

المحور الأول: سياقات المولد والنشأة:

ليس بالإمكان التطرُّق إلى رؤى والتر رودني وأطروحاته الفكرية دونما تسليط الضوء على السياقات التي ارتبطت بنشأته، وكذا التعليم الذي تلقَّاه، إلى جانب الأخذ في الاعتبار بنية النظام الدولي آنذاك وأنماط التفاعلات الدولية السائدة، ولهذه العوامل قاطبةً عظيم الأثر في التكوين النفسي والأيديولوجي لرودني.

أ- نبذة عن نشأة رودني وتعليمه: النبوغ المبكر والتدرُّج الأكاديمي:

وُلِد رودني في مدينة «جورج تاون» بجويانا، في الثالث والعشرين من مارس لعام 1942م، وقد كان والداه ينتميان للطبقة العاملة فضلاً عن انخراطهما في العمل السياسي؛ إذ كانَا عضوَيْن بحزب سياسي وهو حزب الشعب التقدمي People Progressive Party، وكان قائد الحزب يُدعى: تشيدي جاجان Cheddi Jagan، وهو من أصول هندية، وكان مؤمناً بالأيديولوجية الماركسية ومدافعاً عنها، وقد ناضل بغية تنظيم المواطنين بجويانا، سواء كانوا من أصول هندية أو إفريقية، لإنهاء الاستعمار[1].

بيْدَ أنَّ هذا العمل النضالي لحزب الشعب التقدمي قد دفع بريطانيا إلى توطئة نفوذها العسكري، وذلك بنشر قواتها في جويانا عام 1953م، حينما كان رودني في سنّ الحادية عشرة، وهذه القوات البريطانية قد عملت على قمع مواطني جويانا من الهنود والأفارقة. وهذه السياقات المرتبطة بفترة الصِّبا لرودني (النشاط السياسي لوالدَيْه وانتمائهما بالأساس لطبقة العمال الكادحين، فضلاً عن الاستعمار وممارساته القمعية) قد ألقت بظلالها على الإطار الفكري والحركي لوالتر رودني إبَّان شبابه. هذا أخذاً في الاعتبار أنَّ فترة الخمسينيات قد شهدت رواجاً كبيراً للأيديولوجية الماركسية، خصوصاً في أوساط الطبقات العمالية وشعوب المستعمرات[2].

حفلت حياة والتر رودني بالأطروحات والإسهامات الفكرية التي تحظى برواجٍ كبيرٍ حتى وقتنا الراهن بين أوساط دارسي التاريخ والسياسات الإفريقية

وفيما يتصل بالتعليم الذي تلقَّاه رودني؛ نجد أنَّ والديْه قد ناضلَا كي يُنهي رودني تعليمه الأساسي، واستكمل رودني دراسته في المرحلة الثانوية بالكلية الملكية بجورج تاون، حيث نجح في الحصول على منحة لاستكمال دراسته الجامعية في جامعة غرب الإنديز بجاميكاThe University of West Indies لدراسة التاريخ، وقد كان لتلك الجامعة عظيم الأثر في تنمية مهارات رودني الثقافية والخطابية (أي القدرة على الخطابة)، ومن ثمَّ أضحى رودني خطيباً مفوَّهاً، وليس هذا فحسب؛ فقد تفوَّق رودني على جميع أقرانه في تلك المهارات، ووقع عليه الاختيار ليكون ممثِّلاً عن الجامعة، في بطولة بتسبرج Pittsburg Debating Championships، للمناظرة التي عُقِدت في الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال تعليمه الجامعي انخرط رودني في الأحزاب والحركات الطلابية، ومثَّلت الفترة من 1961م حتى 1963م بدايةً لنشاطه الكتابي؛ إذ بدأ يكتب عن الرّق والسياسات الجويانية[3].

تخرَّج رودني في جامعة غرب الإنديز بدرجة «امتياز مع مرتبة الشرف»، وقد أسهم نبوغه وتفوقه في حصوله على منحة أخرى للالتحاق بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن في عام 1963م، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يزور فيها أوروبا. وعاش رودني في لندن حتى حصل على درجة الدكتوراه في عام 1966م عن أطروحته حول الرقيق في ساحل غينيا الأعلى (1545-1800م) History of the Upper Guinea Coast 1545-1800[4].

 وإلى جانب اللغة الفرنسية التي أتقنها، خلال فترة تعليمه بالكلية الملكية بجويانا، أجاد رودني البرتغالية والإسبانية. وفي أطروحة الدكتوراه تناول رودني ظاهرة الرقيق أو العبودية بالدراسة والتحليل لمآلاتها على المجتمع، والعلاقات بين المجتمعات بين بعضها وبعضها الآخر داخل إقليم غرب إفريقيا، إلى جانب التداعيات الإيكولوجية (أي البيئية) لهذه الظاهرة. ولذا يرتئي المؤرخون المنشغلون بدراسة تاريخ غرب إفريقيا أنَّ هذا العمل إنما يمثِّل مرشداً لا غنى عنه لمن يرغب في الاطلاع على ودراسة تاريخ إقليم غرب إفريقيا[5].

وقُبيل حصول رودني على درجة الدكتوراه؛ تزوَّج باتريسيا هنري Patricia Henry- من جويانا- في عام 1966م، وكانت هي الآخرى تتلقَّى تعليمها ببريطانيا، وما لا يعرفه الكثيرون عن باتريسيا أنها كانت أكثر ثوريةً من زوجها رودني؛ كونها احتكَّت بشكلٍ مباشرٍ بالمواطنين التنزانيّين، ولا سيما الطبقة العاملة منهم، كما أنها كانت تتابع عن قُرب تطورات الأوضاع ومجريات الأمور بتنزانيا، وقد عملت على تطوير بعض الأفكار الخاصّة برودني، كما أنها طوَّرت أفكارها المتعلِّقة بالسياسات الثورية، وكانت تلك الأفكار متأثرةً إلى حدٍّ كبير بالصراعات التي خاضتها في عملها وحياتها منذ لحظة اغتيال والتر رودني[6].

وفي أعقاب حصول والتر رودني على درجة الدكتوراه؛ انتقل إلى تنزانيا للتدريس، ولكنه لم يلبث هناك طويلاً حتى عاد مرةً أخرى، بعد مرور سنةٍ واحدةٍ فقط من انتقاله لتنزانيا، ليحاضر بقسم التاريخ بجامعة الإنديز بجاميكا. وكان رودني يقضي وقت فراغه في دراسة وتدبُّر التاريخ والتغيُّر الاجتماعي في القارة الإفريقية، وقد أفضى حضوره لمؤتمر الكتّاب السودBlack Writers' Conference ، الذي انعقد في مونتريال بكندا في أكتوبر لعام 1968م، إلى قيام حكومة جاميكا بمنعه من ممارسة مهنة التدريس بجامعة الإنديز، وقد صاحب ذلك اندلاع العديد من الاحتجاجات وأعمال الشغب، التي أظهرت مقدار الشعبية التي يحظى بها رودني لدى مواطني جاميكا، خصوصاً في أوساط طلبة جامعة الإنديز[7].

وعقب قرار منع رودني من مزاولة مهنة التدريس؛ عاد مرةً أخرى إلى جامعة دار السلام بتنزانيا للتدريس بقسم التاريخ، حيث استطاع رودني أن يحوِّل الجامعة إلى مركزٍ مهمٍّ من بين مراكز عدة تُولي قدراً كبيراً من الاهتمام لدراسة التاريخ والسياسات الإفريقية. ومن خلال الركون إلى جلسات الحوار والنقاشات والجماعات الدراسية؛ استطاع رودني أنْ يرسِّخ ويوطِّد دعائم الأيديولوجية الماركسية، وتطويع دراسة: السياسات الإفريقية، الصراع الطبقي، مسألة العِرْق، والتاريخ الإفريقي. وفي هذه الأثناء؛ قام رودني بتأليف كتاب )أوروبا والتخلُّف في إفريقيا) How Europe Underdeveloped Africa، الذي يُعَد أبرز إسهاماته العقلية، كما نشر أيضاً مجموعة من المقالات التي قدَّمت رؤيةً نقديةً: للأوجاما التنزانية Tanzanian Ujamaa التي انتهجها جوليوس نيراري، الإمبريالية، التخلُّف، إشكاليات الدولة والتكوين الطبقي لإفريقيا[8].

إنّ القواعد المنهاجية التي أرساها رودني من خلال المناظرات، التي شهدتها جامعة دار السلام إبَّان فترة عمل رودني بها، أضحت أساساً وتقليداً لعددٍ كبيرٍ من المقالات والدراسات الأكاديمية للجامعة؛ ذلك لأنَّ إسهامه حول أوروبا ودَورها في تخلُّف القارة الإفريقية مثَّل نقلةً نوعيةً في الأدبيات والكتابات الإفريقية؛ ليس فقط لانضباطه المنهجي؛ ولكن أيضاً للمنظور متعدد الجوانب الذي تناوله رودني في تعريفه لمفهوم التخلّف، والذي لا يركن إلى العامل التاريخي فحسب، وإنما يأخذ في الاعتبار تفاعُل عوامل أخرى؛ كالعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والسيكولوجية[9].

ب- تأسيس «ائتلاف الشعب العامل»:

في سبتمبر عام 1974م؛ عاد رودني مرةً أخرى إلى جويانا ليجد أنّ رئيس الوزراء قد أصدر قراراً يحْظر تعيينه بجامعة جويانا. وعلى الرغم من ذلك فضَّل رودني الإقامة في بلده، ولكنه انصرف إلى العمل السياسي. وبذلك يمكن القول بأنّ ذلك القرار مثَّل نقطة تحوُّل بالغة الأهمية في حياة رودني؛ إذ أنها أفضت إلى تركه للعمل الأكاديمي والاحتكاك بصورةٍ مباشرةٍ بالطبقة العاملة، ليكون واحداً من أبرز المؤسسين لمنظمة سياسية جديدة بجويانا، عُرِفت باسم: ائتلاف الشعب العاملWorking People's Alliance في عام 1974م، وقد كان هذا الائتلاف يبتغي الوصول إلى الوحدة الوطنية والتأكيد على قوة الشعب في مواجهة أي سلطة. ولم يدخر رودني جهداً في سبيل إنهاء تسييس الانقسامات العرقيةThe Politicization of Race بجمهورية جويانا؛ ولذا اهتم رودني بدراسة تاريخ الطبقة العاملة بجويانا؛ لأنه ارتأى أنّ دراسة ذلك التاريخ تُمكِّنه من تصحيح المفاهيم والمغالطات التي مثَّلت أساساً للانقسام الهندي- الإفريقي في المجتمع الجوياني.

كان والتر رودني يطمح في تعميق الثقافة السياسية لدى شعب جويانا من خلال تقوية تنظيمات الطبقة العاملة، كائتلاف الشعب العامل، وحظي بشعبيةٍ كبيرةٍ لدى مختلف قطاعات الطبقة العمالية، الأمر الذي أثار حفيظة النظام الحاكم، ولذا تمّ إلقاء القبض عليه في عام 1979م إثر اتهامه بحرق المقر الرئيسي للمؤتمر الوطني للشعب People's National Congress، وهو الحزب الحاكم آنذاك. لكنه لم يلبث طويلاً في السجن؛ إذ جرى الإفراج عنه نتيجةً لحملاتٍ محلية ودولية ناهضت قرار اعتقاله وضغطت للإفراج عنه[10].

 عمدت القوى الاستعمارية إلى حرمان إفريقيا من فرص تطوير علاقات وروابط اقتصادية وتجارية «صحية» وعادلة مع دول العالم

وفي 13 يونيو عام 1980م؛ تعرَّض والتر رودني لعملية اغتيال على يد النظام الحاكم (الديكتاتوري)- على حدّ تعبير أحد الأدبيات التي تناولت حياة والتر رودني- بتفجير سيارته، لتنتهي بذلك حياته، عن عمرٍ يناهز ثمانية وثلاثين عاماً، التي لطالما حفلت بالأطروحات والإسهامات الفكرية التي تحظى برواجٍ كبيرٍ حتى وقتنا الراهن بين أوساط دارسي التاريخ والسياسات الإفريقية[11].

وصفوة القول:

إنَّ ظروف المولد والنشأة قد فعلت فعلتها في شخصية والتر رودني جنباً إلى جنب مع الظروف الدولية آنذاك، والتي يُقصد بها شكل النظام الدولي وبنيته، وصيرورة التفاعلات الدولية التي ميَّزت تلك الفترة؛ حيث الثنائية القطبية، وذروة الحرب الباردة التي أفضت إلى حالةٍ من الاستقطاب الحادّ بين المعسكرَيْن الشرقي والغربي. وقد كان لكلّ ذلك مآلاته على عقلية وفكر والتر رودني الذي يُظْهر إلى حدٍّ كبير تأثُّره بالأيديولوجية الماركسية. ولم يقف التأثير عند هذا الحدّ فحسب؛ فقد امتد ليشمل أيضاً الإطار الحركي لرودني، الذي تحوَّل إلى العمل السياسي والانخراط في أوساط الطبقة العاملة بمسقط رأسه (جمهورية جويانا)، الأمر الذي قاد إلى تنكيل النظام الحاكم به، حتى تعرَّض للاغتيال دافعاً حياته ثمناً لأفكاره وقناعاته.

المحور الثاني: أوروبا والتخلّف في إفريقيا: أبرز الأطروحات الفكرية لوالتر رودني:

عقب الإشارة إلى السياقات المرتبطة بنشأة والتر رودني وتدرجُّه الأكاديمي، وكذا الظروف التي دفعته إلى الانصراف عن العمل الأكاديمي في أواخر حياته، والتوجُّه نحو تأسيس ائتلاف الشعب العامل، والانخراط في أوساط الطبقة العاملة الجويانية بمختلف قطاعتها، أضحى من الملائم الوقوف على أبرز الرؤى والأطروحات التي قدَّمها رودني، والتي أثْرَت بدَورها الفكر السياسي الإفريقي، ولعلَّ أبرزها كتابه (أوروبا والتخلُّف في إفريقيا) How Europe Underdeveloped Africa الصادر عام 1974م، والذي يمثِّل علامةً مهمّةً في الدراسات الإفريقية.

بالرغم من مُضي أكثر من أربعين عاماً على تاريخ إصدار هذا العمل، واختلاف السياق الراهن عن السياق الذي كُتِب في إطاره، فإنه يمثِّل مرجعاً مهمّاً في التأريخ للقارة الإفريقية، وقد صدرت منه حوالي ثماني طبعات منذ تاريخ إصداره، وتُرجِم إلى لغاتٍ عدة كالعربية والإسبانية والبرتغالية، وبيعت منه أكثر من 50 ألف نسخة في العالم العربي وحده.

ويدور هذا الكتاب حول فكرة محورية؛ مفادها: أنّ الاستعمار قد أحدث قطيعةً في مسيرة تطوُّر مجتمعات القارة الإفريقية سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً، وقد عمد الاستعمار إلى استغلال القارة ومواردها الطبيعية والبشرية، الأمر الذي أفضى إلى تخلُّف الدول الإفريقية؛ لذا استهلَّ رودني كتابه بتناول مفاهيم التنمية والتخلُّف، ثم الحديث عن دَور الاستعمار كنظامٍ رسَّخ لفقر القارة وتخلُّفها. وينتهي رودني بعدما تناول التداعيات السلبية الناجمة عن الاستعمار إلى استنتاجٍ مفاده: أنه يستحيل على الدول الإفريقية أن تحقِّق تنميتها دونما قطيعة جذرية مع النظام الرأسمالي؛ الذي كان السبب الرئيس لتخلُّف القارة على مدار قرونٍ عديدة.

ويصبو هذا المحور إلى تسليط الضوء على أبرز الأفكار التي قدَّمها الكتاب؛ ولذا آثرنا الاعتماد على الكتاب بوصفه مرجعاً أساسيّاً، وعرْض رؤى رودني- في شكلها الأوليّ- كما قدَّمها في كتابه، ومن ثمَّ يتسنَّى لنا تناولها بالمناقشة والتحليل.

مفهومَا «التنمية» و «التخلف» عند والتر رودني:

يقدِّم رودني تعريفاً لـ «التنمية» مفاده: أنها عملية متعددة الجوانب، وهي تتضمن تحسّناً في مستويات المهارة والكفاءة والحرية والإبداع والانضباط الذاتي والمسؤولية والحياة المادية. وهذه الجوانب تتضح على مستوى الأفراد، ولكن هذا لا يعنى أنّ التنمية عمليةٌ فردية محضة، ذلك لأنّ جوانب المهارة والانضباط الذاتي والحرية والمسؤولية لا تظهر على مستوى الأفراد إلا في سياقٍ مجتمعي، يدعم مثل تلك الجوانب التي لا تكتسب أيّ معنى حقيقي إلا في إطار المجتمع[12].

ويَغْلُب على مفهوم «التنمية» الطابع الاقتصادي، فيُسْتَخدم في أحيانٍ كثيرةٍ بمعنى «التنمية الاقتصادية»، وثمّة أسباب عدة لذلك؛ فنمط الاقتصاد السائد يُعْتبر في حدّ ذاته مؤشراً للسمات الاجتماعية الأخرى. وهنا نجد بوضوح تأثُّر رودني بأطروحات كارل ماركس أو مدرسة التحليل الطبقي، والتي ترتئي أنّ النظام الاجتماعي إنما هو نظامٌ تابعٌ للنظام الاقتصادي، بمعنى أنّ الفروقات الاقتصادية (الكمية) بين الأفراد تتحول في لحظةٍ معيّنة إلى فروقاتٍ نوعية أو تراتبية نوعية، فالطبقات المالكة لرأس المال ووسائل الإنتاج تصبح الأكثر تعليماً والأقرب لتولّي السلطة[13].

وقد عرَّف رودني «التنمية الاقتصادية» بأنها: قدرة أفراد المجتمع، متضامنين، على التعامل مع البيئة. وهذه المقدرة إنما تقترن بالأساس بقدرة أولئك الأفراد على إدراك قوانين الطبيعة (العلم)، ووضعهم هذا الإدراك موضع التطبيق من خلال استخدام الأدوات والآلات (التكنولوجيا)، وتقترن أيضاً بالتخصص وتقسيم العمل. ولقد أسهمت إفريقيا، التي تُوصف بأنها موطن الإنسان الأول، في العمليات التي أفضت إلى تنمية العالم اقتصاديّاً، ومن ثمّ فإنّ كلّ قارة، حتى لو جرى نعتها بالتأخر والتخلُّف، تُسهم بشكلٍ أساسيٍّ في تعاظم قدرة الجماعة الإنسانية على التعاطي مع البيئة المحيطة، والسيطرة على الموارد الطبيعية فيها، وتسخيرها الطبيعة لخدمتها[14].

ولعلَّ قَصْر التنمية، بوصفها عمليةً متعددة الجوانب، على البعد أو الجانب الاقتصادي فحسب؛ كان انعكاساً لوجهة النظر البرجوازية، والتي ترتئي أنّ التنمية إنما تنصرف إلى تنمية وتوحيد لجُلّ عناصر الإنتاج، أي الأرض والعمل ورأس المال والتكنولوجيا والتخصّص وتقسيم العمل والإنتاج على نطاقٍ واسع. بيْدَ أنّ وجهة النظر تلك قد تجاهلت العديد من القضايا الجوهرية، كالاستغلال الذي يتعرَّض له قطاعٌ  عريضٌ من السكان قبيل التحوُّل إلى الاشتراكية، والعلاقات الاجتماعية، أو التقسيم الطبقي الذي ترتِّبه علاقات الإنتاج، وكذا تجاهُل حقيقة أنّ الإمبريالية- كما يصفها رودني- تُعَد تطوُّراً منطقيّاً للرأسمالية[15].

وفيما يتصل بمفهوم "التخلُّف"، يرتئي رودني أنّ «التخلُّف» لا يعني انعدام التنمية؛ فكلّ شعبٍ كان له نصيبٌ من التنمية أو- بمعنى أدق- قد نمَا بدرجةٍ أو بأخرى. وإنما التخلُّف- كمفهوم- يُسْتخدم بوصفه وسيلةً للمقارنة بين مستويات التنمية، وهذه المقارنة قد تكون بين مجتمعَيْن في فترةٍ زمنيةٍ محددة، أو على مستوى المجتمع الواحد خلال فترات زمنية مختلفة؛ لمعرفة مقدار ما أحرزه المجتمع من تقدُّمٍ في مستويات التنمية[16].

ومن الزاوية الاقتصادية المحضة؛ يجادل رودني في إشكالية تبايُن الجماعات البشرية فيما وصلت إليه من ثراءٍ ورفاهة؛ فثمّة مجتمعات تقدَّمت أكثر من غيرها من خلال زيادة الإنتاج، وتحوَّلت إلى جماعاتٍ أكثر ثراءً من غيرها، وعليه؛ أشار رودني إلى التبايُن في الثروة بين أوروبا وأمريكا الشمالية من جانب، وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية من جانبٍ آخر. وتُعدّ المجموعة الثانية مجموعةً متخلفةً إذا ما قورنت بالمجموعة الأولى التي تشمل أوروبا وأمريكا الشمالية، وهذا التخلّف الذي أصاب عدداً من بلدان العالم يُعَدّ نتاجاً أساسيّاً للاستغلال الرأسمالي الإمبريالي والاستعماري؛ فقد كانت تلك المجتمعات تنمو بشكلٍ مستقلٍّ قبيل استعمارها حتى سيطرت عليها الرأسمالية، سواء كان ذلك بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة؛ إذ عمدت إلى استغلالها، مما جرَّد تلك المجتمعات من إمكانيات نموّها وتطوّرها، لتضحى مجتمعات متخلّفة[17].

وعلى الرغم من أنّ بعض الدوائر اتَّجهت إلى نعت الدول «المتخلّفة» بالدول «النامية»؛ في محاولةٍ لتجنُّب أية إيحاءات بغيضة قد تثيرها تلك اللفظة، والتي يمكن تفسيرها بمعنى التخلُّف العقلي والبدني والأخلاقي، إلا أنّ رودني يفضِّل الإبقاء على مصطلح الدول «المتخلّفة» وليس «النامية»، ذلك لأنّ المصطلح الأخير يُعطي انطباعاً بأنّ بلدان إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية كافة قد نجحت في الفكاك من أسر التبعية للعالم المتقدّم والفكاك أو التحرّر من علاقة الاستغلال، وهذا ليس بصحيحٍ من الناحية الفعلية؛ إذ إنّ العلاقة الاستغلالية قد استمرت في أعقاب حصول الدول على استقلالها من القوى الاستعمارية، وتحوَّلت بموجبها بلدانٌ متخلّفة إلى بلدان أكثر تخلُّفاً؛ لأنها تتعرض لاستغلالٍ أكثر حدّة بأساليب جديدة من قِبَل القوى الاستعمارية[18].

وللخروج من ذلك المأزق التنموي؛ ينبغي الركون إلى المبادئ الاشتراكية الثورية، على أن يتضمَّن ذلك مناقشةً وحواراً مفتوحاً- في المراحل الأولى بقدر الإمكان- حول مفاهيم الطبقات والإمبريالية والاشتراكية ودَور العمال والشعوب المقهورة؛ فكلّ مفهوم من تلك المفاهيم الجديدة ينطوي على تعقيداته الخاصّة التي يجب إيضاحها وتبيان مختلف جوانبها وأركانها[19].

مآلات الاستعمار على القارة الإفريقية:

في معرض الحديث عن تداعيات الاستعمار، التي ألقت بظلالها على جُلّ أنحاء القارة الإفريقية، يرتئي رودني أنّ حديث البعض عن «تنمية إفريقيا» بواسطة القوى الاستعمارية لَهُو حديثٌ مجحفٌ وظالم؛ ذلك لأنّ التأثيرات السلبية الناجمة عن الاستعمار قد فاقت كثيراً منافع الاستعمار، وهذه المنافع على أية حال، والتي قد شملت مشروعات البنية التحتية، كالسكك الحديدية وغيرها من مشروعاتٍ أقامها الاستعمار، كان الدافع إليها في المقام الأول: رغبة المستعمر في تحقيق مصالحه، وخدمة أغراضه الاستعمارية، وتحقيق التراكم الرأسمالي، وتطوير أوروبا الرأسمالية. ناهيك عن كون تلك المشروعات ثماراً لجهود الأفارقة واستغلالاً لموارد القارة في المقام الأول، وهو ما يُدْحض أية افتراءات أو أقاويل تروِّج لإسهام الاستعمار في تنمية القارة[20].

ويذهب رودني بعيداً إلى القول بأنّ المجتمعات حين تُتْرك وشأنها؛ فإنها تتطور وتنمو بمعدلات متباينة، ولعلَّ السبب في تطوّر الشعوب يكمن في جانبَيْن؛ أولهما: البيئة التي تتطور في ظلها الجماعات البشرية. كما يكمن جانب آخر في «البنية الفوقية» للمجتمع، ومفهوم «البنية الفوقية»، الذي طرحه رودني، ينصرف إلى أنساق المعتقدات وأنماط السلوك والعلاقات الاجتماعية ونُظم الحكم السائدة في أي مجتمع، بيْدَ أنّ الاستعمار يُحْدِث قطيعةً في مسيرة التطوّر لكلٍّ من مقومات البنية الفوقية وركائزها[21].

وفيما يتصل بمآلات الاستعمار على القارة الإفريقية؛ رصَدَ رودني عديداً منها، أبرزها: أنّ الاستعمار قد أفقد النُّظم الإفريقية الحاكمة سلطتها السياسية وسيطرتها على مجريات الأمور داخل إقليمها؛ إذ تمَّ الإبقاء على حكام تقليديّين مُعيَّنين في الحكم بما يخدم مصالح الاستعمار؛ كون أولئك الحكام كانوا أداةً طيّعة في أيدي الدولة الاستعمارية الأمّ. وقد مضى الاستعمار قُدُماً في تقويض المؤسسات الاجتماعية، وجرَّد الأفارقة من القدرة على تسيير شؤون حياتهم وتحديد أهدافهم واختيار مصائرهم، وفقدت الشعوب الإفريقية، نتيجة السياسات والممارسات الاستعمارية، بوصلتها التي تُحدِّد أهدافها ومعاييرها الثقافية، كما فقدت بالكامل القدرة على المتابعة والإشراف على تأهيل أعضاء المجتمع الشبّان، وكلها خطوات أفضت إلى تخلُّف القارة الإفريقية وتجريدها من مقومات تحقيق تنميتها[22].

لم يكتفِ الاستعمار بذلك فحسب؛ إذ مارَس سياسةً قائمةً على التفرقة، أو ما بات يُعْرف بسياسة «فرّق تسدْ»، وانطلق يُقسِّم مجتمعات القارة الإفريقية إلى قوميات أو إثنيات متعددة، فضلاً عن إشعال فتيل الفتنة بين تلك القوميات لتقويض البنية المجتمعية للدول الإفريقية وشرذمتها، وإعلاء الولاءات دون الوطنية- كالولاءات الإثنية والقبلية والدينية وغيرها- على الولاء الوطني[23].

يرى رودني أنّ التخلُّف الذي أصاب عدداً من بلدان العالم يُعَدّ نتاجاً أساسيّاً للاستغلال الرأسمالي الإمبريالي والاستعماري؛ فقد كانت تلك المجتمعات تنمو بشكلٍ مستقلٍّ قبيل استعمارها حتى سيطرت عليها الرأسمالية

وقد عمدت القوى الاستعمارية إلى حرمان إفريقيا من فرص تطوير علاقات وروابط اقتصادية وتجارية «صحية» وعادلة مع دول العالم؛ إذ أضحت إفريقيا بفضل السياسات الاستعمارية مُصدِّراً للمواد الخام (أي المواد الأولية) للدول الصناعية الكبرى. كما اقتصرت التجارة الخارجية الإفريقية على تجارتها مع القوى الكبرى الإمبريالية، ولم يُشجِّع الاستعمار التجارة البينية فيما بين الدول الإفريقية؛ ذلك لأنها لا تخدم مصالحه، وطوال الفترة الاستعمارية حتى حصول الدول الإفريقية على استقلالها؛ لم تتجاوز التجارة البينية الـ 10% من إجمالي التجارة الخارجية الإفريقية، وهي نسبةٌ ضئيلةٌ للغاية[24].

إنّ الاستعمار، الذي سلب القارة الإفريقية إمكانيات نموّها وتطوّرها، ولم يولِ أيّ قدرٍ من الاهتمام لتطوير القطاع الصناعي الإفريقي، اتجه إلى القضاء على معظم الصناعات الحِرفية الإفريقية كنتاج لإغراق السوق الإفريقية بالمنتجات المصنّعة، فضلاً عن أنماط الاستهلاك المشوَّهة التي عمل الاستعمار على نشرها. وكلّ ذلك قاد إلى تدهور الصناعات الحِرفية الإفريقية، مثل صناعة الأقمشة والملح والصابون والحديد والفخار وغيرها[25].

وكنتاجٍ لتلك السياسات والممارسات الاستعمارية؛ اتجه بعض الاقتصاديّين إلى القول بأنّ القوى الاستعمارية قد انتهجت سياسة «نمو بدون تنمية» تجاه المستعمرات الإفريقية، بمعنى تطوير القارة الإفريقية بإقامة شبكات الطرق والمواصلات، والاهتمام المتزايد بقطاع الزراعة أو «الزراعة الواحدية»، وكلّ ذلك قد أفضى إلى زيادةٍ في صادرات الدول الإفريقية من المطاط واللبن وغيرهما من السلع والمنتجات الأولية، لكن الأرباح في نهاية المطاف تذهب إلى الخارج دون تنميةٍ حقيقيةٍ شاملة للدول الإفريقية، مما يكرِّس من التبعية الإفريقية للقوى الاستعمارية على نحوٍ متزايد[26].

ولم يكن النظام التعليمي في الدول الإفريقية بمنأى عن تأثيرات الاستعمار؛ إذ كان التعليم، سواء كان رسميّاً أو غير رسمي، قُبيل قدوم الاستعمار للقارة، مرتبطاً ارتباطاً وثيق الصلة بالحياة الاجتمعاية بشقَّيها المادي والروحي، أي أنه كان منسجماً مع الواقع الإفريقي، ومرتبطاً بأهداف المجتمع. بيْدَ أنّ المؤسسات التعليمية التي أدخلها الاستعمار إلى الدول الإفريقية لم تكن نابعةً من البيئة الإفريقية، ولم تخدم مصالح المجتمعات الإفريقية أو أهدافها، بل على النقيض من ذلك؛ نجد أنّ هدف تلك المؤسسات بالأساس تمثَّل في تدريب الأفارقة لأجل مساعدة الإدارة المحلية في المستويات الدُّنيا، وكذا توفير موظفين للشركات الرأسمالية الخاصّة المملوكة للأوروبيين. وكرَّست تلك المؤسسات الشعور بالإذعان والخضوع لكلّ ما هو أوروبي ورأسمالي. أضِفْ إلى ذلك: تضمين العملية التعليمية للعنصرية، وتشويه الحقائق والتاريخ الإفريقي لسلب الطلاب الأفارقة الثقة في تاريخهم وتراثهم الثقافي. وفي النهاية، كانت المحصلة التعليمية ومخرجات التعليم تكريساً للخضوع والإذلال والتخبط الذهني والتخلّف[27].

وحَرِي بالذكر:

أنّ رودني قد اختتم كتابه بطرح رؤيته حول تأريخ الفترة الاستعمارية للقارة الإفريقية، وتدوين المعرفة الجمْعيَّة للشعوب الإفريقية؛ كونها تمثِّل الأساس الأكثر صدقاً عن تاريخ تلك الفترة من عمر القارة، وذلك في محاولةٍ لمعرفة التغيرات، أو التشوّهات إنْ شئنا القول، التي اعترت البنى والهياكل الاجتماعية للدول الإفريقية الواقعة تحت وطأة الاستعمار. هذا إلى جانب توصيةٍ أخرى بضرورة الاطلاع على تراجم السير الذاتية للقادة الأفارقة البارزين، أمثال نكروما وأودنجا، فضلاً عن الأطروحات التي قدَّمها أولئك القادة، وبصفةٍ خاصّة رؤى جولويس نيريري، والذي يلقِّبه رودني بـ«المواليمو»؛ أي «المعلّم» باللغة السواحيلية[28]، وسيكوتوري. فضلاً عن ضرورة الاطلاع على كتابات «فرانز فانون»؛ كونها تكشف عن الأبعاد السيكولوجية للاستعباد والاستعمار، والتي عانى منها الأفارقة، سواء كانوا داخل القارة أو الأفارقة في المهجر (أي الأمريكتَيْن)، وكذا كتاباته حول الاستعمار بشكله الجديد.

المحور الثالث: ملاحظات حول «أوروبا والتخلُّف في إفريقيا»:

عقب إلقاء الضوء على أهمّ الرؤى التي طرحها والتر رودني في أبرز إسهاماته، ألا وهو كتابه )أوروبا والتخلُّف في إفريقيا)How Europe Underdeveloped Africa ، سنسعى في هذا الجزء إلى تقديم ملاحظات عدة، نود لفت الأنظار إليها فيما يتصل بالأطروحات والرؤى الفكرية التي قدَّمها رودني في هذا العمل، وهي ملاحظاتٌ تتعلق بالسياق التاريخي الذي كُتِب في إطاره الكتاب، وكذا السمت الأيديولوجي الذي لم يتحرر رودني من أسره، وظلّ مهيمناً على مجمل أفكاره وأطروحاته في هذا الكتاب، أو بالأحرى في جُلّ أطروحاته الفكرية. وتُختتم الملاحظات برؤيةٍ نقديةٍ لكتابٍ يُعَد علامةً بارزةً في الدراسات الإفريقية، الأمر الذي دفع البعض إلى القول بأنّ هذا الإسهام قد أحدث ثورةً في مجال تدريس التاريخ الإفريقي في جامعات إفريقيا ومنطقة الكاريبي.

هذه الملاحظات سنُجْملها في النقاط الآتية:

أولاً: فيما يتصل بالسياق الزمني والمجتمعي الذي كُتِب فيه هذا العمل: سنجد أنه كُتِب خلال الفترة التي عمل فيها رودني بالتدريس في جامعة دار السلام بتنزانيا، وخلال هذه الفترة؛ انشغل رودني بالاطلاع المكثَّف على كلّ ما يخص ظروف العمل وأوضاع العمالة في تنزانيا، وكذا الأساليب التكنولوجية التي أفرزت العديد من المخرجات، تمثَّلت في: الفقر، افتقاد معايير الأمن والسلامة والرعاية الصحية للعمال، تدنّي الأجور، فضلاً عن غياب الحقوق الديمقراطية لأولئك العمال. وهذه المخرجات قد شكَّلت استمراراً لما كانت عليه الأوضاع الاقتصادية إبَّان الفترة الاستعمارية، أو ما يُعْرف  بـ[29]Colonial Economy.

ففي أكثر من موضع؛ نجد رودني يوجِّه الأنظار إلى «الاستعمار الجديد»، أي استمرار العلاقات غير المتكافئة بين الدول المتخلّفة والدول الاستعمارية أو القوى الكبرى، وتبعية الدول المتخلّفة لتلك القوى، فهذا الاستعمار الجديد قد نجح في تسخير الاقتصاديات الإفريقية لخدمة مصالحه وأهدافه. ولا أدلّ على ذلك من دَور الاستثمارات الأجنبية في القارة، التي أفضت إلى نمو القارة دون تنميةٍ حقيقية، بمعنى زيادة معدل الصادرات الإفريقية دون تنميةٍ شاملة وحقيقية للقطاعات الاقتصادية الإفريقية- أو بالأحرى ترسيخ مبدأ الاعتماد على الذات-، فهي اقتصاديات لم تستطع الفكاك من أسر التبعية للاقتصاديات الرأسمالية الإمبريالية[30].

ثانياً: الأيديولوجية التي طغت على الأطروحات التي قدَّمها رودني في كتابه: كانت هي الأيديولوجية الاشتراكية، وهذا يمكن ملاحظته من خلال القراءة المتأنية لأفكار رودني التي اقتبس جانباً كبيراً منها من مدرسة التحليل الطبقي، وإسهامات كارل ماركس. كما أنه قد عبَّر صراحةً عن ذلك حينما تحدَّث عن ضرورة تبنّي الأيديولوجية الاشتراكية للخروج من المأزق التنموي، ولا عجب في ذلك؛ خصوصاً أنّ تلك الفترة (سبعينيات الألفية المنصرمة) مثَّلت ذروة الحرب الباردة، وقد تبنّت معظم الدول الإفريقية الأيديولوجية الاشتراكية، واستلهمت مبادئها بوصفها منطلقاً أساسيّاً لتحقيق التنمية والتحرُّر الكامل من التبعية للقوى الاستعمارية؛ فالإمبريالة التوسعية هي نتاجٌ لتطور الرأسمالية- كما أوضح رودني-[31].

ثالثاً: المنهج الذي اعتمد عليه رودني في طرح أفكاره: إنه- وبحسب ما ذكره أ.م بابو A.M Babu، والذي كان وزيراً للشؤون الاقتصادية وتخطيط التنمية بتنزانيا- كان منهج «المادية التاريخية»[32]، والتي ترتئي أنّ معرفة الحاضر ومواجهة إشكالياته تكمن بالأساس في تدبُّر الماضي؛ ذلك أنّ رودني ركَّز في أغلب أطروحاته الواردة في هذا العمل على تناوُل الفترة الاستعمارية؛ ليضع القارئ نُصب عينيه دائماً أنّ تلك الحقبة مثَّلت انقطاعاً في صيرورة التطوّر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدول الإفريقية، فلو تُرِكت تلك المجتمعات وشأنها لما وصلت إلى هذه الحالة المتردية من الفقر والتخلّف. كما أنه قدَّم توصيات تتعلق بضرورة تأريخ الحقبة الاستعمارية، وقد استخدم رودني التحليل الإحصائي كأداة منهاجية؛ إذ استند في أكثر من موضعٍ على المقارنة بين الأوضاع في الدول المتخلّفة والمتقدّمة، والتحليل الإحصائي للبيانات المتعلقة بمتوسط دخل الفرد والاحتياجات الغذائية والصحية والخدمات التي يحصل عليها، وغيرها الكثير، بغية التدليل على ما وصلت إليه الدول الإفريقية من تخلُّف، وتوضيح حجم الفجوة أو الهُوّة بين البلدان المتخلّفة والبلدان المتقدّمة، والتي تُعْزى بالأساس إلى علاقات الاستغلال- كما أوضحنا آنفاً-.

رابعاً: المفاهيم التي طرحها الكتاب: ربما ميَّزت تلك المفاهيم الكتاب، وجعلته مرجعاً مهمّاً في حقل الدراسات الإفريقية، نجد أبرزها مفهوم «التنمية»؛ إذ عرَّف رودني التنمية على نطاق واسع، ولم يجعلها مقتصرةً على المجال الاقتصادي أو مرادفاً للتنمية الاقتصادية، بل إننا نجد أنه قصد بها بالأساس «التنمية الإنسانية»، إذ تعني- حسبما ارتأى والتر رودني-: تحسّناً في مستويات المهارة والكفاءة والحرية والإبداع والانضباط الذاتي والمسؤولية والحياة المادية. وكلها أبعادٌ متصلةٌ بالذات الإنسانية أو بالمستوى الفردي، على اعتبار أنّ الإنسان هو أساس التنمية، وهي أبعادٌ ليست بمنأى أيضاً عن السياق المجتمعي كما أوضح رودني، فما دام المجتمع يكْفل مثل تلك الحقوق للإنسان، ويدفعه نحو تطوير قدراته ومهاراته، فهو مجتمعٌ جديرٌ بالتنمية. كما ركَّز أيضاً رودني على مفهوم «الاعتماد على الذات» Self- Reliancism وربطه بالاستعمار الجديد[33]؛ إذ ارتأى أنّ الاستثمارات الأجنبية لا تزال تشكِّل استعماراً جديداً لإفريقيا، ومن ثمّ أضحت الشعوب الإفريقية تدور في حلقة الفقر المفرغة؛ فهي لم تستفد من دروس الماضي، ولا تزال تتعامل مع القوى الاستعمارية التي عمدت إلى تخلّفها وإفقارها. وأنه لا سبيل للخروج من هذا المأزق والتحرُّر الكامل إلا بالقطيعة الجذرية مع تلك القوى الاستعمارية الرأسمالية، والاعتماد على الذات في تطوير القدرات، فضلاً عن مفهوم «البنية الفوقية» Superstructure[34]، الذي ينصرف إلى أنساق المعتقدات وأنماط السلوك والعلاقات الاجتماعية ونُظُم الحكم السائدة في أيّ مجتمع، والذي هو أساس تنمية المجتمعات وتطوُّرها.

وختاماً:

وعلى الرغم من عمق التحليل والانضباط المنهجي والمفاهيم الجديدة التي قدَّمها هذا العمل؛ فإننا نلاحظ- وبشكل جليّ- أنّ رودني قد أسهب كثيراً في تدوين أو تأريخ الماضي (الحقبة الاستعمارية) ومآلاته على الوضع الراهن للقارة الإفريقية. وقد جاءت التوصيات على تلك الشاكلة أيضاً، وهي تتمحور حول تدوين التاريخ الإفريقي في فترة الاستعمار، وتبيان أهمية الاطلاع على كتابات المفكرين والزعماء الأفارقة للإلمام بتلك الحقبة الزمنية من تاريخ القارة، ولكنه لم يذكر أية آليات من شأنها وضع القارة الإفريقية على الطريق الصحيح للمضي قُدُماً نحو التنمية الحقيقية الشاملة.

وتطرَّف رودني كثيراً حينما أشار إلى أنه لا سبيل لتنمية دول القارة إلا بإحداث قطيعة مع القوى الاستعمارية، إلا أنّ ذلك الأمر يُعَد ضرباً من ضروب الخيال لا مكان لتحقيقه على أرض الواقع؛ فإفريقيا لا يمكن لها- شاءت أم أبت- الانعزال عن القوى الكبرى أو السوق العالمية، وستظلّ القارة ميداناً لتنافس كلٍّ من القوى العظمي والصاعدة؛ بغية الحصول على موطئ قدمٍ لها في الساحة الإفريقية توطئةً لنفوذها، واستغلالاً لموارد القارة. لكن هذا لا يعني بأية حالٍ أنّ الدول الإفريقية لا تستطيع تعزيز اعتمادها الذاتي، والتخلّص تدريجيّاً من التبعية للدول الكبرى، بيْدَ أنّ الطريق لا يزال طويلاً لهذا التحرُّر الكامل، وخصوصاً في ظلّ غياب الإرادة السياسية الإفريقية للفكاك من أسر هذه التبعية.

[1] Horace Campbell, "Walter Rodney: a biography and bibliography", Article Published in Review of African Political Economy (London: Review of African Political Economy, Vol. 7, Issue 18, 1980), p. 132.

[2] Ibid, p. 133.

[3] Idem.

[4] Idem.

[5] Horace Campbell, "The Impact of Walter Rodney and Progressive Scholars on The Dar es Salaam School", Article published in Journal of the Faculty of Arts and Social Science University of Dar es Salaam (Dar es Salaam: Journal of the Faculty of Arts and Social Science University of Dar es Salaam, Vol. 8 , No. 2, 1986), p.61.       

[6] Horace Campbell, "Walter Rodney and Pan-Africanism Today", Paper Presented to The Africana Studies Research Center (New York: The Africana Studies Research Center, September 2008), p. 15.

[7] Horace Campbell, "Walter Rodney…", Op.Cit, p. 135.

[8] Horace Campbell, "The impact of…", Op.Cit, p.71.

[9] Jia Hui Lee, "Book Review: Walter A. Rodney: A Promise of Revolution", The London  school of  Economics and Political Science (Date Visit: 19/4/2018, Time Visit: 7. 30 pm), Available at:

http://blogs.lse.ac.uk/lsereviewofbooks/2013/08/20/book-review-walter-a-rodney-a-promise-of-revolution/

[10] Horace Campbell, "Walter Rodney…," Op.Cit, pp. 136,137.

[11] Idem.

[12] والتر رودني، أحمد القصير (ترجمة)، أوروبا والتخلُّف في إفريقيا (الكويت: عالم المعرفة، ديسمبر 1988م)، ص11.

[13] المرجع السابق، ص (12، 14).

[14] نفسه.

[15] المرجع السابق، ص28.

 [16]نفسه.

[17] المرجع السابق، ص (27-29).

[18] نفسه.

[19] المرجع السابق، ص26.

[20] المرجع السابق، ص327.

[21] المرجع السابق، ص19.

[22] المرجع السابق، ص (328- 330).

[23] نفسه.

[24] المرجع السابق، ص337.

[25] المرجع السابق، ص (338، 339).

[26] نفسه.

[27] المرجع السابق، ص (351-355).

[28] المرجع السابق، ص (411، 412).

[29] Horace Campbell, "The Impact of Walter…", Op.Cit,  p. 62.

[30] Nigel Westmaas, "Forty years of How Europe Underdeveloped Africa", stabroeknews (Date Visit: 18/4/2018, Time Visit: 5.00 am), Available at:

https://www.stabroeknews.com/2012/features/06/10/forty-years-of-how-europe-underdeveloped-africa/

[31] Lee Wengraf, "How Europe Underdeveloped Africa: The Legacy of Walter Rodney", Review of African Political Economy (Date Visit: 10/4/2018, Time Visit: 1:00 pm), Available at:

http://roape.net/2017/06/16/europe-underdeveloped-africa-legacy-walter-rodney/

[32] والتر رودني، أحمد القصير (ترجمة)، مرجع سبق ذكره، ص414.

[33] Matthew Quest, "Rewriting the legacy of Walter Rodney?", Pambauka News (Date Visit: 18/4/2018, Time Visit: 2.30 am), Available at:

https://www.pambazuka.org/pan-africanism/rewriting-legacy-walter-rodney

[34] Omosulu Rotimi, "A Critique of Walter Rodney’s Concept of Development", Article Published in International Journal of Education and Research (New York:  International Journal of Education and Research, Vol. 1, No, 5, May 2013), p. 162.