(أنسنة) القتل: التدخل الفرنسي في إفريقيا الوسطى بين العقدي والبراجماتي

  • 20 -4 - 2014
  • بسام المسلماني


 مصطفى شفيق علام 

لا يبدو التدخل الفرنسي السافر في الأزمة الإنسانية الطاحنة، والتي تعصف بمسلمي جمهورية إفريقيا الوسطى (CAR) حالياً، أمراً خارجاً عن المألوف بالنسبة للاستراتيجية الفرنسية ذات التجليات الاستعمارية، المباشرة وغير المباشرة، في إفريقيا، والتي دائماً ما تتدثر بالأبعاد الإنسانية الزائفة، لاكتساب نوع من (الشرعنة) السياسية والقانونية، على الصعيدين؛ الدولي والإقليمي، مع غلبة الاتجاهات نحو (أنسنة) العلاقات الدولية، في سياق منظومة (العولمة – الأمركة) التي باتت تفرض نفسها، على مجمل التفاعلات الدولية الراهنة، كمُسوح الضأن، التي تخفي وراءها أفئدة كأفئدة الذئاب، لتصبح تلك (الأنسنة) المزعومة أداة للقتل والتطهير العرقي وسحق الآخر، وبخاصة المسلم، باسم التدخل لاعتبارات إنسانية تارة، والمسؤولية الجماعية للمجتمع الدولي تارة أخرى، وحفظ السلم والأمن الدوليين تارة ثالثة.

وحينما يقول (ولفجانج إشينجر) رئيس مؤتمر «ميونيخ الدولي للأمن» (MSC): «إنّ أزمات إفريقيا أقرب لنا اليوم من أفغانستان، ولا ينبغي أن يكون النظر إلى إفريقيا أمراً بديهياً بالنسبة للفرنسيين فقط، فالأمر هناك يدور حول أمن ألمانيا أيضاً»[1]، مطالباً بلاده بضرورة تعزيز المشاركة العسكرية لألمانيا في مناطق الأزمات في إفريقيا، وحينما يتوازى ذلك مع إعلان الخارجية الأمريكية عن تدشين القمّة (الأمريكية – الإفريقية)، والتي ستعقد أولى فعالياتها في أغسطس المقبل، لتجمع الإدارة الأمريكية بقادة سبع وأربعين دولة إفريقية، لبحث مستقبل الشراكة الاقتصادية مع القارة السمراء[2]، فإنّ هذا يعني جولة جديدة من التكالب الاستعماري الغربي على القارة الإفريقية.

كما يمكن النظر إليه باعتباره مزاحمة ألمانية أمريكية حميمة مع فرنسا (الاستعمارية) صاحبة النفوذ الأبرز في المنطقة، خصوصاً في دول جنوب الساحل والصحراء، والتي تتورط حالياً في الصراع الدائر في إفريقيا الوسطى، ذلك الصراع الذي هوى بالبلاد مجدّداً إلى أتون الفوضى والاقتتال الأهلي، حيث تسارعت وتيرتها بفعل التدخل الفرنسي لتصل إلى مرحلة التطهير العرقي Ethnic cleansing للمسلمين، وفقاً لمنظمة العفو الدولية[3].

وتبدو حالة إفريقيا الوسطى مدخلاً مناسباً لإثبات الحضور الفرنسي في القارة الإفريقية، أمام حلفائها الغربيين، في سياق تبادل الأدوار، وتقاسم مناطق النفوذ، وتوزيع المصالح والقيم بين الاستعماريين الجدد من أرباب العولمة.

ومن ثمّ؛ فإنّ القراءة الأولية للتحرك الفرنسي الراهن في أزمة إفريقيا الوسطى يجب أن تنطلق من سياقات الخبرة الاستعمارية (الرسالية) الفرنسية واستحقاقاتها الاستراتيجية، وخصوصاً أنّ فرنسا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي استطاعت - بشكل مؤسّسي فاعل، وعلى مدار العقود الستة الأخيرة - أن تحافظ على علاقات وطيدة مع مستعمراتها السابقة في القارة الإفريقية، بل ربما كانت الدولة الأولى في هذا المجال، نفوذاً وتأثيراً، إذا ما قورنت بالدول الأوروبية الاستعمارية التقليدية الأخرى الرئيسة في القارة، مثل؛ المملكة المتحدة، والبرتغال، وإيطاليا، وبلجيكا، وألمانيا[4].

المتلازمة (الرسالية - البراجماتية) الفرنسية.. لماذا إفريقيا الوسطى؟:

إنّ حالة (إفريقيا الوسطى) مثالية بامتياز؛ لتحليل الأبعاد الاستراتيجية الحاكمة للتدخل الفرنسي في القارة الإفريقية، خصوصاً أنّ هذه الحالة ليست الأولى، وقطعاً لن تكون الأخيرة، التي تتدخل فيها القوات الفرنسية عسكرياً بشكل مباشر في إحدى الأزمات الداخلية للقارة، حيث بلغ حجم التدخلات العسكرية الفرنسية في القارة الإفريقية، وفقاً لتقديرات متطابقة، نحو خمسين حالة تدخل، منذ العام 1960م[5].

وإفريقيا الوسطى، وكما يبدو من اسمها بالفعل، هي (خاصرة) القارة الإفريقية، حيث تتوسط القارة السمراء، جغرافياً، وهي نقطة انطلاق رئيسة لجميع أرجاء القارة، خصوصاً مع امتلاكها حدوداً جغرافية شاسعة مع ست دول إفريقية مهمّة.

خريطة إفريقيا الوسطى – الحدود الجغرافية[6]

وتبلغ مساحة إفريقيا الوسطى نحو 622,984 كم2، أكبر من مساحة فرنسا، وتمتلك موارد طبيعية كبيرة، وبخاصة الألماس واليورانيوم والذهب والنفط، بالإضافة إلى الأخشاب والطاقة المائية، ويبلغ عدد سكانها، وفقاً لتقديرات يوليو 2012م، نحو 5,057,208 نسمة.

وكشأن الدول الإفريقية الأخرى، جنوب الصحراء، يتكون النسيج الاجتماعي لإفريقيا الوسطى من فسيفساء إثنية مختلفة، من عرقية البايا Baya، ونسبتهم 33%، والباندا Banda 27%، والمانديجا Mandjia 13%، والسارا Sara 10%، والمبوم Mboum 7%، والمباكا M'Baka 4%، والياكوما Yakoma 4%، وعرقيات أخرى 2%.

وعلى الصعيد الديني؛ ليست هناك ديانة واحدة لها السيادة في إفريقيا الوسطى، حيث تتكون الخريطة العقدية للسكان من: 35% ديانات محلية وضعية، و 25% من الروم الكاثوليك، و 25% من البروتستانت، و 15% من المسلمين، مع ملاحظة أنّ المسيحيين في إفريقيا الوسطى يتأثرون كثيراً بالتقاليد الوضعية المكتسبة من الديانات المحلية التقليدية[7].

وظلت إفريقيا الوسطى (مستعمرة فرنسية) لعقود طويلة، تحت اسم (أوبانجي- شاري Ubangi-Shari)، ثم استقلت تحت اسم (جمهورية إفريقيا الوسطى) عام 1960م، حيث حرصت فرنسا - كعادتها مع مستعمراتها في القارة الإفريقية - على زرع نخبة مسيحية، غالباً عسكرية، موالية لها، في الحكم، كان آخرهم قبل الأزمة الحالية الجنرال (فرانسوا بوزيزيه Francois Bozize) (2003م – 2013م)، والذي أُطيح به على يد ائتلاف (سيليكا Seleka) المعارض، والذي يضم خمس مجموعات متمردة رئيسة، غالبيتها من المسلمين، في مارس 2013م.

وقد عانت البلاد تحت حكم (بوزيزيه) ويلات القمع والفساد، مما دفع الشعب بشتّى أطيافه للثورة عليه، والترحيب بالإطاحة به، حيث تشكّل على إثر ذلك مجلس انتقالي، اختار في أبريل 2013م (ميشال جوتوديا)، من الشمال، كأول رئيس مسلم في تاريخ جمهورية إفريقيا الوسطى[8].

لكن الاتحاد الإفريقي رفض الإطاحة ببوزيزيه، باعتباره إجراءً غير دستوري، وعلّق عضوية (بانجي) في الاتحاد[9]، كما رفضت فرنسا الإطاحة بحليفها السابق (بوزيزيه) من سدة الحكم وتولية رئيس مسلم، مع أنها كانت قد رفضت مساندة (بوزيزيه) من قبل في حربه مع (سيليكا)، لتنزلق البلاد خلال تلك الفترة إلى حالة غير مسبوقة من العنف وتردي الأوضاع الاقتصادية، أجبرت الرئيس الجديد (جوتوديا) وحكومته، تحت ضغوط الدول المجاورة، وبإيعاز من فرنسا، على الاستقالة في يناير 2014م، ومغادرة البلاد إلى منفاه الاختياري في بنين[10]، حيث تشكّل مجلس انتقالي جديد، اختار المسيحية (كاثرين سامبا بانزا) رئيسة بلدية العاصمة (بانجي) لرئاسة الجمهورية، كأول امرأة تبلغ هذا المنصب في تاريخ البلاد[11].

ويمثّل التعاطي الفرنسي مع (جمهورية إفريقيا الوسطى) نموذجاً للاستراتيجية الفرنسية ما بعد (الكولونيالية)، حيث دأبت باريس على تنصيب الحكام المستبدين وعزلهم، ومن كثرة ما تدعم فرنسا أنظمة مستبدة في إفريقيا، تعيق أي إمكانية لحياة ديمقراطية أو حكم رشيد، ليظل السكان المحليون هم دائماً مَن يدفعون الثمن من أمنهم واستقرارهم وحرياتهم وأرواحهم.

وفي هذا السياق؛ يتذكر الجميع الديكتاتور (جان بيدل بوكاسا) في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى (فرانسوا بوزيزيه) الذي قاد انقلاباً أوصله للسلطة بدعم فرنسي أيضاً عام 2003م، حيث لم يتوان الرجل في إغراق بلده في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ليثبّت أركان حكمه، معززاً سلطة جماعته بقمع المعارضة، وقد نظّم (بوزيزيه) عام 2011م مهزلة انتخابية حظيت برضا فرنسا، قبل أن يرفع الفرنسيون يدهم عن عونه حال الإطاحة به عام 2013م، عقاباً له على اعتزامه منح شركات صينية حقّ التنقيب عن النفط في تلك البلاد البكر الغنية بالموارد الطبيعية الخام[12].

إذن؛ هي (الرسالية – البراجماتية)، تلك التي تحكم السلوك الفرنسي العنصري الاستعماري إزاء القارة الإفريقية، ففي إطار النظام الإمبريالي العالمي تواصل فرنسا الاضطلاع بدور شرطي العولمة في إفريقيا الناطقة بالفرنسية، وبعد كوت ديفوار ومالي يأتي التدخل الفرنسي في إفريقيا الوسطى من بوابة (الاعتبارات الإنسانية)، لتصبح إفريقيا الوسطى بؤرة قلقة، تمثّل بيئة مناسبة لادعاءات الحرب على الإرهاب، وحماية الأقليات، والتدخل الإنساني، ليظل الوجود الفرنسي في مستعمراتها الإفريقية السابقة مسوّغاً، بل مدعوماً، من قِبَل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي[13].

وربما لم يكن لدى فرنسا مانع من غضّ الطرف عن (ميشال جوتوديا) كرئيس مسلم، خصوصاً أنه علماني، لو أنه أبدى من المرونة والاستعداد ما يلبّي رغبات باريس المتعطشة لثروات البلاد، لكن الرجل لم يلبث أن أعلن بعد أيام من الإطاحة ببوزيزيه بأنّ حكومته الجديدة ستراجع عقود التعدين والنفط التي وقعت في عهد الحكومة السابقة، للتدقيق في تلك العقود بما يحقّق طموحات الشعب[14]، واتخاذ اللازم لما فيه مصلحة بلاده، وربما فهمت باريس مغزى إشارة (جوتوديا)، فأدركت – مبكراً - خطر وجوده في السلطة، وتثبيت دعائم أركانه في الحكم، لاحتمالية مساسه بمصالحها الاقتصادية الحيوية في إفريقيا الوسطى.

وبخلاف امتيازات التنقيب عن النفط، والهيمنة على قطاع الاتصالات في إفريقيا الوسطى، فإنّ للجمهورية الفرنسية مصالح اقتصادية استراتيجية كبيرة في (بانجي)، لعلّ أهمها ما تمتلكه إفريقيا الوسطى من ثروات تعدينية كبيرة، وبخاصة خامات اليورانيوم والألماس والذهب، ولعلّ هذا ما حدا بوزير الخارجية الفرنسي (لوران فابيوس)، إلى القول - في معرض تسويغه لتدخل قوات بلاده في جمهورية مالي العام الماضي -: «لقد كانت المصالح الأساسية بالنسبة لنا ولأوروبا ولإفريقيا على المحكّ، لذلك كان علينا التحرك بسرعة»[15].

ولعلّ الدافع (البراجماتي) المتدثر بالمُسوح الرسالية الزائفة؛ هو ما حدا بفرنسا لأن تتدخل عسكرياً - أيضاً هذه المرة - في أزمة إفريقيا الوسطى الراهنة، والتي هي في جزء كبير منها (صناعة فرنسية) بامتياز، سواء في المبتدأ أو في المنتهى.

فعلى صعيد اليورانيوم؛ تعتمد فرنسا في تلبية نحو 75% من احتياجاتها من الكهرباء على الطاقة النووية، وتمتلك إفريقيا الوسطى خامات واعدة من اليورانيوم الخام، خصوصاً في إقليم (باكوما Bakouma) جنوب شرقي البلاد[16]، وتعدّ خامات اليورانيوم في (باكوما) فريدة من نوعها، من حيث محتواها العالي من اليورانيوم، والتي تعدّ أعلى المعدلات جودة في مناجم إفريقيا جنوب الصحراء، حيث أظهرت الدراسات العلمية أنّ ثمة 41 مليون باوند من خام «اليورانيوم 308» يوجد في مناجم (باكوما)، بنسبة استخراج تصل إلى 0.27%، وهي تزيد تقريباً بنحو عشرين ضعفاً عن نسبة الاستخراج بمناجم اليورانيوم في جمهورية ناميبيا جنوبي القارة الإفريقية[17].

وإذا كانت مصادر خام اليورانيوم الأولية التي تعتمد عليها فرنسا، بشكل متزايد، في إنتاج احتياجاتها من الطاقة الكهربائية تتركز بالأساس في جنوبي الجزائر وشمالي تشاد والنيجر، فيبدو أنّ تلك المصادر باتت مهددة بفعل ما يسمّى (الحرب على الإرهاب)، خصوصاً أنّ تلك المناطق باتت بؤرة عمليات لوجستية من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين لاستهداف الجماعات الإسلامية المسلحة والمرتبطة بتنظيم القاعدة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، ومن ثمّ فقد باتت الحاجة ملحّة بشكل أكبر لإيجاد بديل آمن لخام اليورانيوم، بعيداً عن تلك المناطق المضطربة، ومن هنا تأتي أهمية مناجم اليوراينوم بإفريقيا الوسطى في هذا السياق.

ولقد قامت شركة أريفا Areva الفرنسية، كبرى الشركات العاملة في مجال الطاقة، باستثمار نحو 200 مليون دولار أمريكي في مشروع (باكوما) لاستخراج اليورانيوم في إفريقيا الوسطى، منذ العام 2010م، بهدف إنتاج نحو 1200 طن/سنة، كنقطة بداية، على أن يبدأ التشغيل الكامل للمشروع بكامل إنتاجيته المستهدفة بحلول العام 2015م[18].

ولكن نظراً لانخفاض أسعار اليورانيوم، والظروف الأمنية الصعبة، فإنّ شركة أريفا، وفقاً لموقعها الإلكتروني على الإنترنت، قد أوقفت أنشطتها الاستكشافية والتعدينية في إفريقيا الوسطى منذ العام 2012م[19]، ومن ثمّ فإنّ التدخل الفرنسي الجاري حالياً في (بانجي) إنما يهدف في بعض أبعاده إلى خلق واقع أمني جديد، أكثر مناسبة وملائمة، يمكن من خلاله لشركة أريفا، والشركات الفرنسية الأخرى العاملة في مجالات الطاقة والتعدين والتنقيب بشكل عام، استئناف مشروعاتهم الطموحة في مناجم إفريقيا الوسطى البكر.

أما الذهب والألماس؛ فقد بدأ اكتشافهما في إفريقيا الوسطى مع بدايات القرن العشرين، إبّان حقبة الاستعمار الفرنسي للبلاد، ثم لم يلبث الألماس أن أصبح ثاني صادرات الإقليم بعد القطن، حيث سيطرت الإدارة الاستعمارية الفرنسية على امتيازات الاستخراج والتصدير بشكل كامل، وقد شهدت شركات التعدين الدولية أوجها في خمسينيات القرن الماضي.

ومع حصول إفريقيا الوسطى على استقلالها عام 1960م؛ استمر النفوذ الفرنسي مهيمناً على قطاع التعدين في البلاد، خصوصاً فيما يتعلق بالذهب والألماس، حتى حينما بدأت بعض الحكومات الوطنية الخروج عن هيمنة المستعمر السابق على ذلك القطاع المهمّ وتطالب بحصة من الإنتاج؛ فإنها كانت تفعل ذلك بدافع من الفساد والاستحواذ على مقدّرات البلاد، وليس لمصلحة الدولة والشعب، وقد حدث ذلك خلال حقبة (بوكاسا)، كما حدث أيضاً في عهد (باتاسيه) الذي أسّس شركات تعمل في مجال التعدين، وكلّف وسطاء لجمع الألماس لحسابه، كما منح امتيازات لشركات أجنبية خارج إطار القانون، وعبر ممارسات تعفي هذه الشركات من أية التزامات قانونية تجاه الدولة[20].

الصادرات الرسمية لإفريقيا الوسطى من الذهب والألماس (2010م – 2012م)[21]

المعدن

2010م

2011م

 2012م (يناير - يونيو)

الألماس (بالقيراط)

301,557,62

323,575,30

210,684,78

الذهب (بالجرام)

56,475,70

72,834,51

30,670,40

 

 

 

 

 

وتبدو الأرقام الرسمية حول إنتاج إفريقيا الوسطى وصادراتها من الألماس والذهب مضلّلة بشكل كبير، ولا تعبّر عن حجم الثروات الحقيقية التي تمتلكها تلك الدولة، إذ تؤكد بعض التقديرات أنّ نحو %30 من إنتاج البلاد من خام الألماس إنما يخرج منها بطرق سرية غير مشروعة.

كما تكثر عمليات الفساد والجريمة المنظمة في هذا القطاع، خصوصاً مع الشحنات الأصغر حجماً، والتي يشكّل إجماليها مبالغ مالية ضخمة تضيع على الشعب الأفروسطي الذي يحلّ ضيفاً دائماً على قائمة الشعوب الأكثر فقراً في العالم على الرغم من ثروات بلاده الطائلة، وكذلك الحال بالنسبة لخامات الذهب، حيث تقدّر بعض الدراسات حجم الصادرات غير القانونية من خامات الذهب في إفريقيا الوسطى بنحو 95% من إجمالي الإنتاج المحلي، والذي يبلغ، وفقاً لتلك التقديرات ما يزيد عن طنين سنوياً[22].

وعلى مدى عقود ما بعد الاستقلال (الاسمي)؛ أفضت عمليات التكالب على ثروات إفريقيا الوسطى من قِبَل أفراد النّخبة الحاكمة، وغالبيتهم من العسكريين المسيحيين الموالين لفرنسا، إلى إخراج الأطراف الأخرى، وبخاصة المسلمون، من المعادلة السياسية والاقتصادية.

ولقد أفرزت الاستراتيجية الاستعمارية الفرنسية، ما بعد (الكولونيالية)، والقائمة على سياسة (فرّق تسد) الشهيرة، نخبة ريعية طفيلية فاسدة، قامت على شراء الولاءات السياسية من بوابة الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية، ما جعل المجتمع الوطني الواحد عدة مجتمعات، وأبناء الوطن الواحد فرقاء أكثر من كونهم شركاء، وبدلاً من أن تستغل ثروات الدولة للتنمية المستدامة وتأسيس مجتمع قوي ودولة تنموية، وظّفت هذه الثروات لمصلحة قوى الإمبريالية، بشقيها التقليدي والمعولم، وزبائنها المحليين من النّخب المسيحية، والتي غالباً ما يبالغ في تعدادها لتصبح هي الأغلبية المجتمعية التي لها حقّ الصدارة السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية.

(التطييف) المجتمعي: تهيئة المناخ لـ (أنسنة) التدخل:

وإذا كان النفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية يمثّل الضلع الثالث للقوة الفرنسية على الصعيد الدولي، بجانب قدراتها النووية التي جعلتها أحد أبرز اللاعبين في النادي النووي العالمي، ومقعدها الدائم في مجلس الأمن الدولي الذي يمكّنها من استخدام حقّ النقض (فيتو) إزاء ما تراه ماسّاً بمصالحها الاستراتيجية العليا[23]، فإنّ تهيئة المناخ للإبقاء على مسوّغات تغلغل باريس في القارة الإفريقية يبدو مصلحة عليا للإمبريالية الفرنسية في حقبة ما بعد (الكولونيالية)، سواء من خلال دعم أنظمة ديكتاتورية، أو إضفاء شرعية على وجود القوات العسكرية الفرنسية بإفريقيا، بمسوّغات التعاون والدعم والتدريب وحفظ السلام وحماية الرعايا الفرنسيين، لذلك يجب ألا يُعتقد أنّ فرنسا مصدر سلام، أو دفاع عن الديمقراطية، في القارة الإفريقية، بل إنها ستظل، على العكس من ذلك، مرتكزاً رئيساً في زعزعة الاستقرار، ومصدراً دائماً لحروب متواترة وقلاقل مستمرة[24].

وتؤكد حالة (إفريقيا الوسطى) الراهنة هذه الفرضية بشدة، فتطييف المجتمع (الأفروسطي)، وخلق مناخ من الصراع وعدم الاستقرار، يصبّ في النهاية لصالح (شرعنة) التدخل الفرنسي في المنطقة، وإكسابه غطاءً قانونياً زائفاً، مهمّاً ومطلوباً، وفقاً لمقتضيات (أنسنة) العلاقات الدولية في منظومة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ما بعد انهيار القطبية الثنائية.

وعلى الرغم من خبرة الانقلابات والتمرد المسلح في إفريقيا الوسطى؛ فإنّ الصراع الحالي اتخذ بعداً جديداً على المجتمع التقليدي في البلاد، حيث نحا باتجاه (تطييف) الصراع، بالنظر إلى أنّ القتال الدائر في إفريقيا الوسطى حالياً، ومنذ الإطاحة ببوزيزيه، بات بين مؤيديه من ميليشيات (أنتي بالاكا) و (جيش الرب) المسيحية، وميليشيات (سيليكا) التي تقودها غالبية من المسلمين من شمال البلاد، والمؤيدة للرئيس المنفي (جوتوديا).

وقبيل الضغط على الرئيس (جوتوديا) وإجباره على التنحي ومغادرة البلاد، ومع تزايد حدّة العنف في البلاد، وبإيعاز من فرنسا في الأمم المتحدة، اعتمد مجلس الأمن الدولي، في 5 ديسمبر 2013م، القرار رقم (2127) حول إفريقيا الوسطى، والذي يقضي بنشر قوة حفظ سلام في البلاد بقيادة إفريقية، وأعرب القرار، الذي حصد إجماع مجلس الأمن، عن القلق من تدهور الوضع الأمني في البلاد في أعقاب إسقاط الحكومة في شهر مارس 2013م، كما يدين القرار بشدة الانتهاكات المستمرة للقانون الإنساني الدولي، وانتهاكات حقوق الإنسان وخروقاتها الواسعة النطاق التي ترتكبها الجماعات المسلحة، وبخاصة عناصر جماعة (سيليكا) سابقاً، وعناصر جماعة (مكافحة بالاكا)،  و (جيش الرب للمقاومة)، والتي تشكّل خطراً يتهدد السكان، ويشدّد على ضرورة تقديم مرتكبي هذه الانتهاكات للعدالة، ويدين القرار بشدة استغلال الموارد الطبيعية لجمهورية إفريقيا الوسطى الذي يسهم في إدامة النزاع، ويؤكد أهمية وضع حدٍّ لهذه الأنشطة غير المشروعة[25].

بيان بالتدابير التي اتخدتها لجنة مجلس الأمن المعنية بتطبيق القرار (2127) بشأن إفريقيا الوسطى[26]

التدبير

بيان التدبير

نهاية السريان

المصدر

 

 

 

حظر توريد الأسلحة

تتخذ جميع الدول الأعضاء ما يلزم من تدابير لمنع توريد الأسلحة وما يتصل بها من أعتدة إلى جمهورية إفريقيا الوسطى وتوفير أفراد المرتزقة لها.

 5 ديسمبر 2014

نُصّ عليه في الفقرة 54 من القرار (2127 /2013 )

تقوم الدول الأعضاء كافة بمصادرة وتسجيل ما تكتشفه من أصناف يتم الإمداد بها أو بيعها أو نقلها في انتهاك لحظر توريد الأسلحة، وتقوم بالتخلص منها، كما تتعاون مع الدول في هذه الجهود.

 5 ديسمبر 2014

نُصّ عليه في الفقرة 55 من القرار (2127 / 2013)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كما نصّ القرار (2127)، في الفقرتين (49) و(50)  منه، على أنّ مجلس الأمن «يأذن للقوات الفرنسية في جمهورية إفريقيا الوسطى، في حدود قدراتها ومناطق انتشارها، ولفترة مؤقتة، بأن تتخذ التدابير اللازمة لدعم بعثة الدعم الدولية في الاضطلاع بولايتها على النحو المنصوص عليه في القرار»، كما يرحّب المجلس «بالتعزيز المقترح للقوات الفرنسية من أجل تقديم دعم أفضل لبعثة الدعم الدولية، ويشجع مفوضية الاتحاد الإفريقي على العمل من أجل تنسيق عملياتي فعّال بين البعثة والقوات الفرنسية»[27].

وبعد أقلّ من 24 ساعة على صدور القرار الأممي بشأن إفريقيا الوسطى، والذي صدر بتحفيز فرنسي لا يخفى، أعلن الرئيس الفرنسي) فرانسوا هولاند) أنّ بلاده تعتزم القيام بتدخل عسكري سريع لحماية المدنيين في جمهورية إفريقيا الوسطى، مؤكداً أنّ دور بلاده في جمهورية إفريقيا الوسطى سيكون مختلفاً عن دورها في مالي، حيث قاتلت الجماعات الإسلامية المسلحة[28].

وفي تضمين لافت عن نية الاستراتيجية الفرنسية المتحيزة مسبقاً ضد المسلمين؛ أعلن وزير الخارجية الفرنسي) لوران فابيوس) أنّ هدف العملية، التي أطلق عليها الإعلام الفرنسي اسم (سانغاريس Sangaris)، وهو نوع من أنواع الفراشات، هو تجنّب المآسي الإنسانية التي يمكن أن تحصل نتيجة الفوضى السائدة من إطاحة الرئيس (فرانسوا بوزيزيه) من قِبَل ائتلاف (سيليكا) المتمرد، والعمل في فترة لاحقة على تسهيل عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد[29]، في تحميل مباشر لطرف واحد، هو (سيليكا)، المسؤولية الكاملة عن الفوضى والعنف في البلاد!

ووفقاً لبعض المحللين؛ فقد باتت عمليات نزع السلاح، والتسريح، والتجميع، بحسب لغة الأمم المتحدة، مصدراً إضافياً للنزاعات في إفريقيا، خصوصاً أنها مجتمعات منقسمة عرقياً ودينياً، حيث يغدو الأشخاص والأسر والمجموعات التي تمّ نزع سلاحها مهددين بالتعرض لعقوبات من القسم الآخر من السكان الذين لم يُنزع سلاحهم، بعد أن باتوا دون غطاء مسلح يحميهم من الطرف الآخر[30]!

وهذا ما حدث بالفعل في إفريقيا الوسطى، ليفتح الباب أمام عملية تطهير عرقي، وربما إبادة جماعية وفقاً لبعض التحذيرات، تذكرنا بمذابح الهوتو والتوتسي في رواندا في تسعينيات القرن الماضي، حيث ادعت فرنسا أنها ستسهر على حفظ الأمن والسلام في البلاد، وذلك بنزع السلاح من الطرفين المتقاتلين، وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي، غير أنه سرعان ما تبين أنّ تلك الشعارات لم تكن سوى وعود وردية تستبطن مؤامرة (عقدية)، تستهدف السكان المسلمين في شمالي البلاد، فقد عمدت القوات الفرنسية إلى نزع سلاح مقاتلي (سيليكا) من دون أن تقوم بالإجراء نفسه مع الميليشيات المسيحية المسلحة الأخرى[31]، سواء (أنتي بالاكا Anti-Balaka)[32]، أو (جيش الرب)[33].

لقد ظل مسلمو إفريقيا الوسطى يعانون، كأقلية، التهميش السياسي في بلادهم، حيث تبقى المناطق الشمالية لإفريقيا الوسطى، والتي تقطنها غالبية من المسلمين، الأكثر تهميشاً في البلاد، الفقيرة أصلاً، على الرغم من ثرواتها، كما أنّ معظم مناطق التعدين والمناجم توجد في الجنوب والوسط، في حين يخلو الشمال، إلا ما ندر، من أي من هذه الثروات، لذلك فقد كان من الطبيعي أن يشكّل المسلمون غالبية المحاربين في ميليشيات (سيليكا)[34]، ولكن هذا لا يعني أن تحركهم ضد الرئيس (بوزيزيه) كان بدوافع دينية، بل كانت الدوافع السياسية هي الحافز الأبرز لتحركهم نحو إسقاط نظامه، خصوصاً أن ممارسات (بوزيزيه) القمعية ونهبه لثروات البلاد قد طالت الشعب بكلّ طوائفه.

كما أنّ المطالب السياسية لميليشيات (سيليكا) لم تكن تتضمن إشارة إلى البعد الديني، حيث كان جلّ تركيزهم في الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية بالأساس، بل إنّ تمردهم على (بوزيزيه) كان نتيجة لعدم التزامه بالاتفاقيات الموقّعة في هذا الشأن، ولا سيما اتفاقية (ليبرفيل)، والتي كانت تنصّ على تشكيل حكومة وطنية تضم المعارضة، لحين إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في البلاد[35].

وفي ظلّ مناخ دولي، تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون، بات يتعاطى عنصرياً مع الإسلام باعتباره صنواً للإرهاب المزعوم، تحركت فرنسا، بمباركة أمريكية، لتطييف المجتمع الأفروسطي إلى غالبية مسيحية تحتاج إلى الدعم والمساندة في صراعها مع أقلية مسلمة متطرفة، تستوجب العقاب ونزع السلاح وإطلاق يد الآخر للدفاع عن نفسه، حتى لو قاد الأمر إلى انتهاكات ومجازر وقتل على الهوية وممارسات ضد الإنسانية! والحجج دائماً تأتي جاهزة ومتدثرة بمُسوح (علمية) مدّعاة، من قبيل الربط التعسفي بين (سيليكا) والأصولية، ومسلمي إفريقيا الوسطى ومجموعات تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي ومنطقة جنوب الساحل والصحراء.

وفي هذا السياق تقوم وزارة الخارجية الأمريكية بتوجيه الشراكة المعنية بمكافحة الإرهاب عبر الصحراء الكبرى؛ بهدف مكافحة الأيديولوجيات المتطرفة التي تعتمد على العنف، عبر الوكيل الفرنسي، أو شرطي العولمة في إفريقيا الناطقة بالفرنسية، فمع وجود المحيط الأطلسي كحاجز أمان للولايات المتحدة، تستطيع الإدارة الأمريكية التنازل عن بعض مسؤولياتها الأمنية في القارة الإفريقية لشركائها الأوروبيين، ولا سيما فرنسا على وجه التحديد، والتي تحافظ، منذ ما بعد فترة الاستعمار المباشر، على علاقات وثيقة مع معظم دول إفريقيا الفرانكوفونية[36].

وبعد تصاعد أعمال العنف الطائفية، والتي تزايدت بفعل التدخل الفرنسي، وتطييف الصراع السياسي في إفريقيا الوسطى، نزح ما يزيد عن ربع سكان البلاد - وفقاً لمنظمة العفو الدولية - عن ديارهم، خوفاً من الهجمات الانتقامية التي أودت بحياة المئات من المسلمين المدنيين، كما فرّ عشرات الآلاف من المسلمين النازحين إلى دولتي الكاميرون وتشاد المجاورتين، خوفاً من عمليات القتل على الهوية التي تمارس بحقّهم تحت مرأى ومسمع من قوات الجيش الوطني والقوات الفرنسية والإفريقية المتدخلة، خصوصاً بعد أن بات المسلمون بلا غطاء من حماية تردع مستهدفيهم من المسيحيين بعد نزع سلاح ميليشيات (سيليكا) من قِبَل القوات الفرنسية[37].

الغريب في الأمر أن تسعى باريس - بعد ذلك - إلى نفض يديها مما يحدث في إفريقيا الوسطى من انتهاكات، وتلقي باللائمة على مكونات الشعب الأفروسطي (العنصري) و (غير المتسامح)،  حيث زعم (جيرارد أراو) المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة أنّ « بلاده أساءت تقدير مدى الكراهية التي يكنها مسلمو ومسيحيو جمهورية إفريقيا الوسطى لبعضهم البعض»، مؤكداً أنّ «القوات الفرنسية والإفريقية العاملة في جمهورية إفريقيا الوسطى تواجه وضعاً صعباً للغاية»، حيث إنّ قوات حفظ السلام الفرنسية والإفريقية «تجد نفسها محشورة بين مجموعتين؛ تريد الواحدة منهما إفناء الأخرى»[38].

وفي التصريحات الفرنسية – هذه - تدليس من زاويتين:

الأولى: أنها تساوي بين الضحية والجلاد، إذ إنّ الأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، وجميع المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، قد أكدت أنّ تطهيراً عرقياً ومذابح يُخشى أن تبلغ حدّ الإبادة الجماعية تُمارس بحقّ المسلمين في إفريقيا الوسطى، في حين تزعم فرنسا أنّ قواتها «محشورة بين مجموعتين؛ تريد الواحدة منهما إفناء الأخرى».

الثانية: أنها نحّت التأثير السلبي لتدخلها في إفريقيا الوسطى وانحيازها ضد المسلمين هناك جانباً، وزعمت أنها أساءت تقدير مدى الكراهية بين السكان المسيحيين والمسلمين في البلاد، وكأنها لم تصنع الأزمة بالأساس، سواء بشقها الحالي المباشر، أو بشقها الأصيل غير المباشر، والمتمثل في إعاقتها تحقيق أي استقلال حقيقي لإفريقيا الوسطى، بل لمستعمراتها السابقة في القارة الإفريقية على مدى عقود خلت.

الخلاصة إذن:

إنّ تفتيت المجتمعات، وتقسيم الدول، و (تطييف) الأزمات والصراعات السياسية الداخلية، بات شعار الحقبة (الكولونيالية) الجديدة المعولمة، ومن ثمّ فإنّ (أزمة إفريقيا الوسطى)، وما يتعرض له المسلمون العزل هناك من انتهاكات بحقّ الإنسانية، ستبقى مرشحة لمزيد من التفاقم، لتصبح نهايتها مفتوحة على جميع السيناريوهات، خصوصاً أنّ المجتمع الدولي، متمثلاً في الأمم المتحدة، قد اتخذ قراره بتعميق الأزمة بشكل أكبر!

فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون) المجتمع الدولي إلى إرسال قوات عسكرية إضافية سريعاً إلى إفريقيا الوسطى لمنع تدهور الوضع الأمني، كما طالب الدول المانحة بتقديم الأموال التي وعدت بها لإعادة تأهيل البنية التحتية للبلاد وتقديم الخدمات الأساسية[39]، وكأنّ المعضلة لم تأت أصلاً من التدخل الفرنسي في الأزمة، وكأنّ الدور الإنساني للمجتمع الدولي (المعولم) أضحى صناعة الأزمات ثم جمع التبرعات! هي إذن ثنائية الهدم والبناء، غزو أفغانسان ثمّ إعادة إعمارها، احتلال العراق ثمّ إعادة إعماره، تطييف الأزمة في إفريقيا الوسطى، ثمّ مطالبة المجتمع الدولي بالاضطلاع بدوره (الإنساني) في توفير الطعام والإيواء للنازحين، وهكذا.

والمثير للدهشة في أزمة مسلمي إفريقيا الوسطى الراهنة، وغيرها من الأزمات التي تعصف بالمسلمين في أقاليم شتّى على اتساع رقعة الكرة الأرضية، أنها لا تجد من الدول الإسلامية إلا شجباً وتنديداً وبعضاً من الحراك الشكلي الذي قد يعمّق الأزمة بأكثر مما قد يسهم في حلّها.

فها هي ذي منظمة التعاون الإسلامي تكتفي بإيفاد وفد رفيع المستوى إلى جمهورية إفريقيا الوسطى، بقيادة وزير خارجية جمهورية غينيا، لدعم المواطنين المسلمين هناك، وإبداء التضامن معهم، وتقييم الوضع، والتواصل مع السلطات الرسمية، والإسهام في الحوار والتقارب، بل إنّ الأمين العام للمنظمة (إياد أمين مدني) قد رحّب بقرار فرنسا رفع مستوى تدخلها في إفريقيا الوسطى، داعياً المجتمع الدولي إلى العمل على نحو جماعي لمساعدة السلطات (الجديدة) (المسيحية)، على استعادة النظام وتحقيق الاستقرار في البلاد؛ بسبب تداعيات الأزمة على السلام والأمن والاستقرار المنطقة وخارجها[40].

وحتى يقوم وفد التعاون الإسلامي رفيع المستوى بتقييم الوضع في إفريقيا الوسطى؛ يكون المسلمون في تلك الدولة قد هُجِّروا عن بكرة أبيهم من ديارهم؛ وفقاً لتقديرات (بيتر بوكارت) مدير الطوارئ في منظمة هيومان رايتس ووتش، والذي حذّر من أنّ «العنف الطائفي في جمهورية إفريقيا الوسطى قد يضطر جميع المسلمين في البلاد إلى مغادرتها»، مضيفاً: «إنها مسألة أيام.. أو أسابيع .. قبل أن تغادر التجمعات الأخيرة للمسلمين البلاد إلى تشاد هرباً من موجة العنف»[41].

وأخيراً؛ فإنه إذا كان الواقع الإفريقي بالغ التشابك والتعقيد، لاعتبارات ذاتية وموضوعية تمسّ جوهر النشأة المصطنعة للدولة الإفريقية المعاصرة، وتتقاطع مع سياقات المكوّن المجتمعي الإفريقي بأبعاده (العرقية، والقبلية، والسوسيولوجية، والدينية، والبيئية، والاقتصادية)، فإنّ أكثر ما أضر بهذا الواقع الإفريقي، وأعاق تطوّره الطبيعي، هو التكالب الاستعماري الغربي، قديمه المباشر، وحديثه غير المباشر، ليبقى التحدي الأبرز لتخليص إفريقيا من هذا الإرث الثقيل، واقعاً بالأساس على كاهل الأفارقة أنفسهم، دون غيرهم.

وحتى يضطلع الأفارقة بهذا الدور ستظل (عسكرة) الصراعات السياسية الإفريقية، و (تطييف) المجتمعات الإفريقية، هي وقود التدخل الغربي في أزمات القارة، والمدخل الأهم لاستنزاف ثرواتها وجهود أبنائها لصالح الاستعمار المعولم الجديد.. حتى إشعار آخر!

* رئيس وحدة الدراسات السياسية بمركز المصري للدراسات والمعلومات – القاهرة.

[1] «رئيس مؤتمر ميونيخ يحث ألمانيا على تعزيز مشاركتها في إفريقيا»، دويتش فيله، 28/1/2014م، متاح على الرابط الآتي: http://dw.de/p/1Aye3

[2] انظر في ذلك: مصطفى شفيق علام: القمة الأمريكية المصرية.. غياب مصري مؤثّر عن محفل اقتصادي مهمّ، المصري اليوم، 23/1/2014م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.almasryalyoum.com/News/Details/379982#

[3] Amnesty International, «Central African Republic: Ethnic Cleansing and Sectarian Killings», Press releases, Media Centre, 12/2/2014.

[4] إجلال رأفت: السياسة الفرنسية فى إفريقيا جنوب الصحراء، مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام، عدد 145، يوليو 2001م، متاح على الرابط الآتي:

http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=220197&eid=264

[5] حمدي عبد الرحمن: فرنسا وإعادة غزو إفريقيا، الجزيرة. نت، 2/2/2013م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.aljazeera.net/opinions/pages/30505088-974c-47f6-9586-032c935c9973

[6] Source: BBC World, UK, available at:(بالإنجليزية) http://www.bbc.co.uk/news/world-africa-26195583

[7] موسوعة مقاتل من الصحراء، جمهورية إفريقيا الوسطى، متاح على الرابط الآتي:

http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Dwal-Modn1/Central-Af/index.htm

[8] «انتخاب زعيم انقلاب إفريقيا الوسطى رئيساً للبلاد»، رويترز، 13/4/2013م.

[9] الاتحاد الإفريقي يعلّق عضوية إفريقيا الوسطى، الجزيرة. نت، 25/3/2013م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.aljazeera.net/news/pages/30d09365-5c57-4d1e-886f-a5ee2e249b5b

[10] «رئيس إفريقيا الوسطى السابق يغادر إلى المنفى في بنين»، بي بي سي، 12/1/2014م.

[11] «تنصيب رئيسة إفريقيا الوسطى وسط أعمال عنف»، سكاي نيوز عربية، 23/1/2014م.

[12] بول مارسيال: إفريقيا الوسطى: السياسة الاستعمارية الفرنسية في قفص الاتهام، جريدة المناضل-ة المغربية، 6/12/2013م، متاحة على الرابط الآتي:

http://www.almounadil-a.info/article3571.html

[13] المرجع السابق.

[14] «إفريقيا الوسطى تراجع اتفاقيات التعدين والنفط»، الجزيرة. نت، 29/3/2013م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.aljazeera.net/ebusiness/pages/a408bd8b-a022-407c-83bc-e550217fc48e

[15] فرانس24، 14/1/2013م.

[16] World Nuclear Association, Uranium in Africa, avialable at:

http://www.world-nuclear.org/info/Country-Profiles/Others/Uranium-in-Africa/

[17] Yossef Bodansky, «Behind France’s intervention in CAR: Uranium supply security», World Tribune, 15/12/2013, avialable at:

http://www.worldtribune.com/2013/12/15/behind-frances-intervention-in-car-uranium-supply-security/

[18] World Nuclear Association, Uranium in Africa, Op. Cit.

[19] http://www.areva.com/EN/maps-59/areva-worldwide-map.html?oid=CF

[20] International Crisis Group (ICG), Dangerous little stones: Diamonds in the Central African Republic, December 2010, p. 1.

[21] Source: Ken Matthysen & Iain Clarkson, Gold and diamonds in the Central African Republic The country’s mining sector, and related social, economic and environmental issues, IPIS, February 2013, p. 6.

[22] Steven Spittaels & Filip Hilgert, Mapping conflict motives: Central African Republic, IPIS, February 2009, p.p. 27 - 28.

[23] إجلال رأفت: السياسة الفرنسية في إفريقيا جنوب الصحراء، مرجع سابق.

[24] بول مارسيال: السياسة الاستعمارية الفرنسية بإفريقيا: استراتيجية موضع سؤال، صحيفة المناضل-ة المغربية، 17/5/2007م، على الرابط الآتي:

http://www.almounadil-a.info/article1041.html

[25] مركز أنباء الأمم المتحدة، إفريقيا الوسطى: مجلس الأمن الدولي يقضي بنشر قوة حفظ سلام في البلاد بقيادة إفريقية، 5/12/2013م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.un.org/arabic/news/story.asp?NewsID=20032#.UwOtU2KSz0e

[26] المصدر: لجنة مجلس الأمن المنشأة عملاً بالقرار (2127 / 2013) بشأن إفريقيا الوسطى، متاح على الرابط الآتي: : http://www.un.org/ar/sc/committees/2127/

[27] http://www.un.org/ga/search/view_doc.asp?symbol=S/RES/2127(2013)&Lang=A

[28] بي بي سي، 6/12/2013م.

[29] فرانس 24، 6/12/2013م.

[30] بول مارسيال: إفريقيا الوسطى: الرئيس الفرنسي يتورط، صحيفة المناضل-ة المغربية، 26/12/2013م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.almounadil-a.info/article3611.html

[31] عبد الرحيم بلشقار بنعلي: الإرهاب الفرنسي في إفريقيا الوسطى، موقع مجلة البيان السعودية، لندن، 9/2/2014م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.albayan.co.uk/article2.aspx?ID=3480

[32] (أنتي بالاكا Anti-Balaka): أو (مناهضو السواطير) بلغة السانغو، والتي تُعرف أيضاً باسم (الميليشيات المسيحية للدفاع الذاتي)، وهي جماعات مسلحة محلية أنشأها الرئيس المسيحي السابق (فرانسوا بوزيزيه)، وتضمّ في صفوفها بعض جنود الجيش السابقين الذين خدموا في عهده، انظر: رأفت صلاح الدين: ماذا يحدث في إفريقيا الوسطى؟، الجزيرة. نت، 18/2/2014م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.aljazeera.net/opinions/pages/c7cc390a-e10c-44b3-8dd9-e441267b587a

[33] (جيش الرب): تأسس في أوغندا عام 1986م كحركة مسلحة تهدف إلى تطبيق تعاليم الإنجيل بالقوة، قبل أن تنتقل للعمل في عدة بلدان إفريقية، وهي منظمة متطرفة متهمة بشنّ هجمات على المدنيين في جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان. في تعريف «منظمة جيش الرب» الأوغندية، انظر:

- «جيش الرب»، الجزيرة. نت، 10/4/2008م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.aljazeera.net/news/pages/948cff6c-5cbd-41ff-ad97-98562f066768

- مفاوضات لاستسلام قائد «جيش الرب» في إفريقيا الوسطى، بي بي سي، 21/11/2013م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2013/11/131120_lra_leader_surrender_central_africa.shtml

[34] محجوب الباشا: إفريقيا الوسطى: فزاعة الأصولية الإسلامية، المركز السوداني للخدمات الصحفية، الخرطوم، 5/12/2013م، متاح على الرابط الآتي:

http://smc.sd/news-details.html?rsnpid=37215

[35] «الصراع في إفريقيا الوسطى: دوافع اقتصادية وأبعاد طائفية»، صحيفة يني شفق العربية، الأناضول، 8/12/2013م، متاح على الرابط الآتي:

http://arabic.yenisafak.com/dunya-haber/23.12.2013-9960

[36] Joshua C. Burgess, «No Time to Hit Snooze in North Africa and the Sahel», Washington Institute for Near policy Studies, POLICY WATCH 2205, 10/2/2014, available at:

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/no-time-to-hit-snooze-in-north-africa-and-the-sahel

[37] Amnesty International, Ethnic Cleansingand Sectarian Killingsinthe Central African Republic, January 2014, p.p. 5 - 6.

[38] «فرنسا أساءت تقدير مدى الكراهية في إفريقيا الوسطى»، بي بي سي، 16/1/2014م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2014/01/140115_car_france_underestimated_hatred.shtml

[39] «بان كي مون يطالب بإرسال قوات عسكرية إضافية إلى إفريقيا الوسطى»، فرانس 24، 20/2/2014م.

[40] «منظمة المؤتمر الإسلامي توفد بعثة للتشاور مع حكومة إفريقيا الوسطى والتضامن مع مسلميها»، وكالة الأنباء الكويتية (كونا)، 20/2/2014م.

[41] هيومان رايتس ووتش: «العنف قد يضطر جميع المسلمين لمغادرة إفريقيا الوسطى»، بي بي سي، 9/2/2014م، متاح على الرابط الآتي:

http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2014/02/140209_central_africa_muslims.shtml