أفريكوم.. إدارة النفوذ والنفط بالقارة السمراء

  • 27 -10 - 2009
  • محمد الزواوي

إعداد: محمد الزواوي

في السادس من فبراير 2007 م أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش ووزير دفاعه روبرت جيتس عن إنشاء قيادة أمريكية لقارة إفريقيا، عرفت اختصارًا باسم: "أفريكوم"، وجاء هذا القرار محصلة لعشر سنوات من الدراسة داخل وزارة الدفاع الأمريكية، والتي خلصت في النهاية إلى الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للقارة الإفريقية، وأن السلام والاستقرار في القارة لا يؤثران فقط على الأفارقة، ولكن على مصالح أمريكا وعلى المجتمع الدولي على حد سواء؛ ولذا رأت الولايات المتحدة أن تنشئ قيادة خاصة لإفريقيا لزيادة تركيز وزارة الدفاع على إمداد دول القارة ومؤسساتها ـ مثل الاتحاد الإفريقي ـ بالدعم في النواحي الأمنية.

هذا هو الهدف المعلن للاستراتيجية الأمريكية في إفريقيا، وهو استتباب الأمن، وتوفير التدريب العسكري والأمني لدول القارة، ولكن الهدف غير المعلن لهذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة هو تأمين النفط الإفريقي، سواء ما يستخرج من داخل القارة أم من أمام شواطئها، بالإضافة إلى تأمين مسارات الناقلات على ضفتي القارة: من ناحية باب المندب حيث نفط الشرق الأوسط، أم من ناحية غرب إفريقيا، حيث الدول الغنية بالنفط ومسارات ناقلاته إلى أمريكا وأوروبا الغربية. لقد أظهرت التقارير تزايد اعتماد أمريكا على نفط القارة؛ حيث تستورد أمريكا حاليًا 22% من نفطها من إفريقيا، ومن المتوقع أن يزداد هذا الرقم بصورة حادة في المستقبل القريب[1]؛ حيث تجرى عمليات استكشاف واسعة النطاق في مختلف أنحاء القارة الغنية بالموارد الطبيعية، كما تهدف أمريكا إلى استقرار الأمن الداخلي والخارجي لتلك الدول المنتجة والمصدرة للنفط، لكي تبعد الحرائق الأمنية والسياسية والاجتماعية عن منابع النفط الإفريقي القابلة للاشتعال.

وأوردت شبكة بلومبرج[1] الاقتصادية الأمريكية أن شركات النفط سوف تبدأ في حفر آبار في الصومال بنهاية العام الحالي، بعدما أكملت الدراسات المطلوبة في دول القرن الإفريقي، وأن شركة "أفريكا أويل" المملوكة لعدة دول غربية سوف تبدأ اختبارات مشابهة في إثيوبيا وكينيا هذا العام، وقد قامت شركة أفريكا أويل في فبراير الماضي بشراء الأصول الكينية والإثيوبية لشركة "لوندين" النفطية بقيمة 20 مليون دولار؛ لذا فإن أنظار الولايات المتحدة متجهة إلى تلك المنطقة ذات المخزون النفطي للسيطرة عليه، ولكي تقوم أيضًا بتحييد النفوذ الصيني المتنامي في القارة، فقد وجد العملاق الصيني فراغًا استراتيجيًا وثروات نفطية هائلة يمكنها أن تلبي ظمأ اقتصادها وتعطشه للطاقة، وبرز التغلغل الصيني في القارة الإفريقية في نواحٍ كثيرة تستتر معظمها تحت غطاء المساعدات الإنسانية والتنموية، والتي تهدف في الحقيقة إلى استمالة عقول القادة الأفارقة وقلوبهم لذلك المارد الصيني، الذي يعد المنافس الأول للولايات المتحدة في المجالات الاقتصادية في القرن الجديد، إلى جانب الاتحاد الأوروبي.

 يشير موقع القيادة الأمريكية في إفريقيا[1] إلى أن الإدارة الأمريكية أدركت منذ البداية أن هناك علاقة وثيقة بين الأمن والتنمية والدبلوماسية والرخاء في إفريقيا، وأن القارة السمراء ظلت غير مستغلة بصورة كبيرة منذ الخروج الأخير للقوى الاستعمارية الغربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ لذا جاءت قيادة "أفريكوم" متنوعة من حيث تخصصات موظفيها، فقد ضمَّت الفرق الإدارية والفنية، وموظفين من وكالة التنمية الدولية الأمريكية (USAID)، التي تقدم مساعدات لمختلف دول العالم، وموظفين من أقسام أخرى من الوكالات الأمريكية المهتمة بالقارة الإفريقية،إضافة إلى العديد من الموظفين الأفارقة من المؤسسات الحكومية، والهيئات الإنسانية للعمل مع الفرق الأمريكية، هذا بخلاف القوات الأمريكية المقاتلة المتمركزة في قاعدة ليمونيه بجيبوتي، الذين يصل عددهم إلى ألفي جندي أمريكي، وسوف تتمركز القوات الأمريكية في قواعد تابعة لها أيضًا في كل من: أوغندا، السنغال، ساوتومي وبرينسيب[1].

لذا فإن المهمة الرسمية المعلنة لأفريكوم هي تحقيق الأمن للقارة من خلال برامج عسكرية، ونشاطات ترعاها المؤسسة العسكرية، وعمليات أخرى وصفت بأنها من أجل "الترويج لبيئة أفريقية آمنة ومستقرة تدعم السياسة الخارجية الأمريكية"، وهي المهمة التي وافق عليها وزير الدفاع الأمريكي في مايو 2008م، وتقول الولايات المتحدة: إنها لا تهدف من إنشاء أفريكوم أن يقود جيشها الشئون الأمنية للقارة الإفريقية، أو إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية كبيرة بإفريقيا، ولكنها عبارة عن مقر رئيس لموظفين تكون مهمتهم تنسيق الدعم الذي من شأنه تمكين الحكومات الإفريقية، والمؤسسات الإقليمية الموجودة حاليًا مثل "قوة التأهب الإفريقية" African Standby Force التابعة للاتحاد الإفريقي، من أن يكون لها قدرة أكبر على توفير الأمن والاستجابة السريعة في أوقات الأزمات. وسوف تعتمد أفريكوم على العديد من النشاطات التعاونية الأمريكية الأفريقية الجاري إنشاؤها بين مختلف دول القارة من أجل تمكين وزارة الدفاع من التنسيق الأفضل مع المؤسسات والوكالات الحكومية الأمريكية الأخرى لجعل تلك النشاطات أكثر فاعلية.

وسوف تتمركز القيادة الأمريكية لإفريقيا في ثكنات كيلي في مدينة شتوتجارت الألمانية في المستقبل القادم، لتتحكم في الجيوش الأمريكية الموجودة حاليًا في مختلف مناطق القارة الإفريقية، مثل معسكر ليمونيه  Camp Lemonier بجيبوتي، بالإضافة إلى موظفي البنتاجون المتمركزين في مختلف السفارات والبعثات الدبلوماسية الأمريكية في القارة من أجل التنسيق بين برامج البنتاجون لدعم الدبلوماسية الأمريكية. يشير موقع أفريكوم الرسمي إلى أن أي وجود عسكري أمريكي إضافي سوف يكون بالاتفاق الدبلوماسي مع الدول المستضيفة له، وستعمل القيادة في المستقبل القريب على التنسيق بين مئات النشاطات التي تقوم بها ثلاث من القيادات العسكرية الإقليمية التي كانت تقوم في السابق بالتنسيق بين المهام العسكرية الأمريكية بالقارة.

  أشارت مجلة الجيش الأمريكي[1] إلى أن الولايات المتحدة تخطط لجعل معسكر جيبوتي معسكرًا دائمً،ا وزيادة مساحته ليكون داعمًا أساسيًا لأفريكوم، وقد قامت الإدارة الأمريكية بالفعل بتوسيع قاعدة ليمونيه من 97 هكتارًا إلى 500 هكتار، لتصبح واحدة من أكبر المنشآت العسكرية الأمريكية في القارة، ومن المتوقع أن تتسارع عملية إرسال القوات للقاعدة لتصبح الأكثر ازدحامًا بالجنود الأمريكيين في المستقبل القريب، ومعسكر ليمونيه يبعد فقط 50 كيلومترًا من الجزيرة العربية، التي أصبح الوجود العسكري الأمريكي فيها يثير العديد من المشكلات للدول المستضيفة له مثل قطر.

  وقد صرح الجنرال وليام وارد قائد أفريكيوم أمام لجنة الخدمات المسلحة بالكونجرس الأمريكي في مارس 2008 م أنه "مع تقدم عمل القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا "أفريكوم" سوف ينتقل معسكر ليمونيه لدعم الجهود طويلة الأمد في المجالات الأمنية، وإنشاء علاقات قوية ودائمة مع دول القارة، وسوف يكون معسكر ليمونيه جزءًا من قدرات الأفارقة في مجالات الدعم والتنمية الإقليمية؛ لذا يجب أن يستمر الكونجرس في تمويل هذا البرنامج العسكري". ويقول القس الملازم بوب كين الملحق بالقاعدة : إنه يتذكر عندما جاء أول مرة في مايو 2006 م أن المعسكر كان عبارة عن وحدة صغيرة، ثم تم إنشاء بنايات دائمة قليلة العدد، بالإضافة إلى مباني الفريق الرئيسي، وكان الجنود قبلها يعيشون في خيام، ثم بعد ذلك تم شحن منازل جاهزة بنهاية مارس 2007م.

لقد خصص الكونجرس الأمريكي أكثر من مائة مليون دولار لتوسعة وتحسين المعسكر في الميزانية العسكرية للفترة ما بين 2007م ـ 2010م، ويتضمن ذلك بناء كنيسة جديدة، ومكتب بريد وقاعات طعام، ويخطط القادة الأمريكيون لبناء ثكنات عسكرية للجند في العام المالي الحالي، كما قامت الفرق الهندسية بتعبيد الأراضي في المنطقة لاستخدامها لتسهيل حركة الطائرات على الأرض، ويخطط القادة الأمريكيون أيضاً لوضع منصات طائرات سريعة تسمح للطائرات المقاتلة أن تقوم بالتزود بالوقود وإعادة تسليحها، ثم عودتها مرة ثانية إلى مسارها في سرعة، مما يفيد بأن تلك القاعدة العسكرية سوف تكون قاعدة محورية لحركة الطائرات المقاتلة الأمريكية في المنطقة، التي تعتبر استراتيجية للقوات الأمريكية، وتمكنها من سرعة الوصول إلى أي مكان في دائرة قطرها آلاف الكيلومترات.

ويقول نقيب بحري باتريك جيبونز القائد البحري للقاعدة : إن معسكر ليمونيه يجهز ليكون قاعدة دائمة للعمليات تحت القيادة الإفريقية، ويقول: إن المعسكر سوف يكون قاعدة متقدمة للقوات المتمركزة في المنطقة لكي تمدهم بالتجهيزات الأخيرة قبل أداء مهامهم، حيث تعمل القاعدة أيضًا كمركز لوجيستي يدعم السفن التي تعمل في خليج عدن، والطائرات الي تقوم بمهام مكافحة القرصنة في المنطقة، وهناك فرق أخرى منوط بها التقاط أي شخص بحاجة إلى الإنقاذ، ويضيف قائلاً: إن مهام معسكر ليمونيه ستمتد إلى ما وراء منطقة القرن الإفريقي حيث يقبع في جيبوتي. ويقول الأدميرال أنطوني كورتا قائد القوات المشتركة في القرن الإفريقي والمسئول عن هذا الجزء من إفريقيا: إن "المعسكر سوف يخدم المهام الدائمة للقوات الأمريكية؛ حيث إنه الأكبر في المنطقة".

وقد أثبتت أمريكا وجودها العسكري والبحري رسميًا في القارة في فبراير الماضي، وأرسل البنتاجون الفرقاطتين برادلي وناشفيل إلى ضفتي القارة، الأولى في شرقها على ساحل موزمبيق، والأخرى في غربها أمام سواحل دكار السنغالية، ويشير تقرير نشرته جريدة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر إدراكًا لأهمية القرن الافريقي لمنع انتشار مقاتلي تنظيم القاعدة فيه، كما أن الولايات المتحدة أصبحت الآن تستورد 22% من نفطها  من دول إفريقية، فقد نقلت الصحيفة في 2 أكتوبر 2007 م عن ريتشارد كورنويل كبير المحللين بمعهد الدراسات الأمنية في مركز تشوان بجنوب إفريقيا: أن "الولايات المتحدة لا تستورد نفطاً من نيجيريا فقط، ولكن أيضًا من غانا ويتميز النفط الإفريقي بأنه خام خفيف؛ لذا أصبحت غرب إفريقيا أكثر أهمية للولايات المتحدة.

يأتي هذا الاهتمام العسكري الأمريكي بإفريقيا في إطار إعادة ترتيب الجيش الأمريكي لقواعده في حقبة ما بعد الحرب الباردة؛ حيث لم تعد الولايات المتحدة بحاجة إلى قواعد كبرى سواء في ألمانيا أم كوريا الجنوبية، ولكنها الآن أصبحت بحسب القادة العسكريين الأمريكيين أكثر اهتماماً بمنطقتين، هما: شرق أوروبا لنشر منظومة الدفاع الصاروخية لاتقاء الخطر الروسي أو الإيراني، وأفريقيا التي تقع في قلب العالم، وفي قلب منابع النفط، وفي قلب مسارات الملاحة العالمية أيضًا. وهذا الوجود العسكري الأمريكي في القارة من شأنه أن يؤدي إلى كثير من القلاقل، وليس إلى الاستقرار كما يعلن القادة الأمريكيون.

توجس  ورفض إفريقي:

    بالرغم من الادعاء أن «أفريكوم» ستحظى برقابة مدنية أكثر من أي قيادة عسكرية أميركية إقليمية أخرى، فإن من الصعب تصديق أن السياسة الأميركية تجاه أفريقيا لن يسيّرها العسكر، وخصوصاً أنها ستكون في النهاية تحت إشراف «البنتاغون». ويخشى الأفارقة، الذين عانواـ ولا يزالون ـ جرائم المرتزقة الأوروبيين أن تكرّر «أفريكوم» تجربة ما يحدث في العراق اليوم، كما يخشون من السياسة الاقتصادية الأميركية، التي يرون أنها ستخضع لعسكرة السياسة الأميركية في أفريقيا عموماً، مما يعيد إلى الأذهان صورة الآثار المدمرة للصراع والتنافس الأميركي ـ السوفياتي في فترة الحرب الباردة على اقتصاديات أفريقيا، وربما تكررت تلك الآثار إذا ما تكرر الخطأ التاريخي مع دخول الولايات المتحدة في منافسة مع الصين على الموارد الطبيعية للقارة الأفريقية.)

  قال مفوض السلام الأفريقي، الجزائري سعيد جنيت في لقاء مع «الشرق الأوسط»: إن الدول الأفريقية «ترفض بصفة جماعية مشروع قيام قيادة عسكرية أميركية فوق أراضيها».

وتساءل السفير الليبي لدى جنوب إفريقيا عبد الله الزيدي قائلاً: "كيف نسمح لأمريكا أن تقسم العالم إلى قيادات عسكرية خاصة بها؟ أليس ذلك منوطًا بالأمم المتحدة؟ وماذا سيحدث إذا قررت الصين إنشاء قيادتها الإفريقية الخاصة بها؟ ألن يؤدي ذلك إلى صراعات في القارة؟"، هذه التصريحات من السفير الليبي تعكس شعور ليبيا بالخطر بالرغم من تطبيع علاقاتها مع الولايات المتحدة.

وسوف تتركز القوات الأمريكية في دول أوغندا، جيبوتي، السنغال، ساوتومي وبرينسيب، حيث تنشئ أمريكا فيها قواعد تصلح لكي تكون نقاط انطلاق صغيرة للتحرك السريع للجيش الأمريكي، وسوف تبدأ أمريكا في تقليل وجودها في القواعد العسكرية القديمة التي أنشئت إبان الحرب الباردة، مثل: القواعد الكبيرة في ألمانيا وكوريا الجنوبية، وتبني في مقابلها قواعد أكثر مرونة في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وشرق أوروبا.

وتهدف الاستراتيجية العسكرية الأمريكية إلى إنشاء ما يمكن أن يسمى "منصات قفز" بعدد قليل من القوات الدائمة، ولكن ببنية تحتية قوية تمكنها من الإطلاق السريع لعمليات عسكرية كبيرة، وذلك طبقاً لتقرير نشرته الأسوشيتدبرس، ويشير التقرير أيضًا إلى أن القواعد سوف تغطي كافة مناطق العالم التي تهتم بها الحكومة الأمريكية، أو التي تعد مناطق محتملة للقلاقل أو الإرهاب، وذلك لتأمين المصادر الطبيعية في إفريقيا وعلى رأسها النفط.

وسوف تغطي قاعدة عنتيبي بأوغندا شرق إفريقيا ومنطقة البحيرات الكبرى ومنابع النيل؛ إذ يعد رئيس أوغندا يوري موسيفيني واحداً من أكبر حلفاء أمريكا، وذلك منذ وصوله إلى الحكم عام 1986م، كما يعد مطار عنتيبي واحدًا من أكثر القواعد الأمريكية تطورًا في إفريقيا، وتعتبر السنغال في الجانب الغربي واحدة من أكبر نقاط اهتمام أمريكا في إفريقيا حاليًا فقد حصلت أمريكا على مجموعة كبيرة من "الامتيازات" في المجال الجوي لدكار،  والتي تستخدم أيضًا كنقطة هبوط للعديد من العمليات العسكرية الأمريكية في غرب إفريقيا، ويشمل ذلك عمليات عسكرية موسعة في ليبيريا، وقد أصبحت السنغال واحدة من أهم حلفاء أمريكا تحت حكم الرئيس عبدالله واد، وتحول مركز الثقل للتحالف الاستراتيجي السنغالي من فرنسا إلى الولايات المتحدة.

كما ستصبح جزيرة ساوتومي وبرنسيب واحدة من القواعد العسكرية الأمريكية أيضًا، وتتكون تلك الدولة من أرخبيل من مجموعة جزر،  وسوف تنتج النفط قريبًا كذلك، وهي تقع في منطقة خليج غينيا الاستراتيجي الذي يضم أهم منتجي النفط في منطقة ما وراء الصحراء الإفريقية، وستتمكن أمريكا من خلال تلك القاعدة من مراقبة تحركات ناقلات النفط وحماية منصات التنقيب.

  كما تعمل قاعدتي جيبوتي ودكار أيضًا على حماية المصالح النفطية الأمريكية؛ لاستراتيجية موقع كل منهما؛  فجيبوتي على فوهة باب المندب الذي يعد بوابة البحر الأحمر، والتي تصفها الاستخبارات الأمريكية على أنها "أعلى منطقة للحركة الملاحية في العالم وقريبة من حقول النفط العربية"[1] ، وأما السنغال فهي على الضفة الغربية من القارة التي تجري بها  حاليًا عمليات مكثفة للتنقيب عن النفط، و تأمل أمريكا في أن تصبح مصدرها الرئيس للنفط في غضون سنوات.

وفي شمال إفريقيا التي توصف بأنها الساحة الخلفية للاتحاد الأوربي،  فإن الوجود العسكري الأمريكي لا يزال محدودًا ولكنه بصورة عامة يشهد وجودًا للناتو عن طريق التعاون مع دول المنطقة، وتطور أمريكا تعاونًا عسكريًا وثيقًا مع المغرب والجزائر وتونس بالإضافة إلى مصر.

وتؤكد بعض المصادر أنه بالرغم من اللقاءات المتكررة  التي أجراها رايان هنري مساعد وزير الدفاع الاميركي لشؤون التخطيط والسياسات، مع المسؤولين العسكريين والسياسيين في عدة بلدان أفريقية، لإقناعهم بجدوى احتضان المشروع خلال زيارته لأفريقيا في يونيو (حزيران) الماضي، إلا أن القضية ظلت معلقة)

وإلى جانب القواعد العسكرية الأمريكية الصغيرة في إفريقيا فإن البنتاجون قد وقَّع على عدد من الاتفاقات العسكرية مع مختلف الحكومات الإفريقية في السنوات الماضية تتيح لأمريكا التحرك على قرارات المنظمات الإقليمية في إفريقيا، مثل الاتحاد الإفريقي، وقد وقعت أمريكا بالفعل على اتفاقات مع الدول المنتجة للنفط، مثل: الجابون، موريتانيا، وحتى الدول قليلة المصادر النفطية مثل: غينيا ورواندا،  وطورت علاقات شراكة عسكرية مع معظم دول القارة، وورثت بذلك تركة الدول الاستعمارية القديمة.

  يتوقع في المستقبل القريب أن تستغل أمريكا الشعبية الجارفة لرئيسها الجديد من أصل إفريقي في بسط المزيد من نفوذها على زعماء القارة، لإقناعهم بتعزيز شراكاتها، وقبول وجودها  العسكري؛ إذ إن المشروع يجد رفضًا من قبل الدول الأفريقية، كما أكد ذلك المتحدث الرسمي لمفوضية الاتحاد الأفريقي، ولم توافق عليه سوى 12 دولة حسب ما صرح بذلك مسؤول عسكري أميركي .

    مما يزيد المخاوف من الوجود العسكري الأمريكي  قصف طائرات صهيونية بدون طيار لقافلة سودانية داخل الحدود، زعمت إسرائيل أنها محملة بالسلاح ومتجهة إلى غزة، وهو ما يؤكد خطر وجود  القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، والتعاون الوثيق المتوقع بينها وبين الكيان الصهيوني لتنفيذ الأجندة الصهيوأمريكية للسيطرة على المنطقة؛ لما تتمتع  به من ثروات؛ ولموقها الاستراتيجي، مع إمكانية التأثير على حكوماتها ، واستجابة بعض زعمائها .

هل فعلاً تراجعت أمريكا  عن مشروع "أفريكوم".؟

 في تطورات لاحقة أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون، أنها ستراجع طموحاتها لبناء قيادة مركزية في أفريقيا على غرار القيادة المركزية في الشرق الأوسط "سيتكوم"، مرجعة ذلك لمعارضة الدول الإفريقية لهذا المشروع المعروف باسم "أفريكوم"، وعدم نجاح أمريكا في إقناع دول إفريقيا بالموافقة علي استضافته،  حتى الدول الحليفة لها في غرب إفريقيا وشمالها.  فقد نقلت صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) عن مسئول دفاعي أمريكي اعترافه بأن حكومته لم تنجح في إزالة التوترات والشكوك لدى تلك الدول إزاء اتخاذ هذه الخطوة،  وذكرت مصادر حكومية أمريكية أن واشنطن تخلت مؤقتًا عن المضي قدمًا في تنفيذ مشروع إقامة هذه القاعدة، وتدرس خيارًا آخر ، وأنها تراجعت كذلك عن تسويق فكرة أفريكوم".  باعتبارها قيادة متعددة تضم المهام العسكرية وغير العسكرية ومؤسسات إضافية. ومن المؤشرات التي تحمل تأكيدًا على التراجع تقليص الحكومة الأمريكية للميزانية التي كانت  مقررة بما يعادل أكثر من 30% .

وبرغم هذا الإعلان عن التراجع، إلا أن بعض القادة العسكريين الأمريكيين أكدوا أن لديهم عزمًا على تنفيذ هذه الفكرة مستقبلاً؛  لما تمثله من أهمية على مستوى ترسيخ النفوذ العسكري الأمريكي.)