أضواء على المعتقدات الإفريقية قبل الإسلام

 

د. عبد الرحمن علاوي

مدرس بكلية الفرقان للدراسات الإسلامية والتربوية

بمدينة بوبو جولاسو- بوركينا فاسو

 

«الدين» يمثّل جزءاً أساسيّاً من حياة المجتمعات الإفريقية، وكلّ جماعة إفريقية عملت في الوقت نفسه كجماعةٍ دينية، ومن هنا استخدم البعض مفهوم «الديانات القبَلية» على الديانات الإفريقية التقليدية القديمة، وهو مفهومٌ لا يتميز بالدقة الكافية نظراً لوجود أُسس دينية مشتركة بصرف النظر عن القبيلة. وقد ظلت «الديانة» واحدةً من أهمّ القوى الدائمة في إفريقيا، ومكوّناً رئيساً من مكونات المجتمعات.

فالدين موجودٌ في كلّ مجالات الحياة البشرية في إفريقيا، وقد سيطر على تفكير الإفريقيّين إلى الحدّ الذي أصبح يشكّل فيه ثقافتهم وحياتهم الاجتماعية وتنظيماتهم السياسية وأنظمتهم الاقتصادية، وعليه؛ فإنّ الدين مرتبطٌ بشدة بطريقة الحياة في المجتمعات الإفريقية، ولِفَهْم هذه المجتمعات في جميع أطوارها، والتحولات التي صارت إليها بعد ذلك مع دخول الإسلام، فلابدّ من فَهْم الديانات التي كانوا يؤمنون بها.

مباحث الدراسة:

وسيتم تناول الموضوع من خلال المباحث الآتية: مدلول كلمة الدين باعتباره مصدر المعتقدات، فلسفة التدين الإفريقي القديم، أسماء أُطلقت على الديانة الإفريقية القديمة، تطور دراسة الديانة البُدائية في إفريقيا، معتقدات شعوب إفريقيا القديمة، ديانة الفودو le Vaudou الوثنية في غرب إفريقيا، ثم خاتمة البحث.

المبحث الأول: مدلول كلمة الدين باعتباره مصدر المعتقدات:

اشتُقت كلمة (دِين) بكسر الدال، من فعل دان يدين دِيناً، ويُجمع على الأديان، ولها في لسان العرب استعمالاتٌ عديدة، ومعانٍ كثيرة، ساقها علماء اللغة في مؤلفاتهم، ولكن كما يقول ابن فارس في معجمه: «مادة الدال والياء والنون (دِين): أصلٌ واحدٌ، إليه يرجع فروعُه كلُّها، وهو جنسٌ من الانقياد والذُّل»[1].

وقد عُرّف الدين بأنه: «وَضْعٌ إلهي، يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عن الرسول»[2]، والدين في كليات أبي البقاء: «عبارةٌ عن وَضْعٌ إلهي، سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات، قلبيّاً كان أو قالبيّاً، كالاعتقاد والعلم والصلاة...»[3]، من تعريفاته أيضاً: «اعتقاد قداسة ذات، ومجموعة السلوك الذي يدلّ على الخضوع لتلك الذات، ذلاً وحبّاً، رغبةً ورهبة».

كلمة (دين) في الثقافة الغربية:

تُترجم كلمة (دين) إلى Religion اللاتينية، وهذه الترجمة- إذا دققنا النظر فيها- يتبيّن لنا أنها لم تكن دقيقة؛ وسنحاول تحديد الجذور اللغوية للكلمة في اللغة اللاتينية، ومصدر اشتقاقها.

 Religion لاتينية الأصل والجذور، وقد اختلف الباحثون في تحديد أصل اشتقاقها إلى فريقَيْن:

ظلت المجتمعات الإفريقية في وثنيتها وعبادة ما لا يضر ولا ينفع، إلى أن أكرمها الله بتغلغل الإسلام إلى أراضيها، فأسلمت وحسن إسلامها وإسلام بعض ملوكها

 الفريق الأول: يرى أنّ كلمة Religion مشتقة من فعل Relegere المركب من كلمتَيْن، هما: Re التي تعني بادئة، أو سابقة، وفعل legere الذي يعني قطف أو جمع، ويصبح معنى الكلمة المركبة: إعادة القطف والجمع، وقد مرّت الكلمة بمراحل، حيث كانت كلمة Religion تدل على إعادة السلوك الداخلي لدى الإنسان وتكراره، كسلوك التفكير والتبصير والاختلاء والانكباب بشكلٍ دقيق، ثم استُعملت للدلالة على الاجتهاد في دراسة بعض الأمور البالغة الأهمية، وكما استُعملت، أيضاً، للدلالة على الوسواس، والاهتمام الدقيق، والتقوى القلقة، وفي الأخير أخذت بُعداً آخر، فأصبحت تدل على الطقوس، والواجبات والشعائر[4].

والفريق الثاني: يقول إنّ الكلمة مشتقة من فعل Religare المؤلفة من كلمتَيْن أيضاً، وهما: Re، وفعل ligare الذي يعني ربط أو وَصْل، فكلمة Religare تعني إعادة الربط والوَصْل، فكلمة Religion هي إعادة الربط بين البشر والإله، والتي تعكس علاقة عاطفية تؤدي إلى الخضوع والعبادة[5].

الدين في حياة الإنسان:

استدل علماء الآثار على وجود ظاهرة التدين في المجتمعات الإنسانية القديمة بالرسوم والصور والنقوش التي كانت ترمز إلى أمورٍ دينية في تلك المجتمعات، وذلك منذ عصورٍ تُقدّر بحوالي ما بين الخمسين والمائة ألف سنة من عمر الإنسان[6]، وفي حين يرى فريقٌ آخر من العلماء والفلاسفة أنّ ظاهرة التدين لازمت الإنسان منذ ظهوره على هذه الأرض، سواء أكان مصدر هذا التدين وحياً، أم غير ذلك، ولم يوجد في مجتمعٍ دون مجتمع، أو في حضارةٍ دون أخرى، وهذا ما جعل برغسون Bergson, Henri[7] يقول: «لقد وُجدت جماعاتٌ إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات؛ ولكن لم توجد جماعةٌ بغير دين»[8]، وقال ويل ديورنت: «ولا يزال الاعتقاد القديم بأنّ الدين ظاهرةٌ تعمّ البشر جميعاً اعتقاداً سليماً»[9].

الدين ضروريٌّ ومهمٌّ للإنسان، وأهميته تفوق أهمية أيّ غريزة فيه، لأنه هو الذي يصنع التوازن المعقول بين مكوّنات الإنسان شبه المتناقضة، ويجعله يتحكم في نفسه وفي بيئته، ويتعامل معها تعامل السيد الحكيم مع العبد، في جوٍّ تملؤه الحكمة والتفاؤل والتفاهم.

إنّ الإنسان، الذي جعله الله سيد الكائنات الحية بحكمته، مجهزٌ بجملة من المكوّنات والصفات والمؤهلات التي تؤهّله للقيام بالمَهمّة التي وكّلت إليه، التي هي (عمارة الأرض)، فجهزه الخالق سبحانه بالعقل، وما يتفرع عنه من العلم والإدراك والقدرة، الذي يمكّنه من تحليل الأمور والوقوف على حقيقتها، وغرز فيه معنى الأنانية وما يتفرع منها كحبّ الأثرَة والتملّك، وآتاه أسباب القوة ومقومات تدبير الأمور، وما يخرج منها كحبّ السيطرة والكبرياء والعظمة والجاه، وزوّده أيضاً بجملة من العواطف والأحاسيس والانفعالات تتمّةً لهذه المقومات، كالحُبّ والكراهية والغضب.

وهذه المقومات إذا لاحظناها جيداً؛ لوجدنا أنّ لها إيجابيات وسلبيات، وهي في الحقيقة أسلحةٌ ذات حدَّيْن إن أحسن استعمالها كانت خيراً كثيراً، وإن أسيء استعمالها كانت وبالاً على الإنسان، وزد على ذلك أنّ هذه الصفات لا يقدر الإنسان على السيطرة عليها وحده دون منهجٍ يلتزم به؛ لأنها تجعل الإنسان ينسى حقيقة أصله، وتغريه وتُفقده السيطرة على نفسه، وينتج من هذه الحالة النزوع إلى ظلم المستضعفين بصفة القوة، والسيطرة والاستغلال بأي وسيلة، لأنه يقدر ويستطيع، ويصبح قانون الغابة هو المسيطر في المجتمع الإنساني، فيأكل القويُّ الضعيف، والأصلح- بمنطق القوة- هو الذي يبقى ويعيش، وهذا ما نشاهده في المجتمعات الكافرة.

ومن أجل ذلك؛ كان لابدّ من السند الإلهي، وكان لابدّ من وجود منهجٍ يقود هذا الإنسان- الذي زُوّد بهذه الصفات الخطيرة- إلى استعمالها في الحدود التي رسمها له الخالق، والذي يوفر للإنسانية الخير والرفاهية والسعادة، فكان لابدّ من إرسال الرسل والأنبياء بتعاليم السماء، وكان لابدّ من الدين الحق الذي يقي الإنسان من خطورة هذه المقومات التي فُطر الناس عليها[10]، وهكذا تفضل الله- عز وجل- بنعمة الدين وإصلاح معتقدات الشعوب والأمم؛ فأرسل إليهم الرسل والأنبياء، وأنزل معهم الكتب، وكلما طالت الأزمنة، وتعاقبت الدهور على مضي الرسل والأنبياء والمصلحين؛ ابتعدت الشعوب عن تعاليم السماء، إمّا بتحريف الدين السماوي الذي جاءت به الرسل، أو بابتداع ما سوّلت لهم أنفسهم عبادته والخضوع له، وربما كان هذا الأخير هو الحال في إفريقيا في العصور القديمة.

المبحث الثاني: فلسفة التدين الإفريقي القديم:

على الرغم من قدم تلك المعتقدات الإفريقية؛ فإنّ الدراسات والأبحاث العلمية عنها لم تر النور إلا في القرن الماضي، وذلك عندما قدمت مجموعةٌ من الباحثين وعلماء السلالات البشرية anthrobologists الغربيين، ومجموعة من المنصِّرين، إلى إفريقيا بقصد عمل دراسات وأبحاث عن الأعراف والتقاليد الدينية للأفارقة، ولم يطلق هؤلاء الباحثون الأجانب كلمة «دين» أو «عقيدة» أو حتى «فلسفة» على هذه المعتقدات؛ إنما راحوا يبحثون عن أسماء أخرى أقلّ دلالةً وأدنى قيمةً من الكلمات السابقة، وهذه الأسماء في الحقيقة توحي بدونية الشعوب التي كانت تعتقدها حيناً، وبهمجيتها حيناً آخر، وكان المؤرخ الإفريقي جون امبيتي J. Mbiti[11] محقّاً عندما قال: «إنّ المسميات الغربية  للديانات الإفريقية قد تأثرت جدّاً بتلك الأوصاف الانتقاصية التي أطلقها أولئك الذين لفّـقوا ونسجوا قصصاً خيالية عن الديانات والمثيولوجيا الإفريقية، فهُم بهذا ينشرون ويذيعون ما سيطر على عقول أولئك الأوائل، الذين قدموا إلى هذه المناطق ووضعوا أفكاراً وأوصافاً خياليةً دون ما تمحيص دقيق»[12]. ويقول المؤرخ البوركيني «كي زيربو» مبيّناً مكانة معتقدات الشعوب في غرب إفريقيا، وردّاً على فكرة التقليل من قيمتها مقارنةً بدياناتٍ وثنيةٍ أخرى: «وبمناسبة الحديث عن الديانات التي كانت منتشرةً في داهومي، والتي كانت تُشبه ديانات مصر القديمة واليونان وروما»[13]، وأعقب قوله هذا بقول أحد الباحثين: «لا يجب أن نخلط بين هذه الديانات وبين السحر، وقد ساهم المبشرون المسيحيون في إعطاء فكرةٍ صحيحة عن هذه الديانات التقليدية، رغم أنّ بعضهم أساؤوا الحكم عليها دون تمييز؛ فدمّروا أشياء فنية ترتبط بها كالأقنعة»[14].

إذاً فالديانة الإفريقية القديمة كانت تشبه معتقدات الشعوب الوثنية في العالم.

يقول علماء السلالة البشرية: إنّ اهتمام الشعوب البدائية بالمعتقدات الدينية في إفريقيا كان عظيماً، كما أنّ اعتناءهم وارتباطهم بالطقوس التي تقربهم إلى معبودهم الأعلى كان مستمراً وغير منقطع[15].

لقد عرفوا معبوداً قبل مجيء المبشِّرين بزمنٍ طويل، وليس المبشِّرون هُم مَن جاؤوا بفكرة الربّ الخالق، والدليل على ذلك أنه كان لكلّ قبيلة من القبائل الإفريقية اسماً خاصّاً بها تُطلقه على الربّ الذي يعبده أفرادها، ولبيان عناية الأفارقة بتقاليدهم الدينية التقليدية قال جون امبيتي J. Mbiti: «الأفارقة متدينون للغاية، وبحيث إن لكلّ شعبٍ منظومته الدينية الخاصّة بها. وبممارستهم لمعتقداتهم ينفذ الدين إلى كلّ مؤسسات الحياة، وبشكلٍ تامٍّ ومنضبط يصعب عزله عنهم. ودراسة تلك المنظومات الدينية دراسةٌ للشعوب أنفسهم في نهاية المطاف...»[16].

ويقول أيضاً: «إنه يكون من الصعوبة بمكانٍ فصل مقومات الحياة العامّة عن الحياة الدينية، وفصل الحياة الروحية عن الحياة المادية في إفريقيا؛ لأنّ الإنسان الإفريقي أينما حلّ، حلّ معه دينه، أي أنه يصاحبه في كلّ مكان، فهو متديّنٌ في الحقول وهو يزرع البذور، أو يحصد المحاصيل الزراعية، متديّنٌ في احتفالاته، متديّنٌ أثناء مراسم الجنازة، متديّنٌ وهو في قاعة الامتحان، متديّنٌ في البرلمانات، وفي قصر الرئاسة»[17].

ونحو ذلك يقول الدكتور عبد الرحمن الماحي في كتابه (الدعوة الإسلامية في إفريقية): «فالإنسان الإفريقي متشبّثٌ بالقيم الروحية؛ فقلما يقوم بحركةٍ هامّة أو تافهة دون أن تسبقها فكرةٌ دينية، أو تنبني على تصوّر عقائدي، سواء كانت ذلك في الميدان الاجتماعي أم السياسي، أم في مجال النشاط الاقتصادي»[18].

ويتابع قائلاً: «عند الحديث عن المجتمع الإفريقي، فمن الصعب الفصل بين المجال الديني، والعلاقات الاجتماعية؛ لأنّ المعتقدات الإفريقية تتجاوز الفرد، فكلّ معتقدٍ يقابل نمطاً مميزاً من أنماط المجتمع، سواء أكان ذلك المعتقد يخلق هذا النمط أم ينبثق منه، فأنماط السلوك الاجتماعي تتحدّد بالمعتقدات، فأول ما يشعر به كلّ إنسان الوازع الديني، أو الخوف من الأخطار، ثم الثقة في مساندة الجماعة التي ينتمي إليها، والخضوع للتقاليد التي تفرضها هذه الجماعة، أو تفرضها الطقوس والشعائر الدينية»[19].

جاء في وثيقةٍ سرية وزّعها وزير المستعمرات البلجيكية على البعثات التنصيرية التي أوفدت إلى كونغو 1920م: في الحقيقة ليست أهدافنا من هذه الإرساليات أن نعلّم الأفارقة معرفة الله وعبادته، ليس هذا هو الأمر، إنّ الأفارقة كانوا يعرفون الآلهة قبل مجيئكم، كانوا يخضعون للآلهة مثل إله مونغو Mungu، وانزامبي Nzanbbe، وامفندي موكولو Mvindi Mukulu، وكانوا يعرفون أنّ القتل والسرقة والزنا والكذب والافتراء والشتم حرامٌ لا يجوز[20].

المبحث الثالث: أسماء أطلقت على الديانة الإفريقية القديمة:

أطلق الباحثون وعلماء السلالات البشرية القدامى مجموعةً من الأسماء على الشعائر والطقوس والتقاليد الدينية التي كانت تُمارَس في إفريقيا القديمة، وظلت تلك الأسماء متداولةً في الكتب العلمية والمؤلفات التاريخية والموسوعات المتخصصة- على مَرّ العصور- تدل على الممارسات الدينية والشعائر والعبادات للشعوب الإفريقية، وإليك بعض هذه الأسماء:

1- أنيمسم Animism: هذه الكلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية أنيما Anima، أي الروح أو النفس، ويعني المذهب الروحي، أو النفسي[21]، وتُرجمت الكلمة إلى «الإحيائية»؛ أي الاعتقاد بقوة روحية في الأشياء، أي أنّ للجماد والنبات أرواحاً مشابهة لتلك التي لدى الإنسان، وأنّ الروح هي مبدأ الفكر والحياة العضوية في آنٍ واحد[22]. أو إلى «الأرواحية»، وقد جاء في الموسوعة العربية العالمية، أنّ المصطلح يُطلق على الدين الذي تؤدي أرواح الموتى، أو أرواح الطبيعة، دَوراً مهمّاً فيه[23]... وأول مَن أطلقها للدلالة على المعتقدات الإفريقية هو عالم السلالات البشرية الإنجليزي الأستاذ تيلورTaylor   المتوفى عام 1866م[24].

على الرغم من قدم تلك المعتقدات الإفريقية؛ فإنّ الدراسات والأبحاث العلمية عنها لم تر النور إلا في القرن الماضي

2- بغنسم Paganism: أصل هذه الكلمة هو باغان Pagan، وهي كلمةٌ كانت تُطلق في الثقافة الغربية على الذي ليس يهوديّاً ولا نصرانيّاً ولا مسلماً، وصارت تُطلق على مَن ليس له دين أصلاً، أي الرجل اللاديني[25].

3- فيتشسمFetishism : اشتُقت من كلمة فيتكو Fetico في اللغة البرتغالية، وكانت تُطلق عموماً على الأعمال المنحوتة التي يصنعها الإنسان لغرضٍ ديني، كالتعاويذ الجالبة للحظ والتمائم، وغير ذلك[26]، وهي المذهب الذي تُقدّس فيه العظام والتماثيل المحفورة والحجارة النادرة وما شابهها، بوصفها أشياء لها قوةٌ قادرة على حمايتهم أو مساعدتهم. فقد أطلقها المكتشفون البرتغاليون خلال أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، عندما احتلوا إفريقيا[27].

4- بوليتيئسم Polytheism: وتعني الاعتقاد بتعدد الآلهة[28].

وغير ذلك من الأسماء.

رابعاً: تطور دراسة الديانة البدائية في إفريقيا:

وقد شهدت دراسات الديانة التقليدية في إفريقيا تطوّراً ملحوظاً؛ منذ أن تولّت مجموعةٌ من الباحثين الغربيّين والأفارقة دراسة تراث إفريقيا الديني دراسةً علمية منصفة، في بداية النصف الأول من القرن العشرين، حيث قدّم هؤلاء العلماء دراسات علمية عن حقيقة الأديان التقليدية في إفريقيا، وإن كانوا قد واجهوا صعوباتٍ كثيرةً في سبيل ذلك؛ لأنهم لم يقفوا على مصادر موثقة لهذه المعتقدات، ولا كتب مقدسة تسهّل عليهم الدراسة، ولا وثائق تحمل قوانين تنظّم طقوس الشعوب الإفريقية وشعائرها المختلفة، وإنما هؤلاء العلماء اعتمدوا في دراساتهم على التراث الشفوي الموروث، والذي تناقله السدنة والكهنة.

وهو ما أراد جون امبيتي J. Mbiti توضيحه عندما قال: «من الصعوبات التي واجهها علماء تاريخ الأديان، في أثناء دراستهم للأديان والفلسفات الإفريقية، انعدام كتبٍ مقدسة خاصّة بها؛ لأنّ هذه الأديان لم تكن مدوّنة في الأوراق؛ وإنما كانت محمولةً في صدور الناس، ومحفوظةً في عقولهم، يتناقلها السدنة ورجال الدين شفوية؛ وبناءً على ذلك؛ إذا أردنا دراسة الديانة الإفريقية البدائية، فإننا لا نكتفي بالجوانب الروحية فقط؛ وإنما يجب أن تشتمل دراستنا عنها رجالَ الدين وشخصيات الطقوس. واعلم أنّ كلّ ما يقوم به الإنسان الإفريقي فإنما هو نابعٌ عن معتقده، وما يعتقد صادرٌ عن أفعاله، وتجاربه، وبذلك يكون الاعتقاد والممارسة العملية شيئَيْن لا ينفك بعضهما عن بعض»[29].

خامساً: معتقدات شعوب إفريقيا القديمة:

تتركز معتقدات الشعوب الوثنية في إفريقيا في عبادة ثلاثة معبودات أساسية، ويبدو أنّ المعبودات الثلاثة قاسمٌ مشترك بين قبائل إفريقيا السوداء عامّة، وتتمثل فيما يأتي:

1) الاعتقاد بوجود الربّ والخالق:

في الأصل يعتقد جلّ الأفارقة، بمقتضى هذه الديانة التقليدية القديمة، بأنّ للكون ربّاً وإلهاً خلَقه وبدَعه، اتسم بالعظمة والكبرياء والعلو، لا يساويه كائن، وليست له تجلياتٌ صوريةٌ مرئية، هو المصدر الأوحد والرئيس للوجود كلّه، والمنبع الفريد لكلّ القوّات، يُسند إليه الإحياء والإماتة[30]. ولكن أبعاد هذا الاعتقاد- في أغلب الأحوال- ممزوجةٌ بأساطير وخرافات لا يعلم مداها إلاّ الله تعالى. ولا يختلف هذا الاعتقاد كثيراً عن اعتقاد مشركي مكة عن الله، والذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ?قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [84] سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [85] قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [86] سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [87] قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [88] سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ? [المؤمنون: 84-89].

إنّ الإيمان بأنّ الإله الأعلى هو الذي خلق العالم، ودبّر أموره، تكاد تكون فكرةً مشتركةً بين جميع قبائل إفريقيا، وهو ما أكده ديشان في كتابه (الديانات في إفريقيا السوداء)، عندما قال: «يبدو أنّ جميع الشعوب الإفريقية تعتقد بوجود إلهٍ خالق الكون، عظيم متعال، إلا أنهم يختلفون اختلافاً كبيراً في تقدير سلطاته»[31].

ومن المعتقدات الشائعة في المعتقد الإفريقي القديم فكرة ابتعاد الربّ الأعظم عن الناس، جاءت في الفكر الأسطوري لبعض القبائل الإفريقية خرافاتٌ عن الإله مفادها: إنه حصل أنّ الربّ كان يسكن مع الناس في مكانٍ واحد، وحدث شيءٌ مؤسف، أثار غضبه، وقد أدى ذلك إلى ابتعاده عن الناس[32].

وقد كانت أسطورة بعض القبيلة تصوّر لنا وجود الإله في أعلى عليّين وراء القمر أو وراء أطباق السماء، وأنه نزل إلى الأرض، على نسيج أحد العناكب، يحمل الرجل والمرأة ليُسكنهما الأرض، وهو بصيرٌ بكلّ شيء، إلا أنّ أحداً لا يستطيع أن يصل إلى مكانه، فإذا ظهر الهلال في السماء رفع الداعي أكفّه بالتضرع إليه قائلاً: «إنّي لستُ من عبادك الجشعين»[33].

تُعدّ قبيلة لوبي في بوركينا فاسو من إحدى القبائل الإفريقية التي احتفظت بتراثها الديني التقليدي، وقد كانت تؤمن بوجود قوّةٍ غارقة، وكائنٍ أعلى، خلق جميع الكائنات الحية، وتلك البيوت الصغيرة التي نجدها غالباً أمام مساكن شعوب لوبي الأسرية، تمثل معابد وأماكن أداء مختلف الطقوس والشعائر وفق معتقدات تلك الشعوب[34].

وتعتقد جماعة كاسينا (أحد فروع قبيلة غرونسي في بوركينا فاسو) بوجود إلهٍ خالق أعلى، تتوسل إليه بواسطة الأصنام المنصوبة في وسط كلّ قرية من قرى تلك الجماعة، وتنظّم رقصات تنكرية طقوسية تقديساً وتكريماً لذلك الخالق الأكبر، ومن أجل حماية القبيلة من كلّ سوء، ومن أجل ضمان الأمن والرخاء والرفاهية والسلام لهم[35].

وتعتقد قبيلة سينيفو بإلهَيْن اثنَيْن أحدهما: إله ماليهو Maalihuu هو الإله الخالق، والحاكم الأعلى. والآخر: إله كولوتيولو Kolotyolo، وهو أنثى، وهي الأُمّ القديمة، ولا يمكن الاتصال بها إلا بواسطة آلهةٍ أخرى فرعية، يُدعى بعضها يرغييفولو Yargiifulu، أو انيهي Nnyhie[36].

2) الإيمان بوجود الأرواح في الطبيعة:

ومن المعتقدات الشائعة في الديانة الإفريقية القديمة: الإيمان بأنّ الربّ خلق أرواحاً، وأدخلها في عناصر الطبيعة، وفي موتى الأسلاف؛ وبموجب ذلك تتحول تلك العناصر إلى آلهةٍ فرعية يتخذها الناس وسطاء في طقوسهم وشعائرهم ليقربوهم إليه؛ لاعتقادهم بأنّ الإله الربّ لا يستجيب لحوائج الناس، ولا يساعدهم؛ لبُعده عنهم.

وبناءً على ذلك؛ فقد استنبط علماء الأديان أنّ هناك نوعَيْن من الأرواح التي تعبدها الشعوب الإفريقية في عقيدتها الوثنية، هما:

أولاً: أرواح ليست في الأصل أرواحاً إنسانية، إنما التي تتجلى في مختلف عناصر الطبيعة- كما ذكرتُ سلفاً، وعلى سبيل المثال: الأرواح التي تجلّت على البحيرة في اعتقاد قبيلة ليؤو في كينيا، والتي تُسمّى الإله مونبو Monbo الذي يتوجه إليه أفراد تلك القبيلة بالطقوس والقرابين المختلفة، وكما اعتقدت قبيلة دوغون بأنّ تلك الأرواح هي التي تجلّت في مياه، وأطلقوا عليها نومو Nomo أبو البشر، والذي علّم الإنسان فنّ استخدام النار، والأدوات[37].

ثانياً: أرواح الأسلاف والأجداد التي ستتم الإشارة إليها في النوع الثالث من أنواع معبودات الأفارقة. ولكلا النوعَيْن من الأرواح أهميتهما ومكانتهما، وكلاهما موضوع العبادة والتقديس في الثقافة الدينية الإفريقية قديماً.

3) الاعتقاد بسلطة الأسلاف القاهرة:

تحتل روح الأسلاف والأجداد بعد مفارقتهم للحياة مكانةً مرموقةً في اعتقاد الشعوب الإفريقية القديمة، فقد كانت تحظى بكلّ احترامٍ وتقديس وتبجيل؛ وذلك أنّ الموت لم يضع حدّاً نهائيّاً لحياتهم- حسب اعتقادهم. وبمقتضى ذلك؛ يعتقدون أنّ علاقتهم لا تزال بها قوية ومستمرة، فهي تقوم بحفظهم وحمايتهم، والانتقام منهم إذا تجاوزوا الحدود المرسومة لهم[38]؛ لذلك لا تحلف أفراد قبيلة موسي في بوركينا فاسو بالأسلاف، أو بالأرض التي يمثلها، إلا في أمورٍ صعبة؛ لأنهم يؤمنون إيماناً جازماً أنّ للأسلاف القدرة على الأذى، وهُم مستعدون  للتدخل والانتقام إذا اقتضى الأمر ذلك[39].

وينقل الشاعر الإفريقي براغو ديوب Birago Diop[40] فكرة بقاء أرواح الأسلاف في قصيدته:

الذين ماتوا لم يذهبوا أبداً..

إنهم هناك.. في الظلال الكثيف..

الموتى ليسوا تحت الأرض..

إنهم في الأشجار حين تصدر حفيفاً..

إنهم في الأخشاب حين تصدر أنيناً..

إنهم في تلك المياه الجارية..

إنهم في الأكواخ.. إنهم وسط الحشود. ...[41].

تحتفظ الأسلاف بعد موتهم بكلّ خصائصهم الفيزيولوجية ومقوماتهم الأساسية- في عقيدة الأفارقة قديماً؛ لذلك فهم يشعرون بالجوع والغضب، والفرح والحزن. تقول الأستاذة مارغيرت غرييل: «يحتفظ الأسلاف بكلّ انفعالاتهم ورغباتهم كما كانوا من قبل، فهُم يشعرون بالجوع والعطش، يغضبون ويُسرّون؛ وينتقمون إذا ما أُهملوا، ويرضون إذا ما عُوملوا بالاحترام اللائق. ووفاء الأبناء تجاه الأسلاف هو الذي يقيهم من الجوع والعطش؛ إذا قُدّمت إليهم القرابين بصورةٍ منتظمة»[42].

للأسلاف طقوسٌ وشعائر متعددة، تختلف من قبيلةٍ لأخرى، تمارسها الشعوب الإفريقية في ديانتهم القديمة؛ لاسترضاء أرواحهم وتعظيمها، أو لاستشارتهم في قضايا وأحداث، ومن هذه الطقوس الإراقة Libation، وهي شعيرة تقديم قرابين من طعامٍ وخمرٍ إلى الأسلاف، وتُمارس هذه الطقوس على شكل أفرادٍ وجماعات، فقبل أن يشرب المرء منهم خمراً أو ماءً فإنه يريق بعضاً منه على الأرض، ويعتقد أنه بهذا قد أعطى سلفه ما يحتاج إليه من ماء أو خمر. من أجل ذلك؛ يتأكد الإنسان الإفريقي قبل النوم من أنّ خزانات المياه بالبيت تحتوي على شيءٍ من الماء، فالأسلاف سيتجولون ليلاً، ويحبّون أن يرتووا من بيوت أقربائهم[43].

4) الكاهن ودوره في الديانة التقليدية في إفريقيا:

يُعدّ الكاهن شخصيةً دينيةً مهمّة في معتقد الديانة الإفريقية القديمة؛ اكتسب هذه المكانة في الدَّور الكبير الذي يؤديه في حياة الأفارقة الدينية، المتمثل في الوساطة بين الآلهة الإفريقية وأفراد القبائل التي ينتمي إليها السادن أو الكاهن، وهو المُبلّغ الأوحد عن العابد، أي هو الذي يقوم بدَور توصيل الطقوس والشعائر التي توجّه إليه- من قِبَل العابدين- إلى الإله الربّ الكبير، فوظيفة السادن كبيرةٌ وبارزةٌ في المجتمع الديني الإفريقي[44].

وإلى جانب ذلك؛ يؤدي الكاهن الإفريقي دَور الحكماء والأطباء والقضاة؛ لأنه قريبٌ من الربّ، وله العلم والدراية بكثيرٍ من مجالات الحياة في إفريقيا.

يقول بولاجي إيدووو عن سدنة بلاد اليوروبا: «الوظيفة الرئيسية للسادن عند اليوروبا هي الوساطة بينهم وبين آلهتهم، هو الشخص الذي يرتبط بالبشر والآلهة في آنٍ واحد، هو الذي بإمكانه أن يسمع كليهما (الآلهة والبشر)، وهو الذي يرفع للآلهة صلوات عابديهم ليقبلوها، ويبارك العبّاد نيابةً عن الآلهة»[45].

يتولى منصب السدنة كلُّ مَن يريد مَن الرجال والنساء، بشرط أن تتوفر فيه الشروط اللازمة، كالكفاءة والأهلية والقدرة على تحمّل كامل المسؤولية. وقد تكون وظيفة السدنة وراثية، أو اختيارية بتلبس الإله أو الروح المعبود به في أثناء الطقوس، وبعد الاختيار يلزم إخضاع السادن الجديد للتدريبات والتمرينات اللازمة التي تؤهله أكثر، ويجعله أكثر استعداداً لتولي المنصب الديني الجديد[46].

تتضمن تمرينات السادن الجديد دروساً في القانون الخاصّ بالإله، والمحرمات، وكيفية الرقص، ودلالة كلّ رقصة، والموسيقى ونغمات الطبول، كما يجب عليه أن يتعلّم الحكمة الشعبية (العلاج بالأعشاب وأوراق الشجر)، والطبّ الروحي، وكيفية طرد الأرواح الشريرة من أجسام العبّاد، كما يجب عليهم أن يتعلموا تاريخ المجتمع وعاداته وتقاليده بتوسّع. وكثيرٌ من الأمور الاجتماعية توكل للسدنة بوصفهم قادةً روحيّين للمجتمع[47].

5) العبادة في الديانة الإفريقية القديمة:

تمثّل العبادة الوثنية الإفريقية جملةً من الشعائر التي يقوم بها الإنسان الإفريقي لإرضاء معبوداته من الأصنام والأوثان وأرواح الأسلاف، كطقوس تبجيلها، وشعائر تقديسها، وتقديم ثناء وشكر لها، وغير ذلك[48].

وعبادة الديانة الإفريقية تتسم باكتساب المصلحة والمنفعة المتبادلة، أي أنّ الأفارقة لا يعبدون المعبود؛ لأنه أهلاً للعبادة، وإنما من أجل مصلحة دنيوية ومنفعة عاجلة متوقعة، فالآلهة التي لا يرى لها أثر مساعدتها واضحة؛ فهي لا تستحق العبادة والتبجيل والتقديس؛ ولذا يرد كثيراً في ألفاظ عباداتهم ما يدل على ذلك، كما في قول بعضهم: «ساعدني يا ربّ أعطيك»، «أيها الآلهة لقد وفرتم لي هذه الخمر، وأنا بدَوري أشكركم وأعبدكم وأقدسكم»[49].

وتبدو العبادة في الديانة الإفريقية القديمة كأنها عقد معاهدة بين العابد والمعبود، وبموجبه يمارس أتباعها الشعائر والطقوس من تقديم القرابين للآلهة وغيره، وتقوم الآلهة بتوفير ما يحتاج إليه الأتباع من القوة والسلطة والصحة، لتستحق ثقة أتباعها باستمرار، وإلّا، فسرعان ما يتخلون عن عبادته ويتهمونه بالعجز والضعف[50].

والنماذج الآتية من العبادات في الديانة الإفريقية القديمة توضح ما ذكرناه هنا:

تعبد أفراد قبيلة دوولا Dioula في السنغال إلههم بالعبارات الآتية: «الإله؛ ها هو الأرز نعطيك إياه؛ لأنك وفرت لنا المطر، ولأنك رحمتنا، وأطفالنا».

وعند قبيلة يوربا في نيجيريا وبنين: «ليكن استيقاظنا سعيداً، استيقاظاً تصاحبه الأموال، والأزواج والأبناء هبةٌ من الآلهة، وألا نجد مع الاستيقاظ الموت والمرض، نحن ندعوك يا إله شانغو، استجب لنا»[51].

6) فكرة اليوم الآخر في الديانة الإفريقية القديمة:

لا نجد في الديانة الإفريقية القديمة أثراً واضحاً للإيمان باليوم الآخر، والبعث بعد الموت، ووقوع الجزاء، أي أن يتلقى كلُّ إنسان جزاء ما صنع، إن كان خيراً فخير، وإن كان شرّاً فشرّ، كما أثبتت ذلك عقيدة الدين الإسلامي.

إنّ ما تروّجه الميثويولوجية الإفريقية هو الإيمان بدوام تأثير الأموات، واستمرار حياتهم روحياً- كما سبق أن أشرنا إلى ذلك-، يقول القس جاك ماندلسون: «في جميع الأديان الإفريقية التقليدية اعتقادٌ فيما وراء الموت بشكلٍ أو بآخر، حيث يعتقد أنّ المتوفى تستمر حياته في عالم الأرواح... ومفاهيم الخير والشرّ موجودةٌ أيضاً في هذه الديانات، بل لعلها عميقة الجذور فيها إلى حدٍّ لا يتصوره الكثير من الناس.. وتعتقد قبائل التوركانا من كينيا- مثلاً- أنّ الله، مع أنه يشفي من المرض، قد يصيب به أولئك الذين يغشون المحارم ويخالفون الطقوس الهامّة»[52].

تتركز معتقدات الشعوب الوثنية في إفريقيا في عبادة ثلاثة معبودات أساسية، عبادة الإله الأعظم، وعبادة الطبيعة وعبادة روح الأسلاف

ولذا؛ فلا يوجد يومٌ مخصصٌ للحساب والجزاء في معتقد الديانة الإفريقية التقليدية، إنما اعتقدوا أنّ الجميع يتلقى جزاء عملهم في الدنيا، وكما يقول امبيتي: «ليست هناك جنّةٌ يتمّ التطلع إلى ولوجها، ونارٌ تستوجب الخوف منها في العالم الآخر، ولا تتطلع روح الإنسان إلى تخلّصٍ من الخطيئة، ولا إلى تواصل أوثق بالإله في العالم الآخر. إنّ هذه الحقيقة عنصرٌ مهمٌّ في الديانات التقليدية»[53].

سادساً: ديانة الفودو le Vaudou الوثنية في غرب إفريقيا:

قد لا يكون من الموضوعية والإنصاف، إذا تحدثنا عن الأديان التقليدية في غرب إفريقيا، ألا نتطرق إلى ديانة الفودو المشهورة، والمنتشرة في ذلك الجزء الغربي من القارة السمراء، والتي وجدت- أيضاً- حظها في الانتشار، بواسطة تجارة الرقيق التي مارستها قوى الاحتلال في إفريقيا، فانتقلت إلى مناطق أخرى نائية في العالم، كجزر الكارييبي والبرازيل وأمريكا والمكسيك وكوبا، وغيرها[54].

ديانة الفودو، التي بلغ عدد أتباعها خمسين مليون في العالم، هي إحدى الديانات الوثنية الإفريقية التقليدية، التي تأسست بفعل التمازج والتلاقي بين الطقوس الدينية التقليدية لقبيلة اليوربا، والطقوس الدينية لقبيلة الفون، وقبيلة الإيفيى Ewe، أثناء اتساع مملكة أبومي في القرنَيْن السابع عشر والثامن عشر الميلاديَّيْن[55].

وكلمة «فودو»- التي تبنّتها قبيلة الفون- من لغة اليوربا، واستقرت في لغتها، تعني في لغة الفون (الإله)، أو مجموعة من الآلهة أو القوى الخفية التي يستمد منها الناس القوة والطاقة والرفاهية[56]، وهي ترادف كلمة أوريسا Orishas في لغة اليوربا، أي الأصنام والأوثان.

يُعدّ إله ماوو Mawu الإله الأكبر والأعلى الذي له الكبرياء على جميع آلهة الفودو الأخرى، وهو إله ليس له شكل، ولا مثيل، ولا يشاركه شيء، وهو الذي خلق جميع آلهة الفودو الأخرى، وهو لا يتدخل في شؤون حياة الناس، وترك هذه المَهمّة للآلهة الصغرى التي خلقها، ولتتولي التدخل في شؤون الناس، والاتصال به[57].

ومن آلهة الفودو الفرعية الإله مامي واتا Mami wata، أي الإله الأنثى، وإله البحار والمياه، وشكله شكل فتاة جميلة مؤخرها مؤخر ثعبان، ويُدعى في الثقافة الدينية البرازيلية ييمينجا Yemendja.

ومصطلح «مامي واتا» مؤلف من كلمتَيْن، هما «مامي»، و «واتا»، وكلمة «مامي» تعني: شدّ شيء، وربطه، وكلمة «واتا» تعني: الأرجل أو العجز أو مؤخر الشيء، أي شدّ الأرجل، وتُردد الكلمة في الطقوس الدينية، ليتولى الإله سلامة المرأة وحفظها وضمان ولادتها، في المجتمع الفودوي[58].

خاتمة:

هكذا؛ ظلت المجتمعات الإفريقية في وثنيتها وعبادة ما لا يضر ولا ينفع، إلى أن أكرمها الله بتغلغل الإسلام إلى أراضيها، فأسلمت الشعوب الإفريقية، واعتنقته مبكراً، وحسن إسلامها وإسلام بعض ملوكها، حتى شهد بذلك مؤرخون كثيرون، وفي ذلك يقول القلقشندي عن إسلام أهل غانة: «وكان أهلها قد أسلموا في أول الفتح الإسلامي... وأنها مدينتان على ضفتي نيلها، إحداهما يسكنها المسلمون، والثانية يسكنها الكفار»[59].

والمؤرخ البكري في وصفه عاصمة مملكة غانة يقول: «مدينة غانة مدينتان سهليّتان، إحداهما التي يسكنها المسلمون، وهي مدينةٌ كبيرة، فيها اثنا عشر مسجداً، أحدها يجمعون فيه، وله الأئمة والمؤذنون والراتبون، وفيها فقهاء وحملة علم... ومدينة الملك على بعد ستة أميال من هذه، وتُسمّى الغابة»[60]، ووصفها الإدريسي الذي جاء بعد بقوله: «وغانة مدينتان على ضفتي البحر الحلو، وهي أكبر بلاد السودان قطراً، وأكثرها خلقاً، وأوسعها متجراً، وإليها يقصد التجار المياسير من جميع البلاد المحيطة بها، ومن سائر بلاد المغرب الأقصى، وأهلها مسلمون»[61].

أهمّ النتائج التي توصلت إليها في هذه الدراسة تتلخص في النقاط الآتية:

1- أنّ الدين ضروري ومهمٌّ للإنسان، وأهميته تفوق أهمية أيّ غريزة فيه، لأنه هو الذي يصنع التوازن المعقول بين مكوّنات الإنسان شبه المتناقضة، ويجعله يتحكم في نفسه وفي بيئته، ويتعامل معها تعامل السيد الحكيم مع العبد، في جوٍّ تملؤه الحكمة والتفاؤل والتفاهم؛ لذا فقد فطر الله الناس عليه.

2- ابتُليت الشعوب الإفريقية كغيرها- قبل الإسلام– بتخلّفٍ كبيرٍ في المعتقدات، وبسخافةٍ مفرطة في الأفكار والتصورات، وافتُتنت بعبادة ما لا ينفع ولا يضر، فنتجت عن ذلك انحرافاتٌ خُلُقية كثيرة.

3- تتركز معتقدات الشعوب الوثنية في إفريقيا في عبادة ثلاثة معبودات أساسية، عبادة الإله الأعظم، وعبادة الطبيعة وعبادة روح الأسلاف، ويبدو أنّ المعبودات الثلاثة قاسمٌ مشتركٌ بين قبائل إفريقيا السوداء عامّة.

4- يُعدّ الكاهن شخصيةً دينيةً مهمّة في معتقد الديانة الإفريقية القديمة؛ يكتسب هذه المكانة في الدَّور الكبير الذي يؤديه في حياة الأفارقة الدينية، المتمثل في الوساطة بين الآلهة الإفريقية.

5- تمثّل العبادة الوثنية الإفريقية جملةً من الشعائر التي يقوم بها الإنسان الإفريقي لإرضاء معبوداته من الأصنام والأوثان وأرواح الأسلاف، كطقوس تبجيلها، وشعائر تقديسها، وتقديم ثناءٍ وشكرٍ لها، وغير ذلك.

6- لا نجد في الديانة الإفريقية القديمة أثراً واضحاً للإيمان باليوم الآخر، والبعث بعد الموت، ووقوع الجزاء الذي يتلقى في حينه كلُّ إنسان جزاء ما صنع، إن كان خيراً فخير، وإن كان شرّاً فشرّ.

7- ديانة الفودو هي إحدى الديانات الوثنية الإفريقية التقليدية التي تأسست بفعل التمازج والتلاقي بين الطقوس الدينية التقليدية لقبيلة اليوربا، والطقوس الدينية لقبيلة الفون، وقبيلة الإيفي Ewe، أثناء اتساع مملكة أبومي في القرنَيْن السابع عشر والثامن عشر الميلاديَّيْن.

8- ظلت المجتمعات الإفريقية في وثنيتها إلى أن أكرمها الله بتغلغل الإسلام إلى أراضيها، فأسلمت الشعوب الإفريقية، واعتنقته مبكراً، وحسن إسلامها وإسلام بعض ملوكها، حتى شهد بذلك مؤرخون كثيرون. وفي ذلك يقول القلقشندي عن إسلام أهل غانة: «وكان أهلها قد أسلموا في أول الفتح الإسلامي... وأنها مدينتان على ضفتي نيلها، إحداهما يسكنها المسلمون، والثانية يسكنها الكفار»[62].

 

[1] معجم مقاييس اللغة، (2/319).

[2] تاج العروس، (35/56).

[3] كتاب الكليات، لأبي البقاء، (1/694).

[4] ينظر: الموسوعة الفلسفية العربية، مجموعة من العلماء العرب، ط1، معهد الإنماء العربي، بيروت لبنان، 1997م، (1/441).

[5] ينظر: الموسوعة الفلسفية العربية، مرجع سابق، (1/441).

[6] ينظر: المرجع السابق.

[7] هنري برغسون: فيلسوف فرنسي، ولد 1859م، وتوفي 1941م، له مؤلفات، منها: المحاولة في درس أوضاع الوجدان، وكان من أكبر المدافعين عن الروحانية. ينظر: المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق- بيروت/ لبنان، ط37، 1998م، ص120.

[8] الدين والحرية، سالمة عبد الجبار، الشركة العامة للورق والطباعة، الزاوية/ ليبيا، ط1، 1990م، ص18.

[9] قصة الحضارة، ويل ديورنت، ت: زكي نجيب محمود، الإدارة الثقافية جامعة الدول العربية، مطابع الدجوي، القاهرة،، 1971م، (1/99).

[10] ينظر: كبرى اليقينيات الكونية، د. محمد رمضان البوطي، ط9، دار الفكر المعاصر، بيروت لبنان، 1411هـ، ص.ص (65-66).

[11] جون امبيتي J. Mbiti: هو مؤرخ وفيلسوف من كينيا، ولد عام 1931م، درس في أوغندا، والولايات المتحدة الأمريكية. ينظر: الموسوعة الحرة ويكيبيديا/ الموقع:www.ar.wikipedia.org 

[12] African Religions and Philosophy.Heinemann.Kenya Ltd Nairobi-1969. P7.

[13] تاريخ إفريقيا السوداء، كي زربو، تر: يوسف شلب الشام، ط1994م، منشورات وزارة الثقافة، دمشق سوريا، 1994م، (1/486).

[14] المرجع السابق.

[15] ينظر: الدعوة الإسلامية في إفريقية، ص14.

[16] African Religions and Philosophy.Heinemann.Kenya Ltd Nairobi-1969. P.7.

[17] المرجع السابق.

[18] الدعوة الإسلامية في إفريقية، مرجع سابق، ص13.

[19] المرجع السابق، ص14.

[20] ينظر: الموقع: http//www.rationalisme. org/French/moralite missionnaires.htm/Devoirs des Missionnaires en colonnies/Rene Thirifays/

[21] ينظر: Cambridge international dictionary of English/46/ed 1996/ Cambridge university press

[22] ينظر: الدعوة الإسلامية في إفريقية، مرجع سابق، ص14.

[23] الموسوعة العربية العالمية، ط2، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض السعودية، 1999م، (1/560).

[24] ينظر الموسوعة العربية العالمية، مرجع سابق، (1/560)، و:

 African Religions and Philosophy.Heinemann. Kenya Ltd Nairobi-1969. P7

[25] ينظر:  Cambridge international dictionary of English/46/ed 1996/ Cambridge university press

[26] المرجع السابق، ص514.

[27] ينظر: الموسوعة العربية العالمية، مرجع سابق، (17/222).

[28] المرجع السابق، (1093).

[29] African Religions and Philosophy/J.M/.Heinemann.Kenya Ltd Nairobi-1969. P7

[30] ينظر: عبادة الأسلاف في إفريقيا، ص6.

[31] الديانات في إفريقيا السوداء، هبوير ديشان، تر: أحمد صادق حمدي، المركز القومي للترجمة، القاهرة مصر العربية، 2011م، ص44.

[32] الديانات في إفريقيا السوداء، مرجع سابق، ص44.

[33] الديانات في إفريقيا السوداء، مرجع سابق، ص44.

[34] ينظر الموقع:  www.planete-burkina.com/les religions et lescroyances tradionnelles

[35] المرجع السابق.

[36] ينظر: المرجع السابق.

[37] ينظر: موسوعة ويكيبيديا/ مادة الديانات الإفريقية القديمة/1/7/2013/18:19wikipedia.org. - wwwمرجع سابق.

[38] ينظر: الدعوة الإسلامية في إفريقية، مرجع سابق، ص15.

[39] ينظر:  www.planete-burkina.com/les religions et lescroyances tradionnelles

[40] براغو ديوب: هو كاتب وشاعر سنغالي، ولد في واكام عام 1906م، اهتم بالزنوجة وكتب عنها مدافعاً مؤلفات. مات عام 1989م في داكار. ينظر: http://fr.wikipedia.org/wiki/Birago_Diop

[41] ينظر الموقع:  http://muze15.canalblog.com/archives/2008/11/02/9788517.html

[42] المرجع السابق، نقلاً عن Paris 1995/p52.

[43] ينظر: المرجع السابق.

[44] الديانات في إفريقيا السوداء، مرجع سابق، ص.ص (60-61).

[45] المرجع السابق، نقلا عن: Idowu 1973/p130

[46] الديانات في إفريقيا السوداء، مرجع سابق، ص.ص (60-61).

[47] ينظر: المرجع السابق.

[48] ينظر:

 Dieu peut-il mourir en Afrique/Eloi Messi Metogo/p47/Karthala/Amazon France/1997/

[49]  ينظر: المرجع السابق.

ue/Eloi Messi Metogo/p47-50/

[49] ينظر: المرجع السابق.

[50] ينظر:  Dieu peut-il mourir en Afrique/Eloi Messi Metogo/p47-50/

[51] ينظر: المرجع السابق.

[52] المرجع السابق/ نقلاً عن: الأديان في إفريقية المعاصرة/جاك ماندلسون.

[53] African Religions and Philosophy/J.M/.Heinemann.Kenya Ltd Nairobi-1969

[54] ينظر: موسوعة ويكيبيديا/ www.wikipedia/le vaudou

[55] ينظر: المرجع السابق.

[56] الديانات في إفريقيا السوداء، مرجع سابق، ص49.

[57] ينظر: المرجع السابق.

[58] ينظر: موسوعة ويكبيديا/ www.wikipedia/le vaudou

[59] صبح الأعشى، القلقشندي، تح: د. يوسف علي طويل، (5/274)، ط1، دار الفكر، دمشق سوريا، 1987م.

[60] المسالك والممالك، البكري، د.ط، دار الغرب الإسلامي، د.ب، 1992م، (2/872).

[61] نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، الإدريسي، ط1، عالم الكتب، بيروت لبنان، 1409ه، (1/23).

[62] صبح الأعشى، مرجع سابق، (5/274).