أزمة تداول السلطة في إفريقيا..!

  • 1 -4 - 2016
  • التحرير

إنّ تداول السلطة بشكلٍ سلميٍّ يُعدّ ضماناً لإرساء دعائم الحكم الرشيد، وتجسيداً لجملةٍ من مضامينه التي تجعل منه ممارسةً حقيقية، من أبرزها: احترام الحقوق السياسية للآخرين، وتجسيد إرادة المجتمع، وتمكينه من المشاركة الحقيقية في رسم السياسات؛ من خلال اختياره لمن يتولّى القيادة نيابةً عنه، وتأكيد شرعية الحكم، وقوة حكم القانون، وصيانة المبادئ الدستورية والقانونية التي تنظّم عملية تداول السلطة، وتقضي بشرعيّتها وفق الالتزام بلوائحها وضوابطها.

كانت القوى الخارجية سنداً لتعنّت بعض الحكام واحتفاظهم بالسلطة؛ لارتباط مصالح تلك القوى بالأنظمة التسلّطية

  وبعيداً عن الخوض في اختلاف النظر من منطلقٍ لآخر؛ بشأن الشروط والوسائل والأساليب التي تضفي على السلطة شرعيّتها أو تقضي بفقدانها، وإطلاق مدى ممارسة السلطة أو تقييده موضوعاً أو زماناً أو مكاناً, فإننا نبحث في أزمة تداول السلطة في إفريقيا وإشكالاتها من خلال واقعٍ قائمٍ، تمّ التراضي فيه سياسيّاً بين الكيانات المعنيّة، من أحزابٍ ونُخبٍ وقيادات، على نظامٍ للحكم، والاحتكام إلى جملةٍ من المبادئ والقواعد الدستورية والقانونية، وتعهّد الجميع بالالتزام بما ينظّم الإجراءات ويَحكُم الآليات، من لوائح وشروطٍ تضمن سلامة ممارسة الحقوق السياسية، وتمكّن للإرادة والمشاركة الحقيقية، وصولاً إلى وضع السلطة في يد مَن يراه الشعب أهلاً لولايته ولإدارة مؤسّسات الحكم بفاعليّةٍ تامّة.

ويأتي تقديم موضوع: (تداول السلطة في إفريقيا) افتتاحيةً لهذا العدد الثامن والعشرين من مجلة (قراءات إفريقية) لأهميته؛ بوصفه واحداً من أهمّ عوامل الاستقرار السياسيّ والأمنيّ، اللذَيْن يُعدّان شرطَيْن لازمَيْن لتحقيق التنمية في أبعادها المختلفة.

 من خلال معطياتٍ كثيرةٍ؛ يبدو تداول السلطة في إفريقيا– الذي يتمّ بصورةٍ شكلية أو مشوَّهة- أزمةً حقيقية؛ تتعدّد صورها ومظاهرها، وتبرز دلالاتها السيئة، وتنعكس آثارها ونتائجها التي تُعدّ أسباباً مباشرةً لعدم الاستقرار السياسيّ والأمنيّ، وللعوامل المعيقة للتنمية في إفريقيا بكلّ أبعادها.

إنّ النزعة التسلّطية، وشيوع سيطرة نُظُم الحكم الاستبدادية، هي الصورة السائدة في معظم دول القارة الإفريقية، ومن أبرز أشكالها المشوِّهة لتداول السلطة:

- الانقلابات العسكرية: وقد بدأ مسلسلها منذ فجر الاستقلال، ورزحت تحتها غالبيةُ الدول الإفريقية، وكان وقوع بعضها قُبيل انتخاباتٍ حان موعدها للحيلولة دون إجرائها، أو بعد إعلان نتائج انتخاباتٍ حرّة نزيهة لحرمان الفائزين من تولّي السلطة، وبقاء حكم الحزب الواحد التسلطي.

- كما تبرز ظاهرة التشبّث بالسلطة بعد الوصول إليها: فمعظم مَن وصل أو يصل إلى السلطة، فرداً أو جماعة أو حزباً، سرعان ما تبرز نزعته التسلّطية وحرصه على احتكار السلطة، وبذلك شهدت دولُ القارة أكثرَ الرؤساء بقاءً في الحكم.

يطفو على المشهد السياسيّ في إفريقيا: مصادرة الحقوق السياسية، وقمع الحريات، والقضاء على أيّ مظهرٍ من مظاهر المعارضة السياسية

 وبسبب ذلك؛ ساد القارةَ الإفريقيةَ ما يمكن تسميته: (الانقلابات الانتخابية) Electoral Coup d`Etat، وهي الطريقة التي يضمن الرؤساءُ من خلالها اختيارَهم وبقاءَهم في السلطة، ومن صور هذه الانقلابات الانتخابية ووسائلها: الإفساد السّريّ للعملية الانتخابية أو ترتيباتها، أو شراء الأصوات أو تزويرها؛ وتكون تلك الانتخابات في الغالب شكليّةً، يتمّ من خلالها تزييف الإرادة الشعبية؛ وذلك بغرض إضفاء الشرعيّة على هيكل السلطة القائم، وقطع الطريق أمام الخصوم السياسيّين لمنع وصولهم إلى السلطة عبر انتخاباتٍ تنافسيّةٍ عادلة.

إنّ تكريس الزعامة الفرديّة في إفريقيا، «يكاد يكون مقنّناً، ومعتمداً على صفات تحليليّة ومعقّدة للمواريث الكاريزمية، وللدساتير والقوانين والمعتقدات والتقاليد والأعراف، في محاولةٍ لإضفاء الطابع الروتينيّ والاحتكاريّ على السلطة»[1].

وتعمل الفئات المؤيّدة (حزبية أو قبلية أو أيديولوجية)، ممن يشكّلون مع الرئيس طبقةً حاكمةً سياسية، على تكريس زعامته واستمراريتها، وقد يصبح الرئيس «ملكاً» أحياناً، أو «رئيساً مدى الحياة»؛ بمبادرةٍ من حاشيته أو مباركتها.

كما يطفو على المشهد السياسيّ في إفريقيا: مصادرة الحقوق السياسية، وقمع الحريات، والقضاء على أيّ مظهرٍ من مظاهر المعارضة السياسية- التي تدعو إلى التداول السلميّ للسلطة-، ومعاناة غالبية الدول الإفريقية حالات الحبس للمعارضين السياسيّين دون محاكمة، أو تقديمهم للمحاكمة بتُهمٍ ملفّقة، وقد يبلغ الأمر مداه بالاغتيالات السياسية وتصفية الخصوم جسديّاً.

لقد ترتّب على احتكار السلطة وأزمة تداولها في إفريقيا العديد من النتائج السلبية، من أبرزها: سيادة ما يُوصف بـ «الحمى الزعامية»، أو «الظاهرة الرئاسية»، واحتكارها للسلطة، وفي سبيل تحقيق ذلك لجأت الأنظمة التسلّطية إلى التعديلات الدستورية والقانونية لإزالة المعوّقات، ونجحت بعض الأنظمة الحاكمة في إجراء التعديلات الدستورية لصالح بقاء الرؤساء واستمرارهم بصورة مطلقة؛ كما هو الحال في أوغندا، أو نسبيّاً بتمديد فترات الرئاسة؛ كما في تشاد، حيث قام برلمانها في النصف الثاني من شهر مايو 2004م بتعديلٍ دستوريٍّ، يقضي بأن تتوالى الرئاسة إلى ثلاث فترات متتالية، وكلّ فترة خمس سنوات.

إنّ «شخصنة السلطة» أفضت إلى امتزاج «الأنظمة الحاكمة» بالسلطوية Authoritarianism، ومحو الحدود بين المصادر السياسية المختلفة للسلطة، وهيمنة الرئيس على السلطات؛ فقد «كان رئيس جمهورية الغابون في بداية عهده وزير الدفاع الوطنيّ والخارجية والإعلام والتخطيط! أما علاقته مع البرلمان فتتميز بفوقيةٍ واسعة، تجعل البرلمان جهازاً لتزكية قرارات الرئيس! وتكتمل الوضعية برئاسته للحزب الوحيد أو الحزب القائد». 

وقد أدّى تعاظم نفوذ السلطة التنفيذية المركزية واتساعها، والتي تخضع بصورةٍ أو أخرى للرئيس القائد، إلى إضعاف فاعلية المؤسّسية الرسمية وغير الرسمية، كما دفعت النزعة التسلطيّة إلى بسط النفوذ والهيمنة على جميع مفاصل القوّة الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو إضعافها، أو شلّ قدراتها، ومن ذلك أنها لجأت إلى تسييس منظّمات المجتمع المدنيّ وربطها بالدولة؛ ولذلك أطلق عليها البنك الدوليّ: «المنظّمات غير الحكومية المنظّمة من جانب الحكومات Government Organized NGOs»! بل ذهبت - لحماية نفسها - إلى تكوين الميليشيات الخاصّة بها، وإعطاء المؤسّسة العسكرية صلاحيات واسعة، ودعمها لإنشاء شركات خاصّة لضمان ولائها.

  ونتيجةً لأزمة تداول السلطة في إفريقيا، والممارسات غير القانونية للأنظمة المتسلّطة، برزت أزمة الشرعيّة، وتنامت ظاهرة الاحتجاجات، والتي كانت تُقابل عادةً بالمسارعة إلى تعليق الدساتير، واللجوء إلى العمل بعيد المدى بالأحكام العرفية في كثيرٍ من الدول الإفريقية، وذلك بسبب سياسات القمع  في مواجهة تزايد السّخط السياسيّ والاجتماعيّ بين المواطنين؛ ما أدّى إلى تطوّر الأحداث نحو العنف وتحوّل الصراعات السياسية إلى صداماتٍ دموية، ولجوء الجماعات السياسية إلى تكوين ميليشياتها الخاصّة.

لم يكن الإعلام وأجهزة المعلومات غائبَيْن عن هذا المشهد السياسي، وكثيراً ما يتمّ استغلالهما من قِبل الحكومات التسلّطية في الترويج لتسويغ ممارساتها في الحيلولة دون التداول السلميّ للسلطة، وتبرير مواقفها، وتزييف الحقائق، والتأثير السلبيّ في تكوين الرأي العام.

كما كانت القوى الخارجية سنداً لتعنّت بعض الحكام واحتفاظهم بالسلطة؛ لارتباط مصالح تلك القوى بالأنظمة التسلّطية الحاكمة.

تلك هي أبرز الملامح والمعالم التي تتجسّد من خلالها أزمة تداول السلطة في إفريقيا، حقيقتها ومضامينها وأبعادها وآثارها ونتائجها السلبية التي تطال عملية التنمية الشاملة في القارة، مما يجعلها واحدةً من أهمّ القضايا التي ينبغي أن تتّجه إليها جهود المهتمّين والمعنيّين.  

[1] http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Siasia21/TahDemoAfr/sec04.doc_cvt.htm