أبيي.. نموذج التعايش والتمازج ... يرفضه المتآمرون

  • 1 -5 - 2011
  • محمد المختار محمد


محمد المختار محمد أحمد 

    لا تكمن خطورة مشكلة  "منطقة أبيي" في استيلاء قوم على أرض ومرعى  لآخرين؛ فلطالما آوى إنسان آخاه وآثره بشيء من ماله وأرضه ودياره، ولربما كانت " منطقة أبيي" مسرحاً  لذلك حينما وفدت إليها جموع من "دينكا نقوك" [1] فراراً من بطش القبائل الجنوبية،  الأخرى وبخاصة قبائل "النوير" [2] في الأحراش والأدغال، فوجدوا سعة وضيافة وكرماً من قبائل "المسيرية"[3] العربية التي سبقتهم بالاستقرار فيها، فطاب لدينكا نقوك المقام بينهم وطاب لهم المرعى، وتوثقت العلاقات وامتد الأمر إلى مصاهرة وتزاوج، حتى أصبحت أبيي النموذج الحي على التسامح والتعايش بين القبائل في السودان.

     هل سيبقى نموذج  السلم والتعايش والتمازج القبلي بعد انفصال جنوب السودان متماسكاً على شدة تآمر داخلي وخارجي وحسابات مصالح متعارضة، وبخاصة بعدما تدفق نفط حقوله، أم يذهب ضحية لذلك، فينقلب من نموذج تعايش وسلم إلى أشد ما يكون عداوة وحرباً؟

     تعد من أخطر القضايا العالقة، والمناطق التي برز حولها نزاع بسبب المصالح والمطامع، ومع أن حق المسيرية فيها تشهد له الوقائع والوثائق التاريخية، إلا أن تلك المطامع والمصالح أبت إلا أن تجعل منها منطقة نزاع  تهدد الأمن والسلام محلياً وإقليمياً؛ فقد أدى ظهور النفط فيها إلى تمسك  الحركة الشعبية الجنوبية  التي ظهرت عام 1983م، وانتماء العديد من قادتها أدى إلى التمسك بالمنطقة في اتفاق السلام وتصعيد المشكلة بدعم من القوى السياسية الكبرى، وبخاصة أمريكا.

    تقع منطقة أبيي بين كردفان ومنطقة بحر الغزال، المنطقة المسماة بديار المسيرية،  " وهي ضمن حزام السافانا الغنية بالنباتات والأراضي الخصبة والمياه الغزيرة، فالأمطار في منطقة أبيي تستمر ثمانية أشهر خلال العام، وتتخلل المنطقة العديد من الأودية الكبيرة ذات السهول الواسعة؛ والتي فيها القابلية لإنتاج المحاصيل الزراعية بمختلف أنواعها، وإن نباتات نادرة من مثل الزنجبيل والحرجل والغرنجال والشيح وغيرها تنبت بكثرة في أودية أبيي.وتمتاز أبيي بمناخ معتدل طوال العام. أما في باطن الأرض فقد ذكرت التقارير أن حوالي 70% من بترول السودان في منطقة أبيي وما حولها، هذا غير الثروات الأخرى التي لم تكتشف بعد" [4].

     

المسيرية  أسبق استيطاناً  في أبيي أم  دينكا نقوك؟

     إن أسبقية وصول المسيرية إلى منطقة أبيي والمناطق المجاورة للرقبة الزرقاء ورقبة «أم بييرو» وبحر العرب من أهم  المعايير لإثبات  ملكيتهم لهذه المناطق والتي حاولت لجنة خبراء حدود أبيي نفيها.

    يؤكد زعماء وسلاطين المسيرية على أحقيتهم بمنطقة أبيي لهجرة واستيطان سبق وفود دينكا نقوك إليها؛ وقد اعتمدوا في ذلك على الحقيقة التاريخية لهجرتهم إلى كردفان في مطلع القرن الثامن عشر وانتقالهم في موسم الجفاف إلى مناطق الرقبة الزرقاء وبحر العرب. فقد ورد "أنهم انتقلوا إلى منطقة غرب كردفان من مملكة (ودّاي) (دولة تشاد حالياً)، ويعتبرون أنفسهم أقدم من هاجر إلى المنطقة، ويستندون على مخطوطة ) الفكي النور موسى) المؤرخة عام 1110هـ؛ أي 1700م، قال هندرسون في كتابه «مذكرات هجرة المسيرية إلى جنوب غرب كردفان» [المجلد 22]: «إن النور موسى هو أقدم شخص يؤرخ للمسيرية من مملكة وداي إلى وطنهم الجديد (أبيي)"[5]

    وأما وفود "دينكا نقوك" إلى منطقة أبيي فليست هنالك ما يثبت سبقهم  قبائل المسيرية إليها؛ فقد أورد ( بي بي هاول ) في  كتابه «مذكرات عن دينكا نقوك بغرب كردفان» [المجلد30] الذي نشر مقتطفات منه عام 1951م: «يصعب تحديد الوقت الذي بدأت فيه هجرة دينكا نقوك»، وقال: «يتعذر تقديم تاريخ دقيق لهذا الحدث». وغاية ما يستند إليه اليوم مرجعاً لهجرة دينكا نقوك إلى أبيي هو عام 1904 -1905م كما جاء في تقرير استخبارات السودان رقم 128 بتاريخ مارس1905 م بأن السلطان (أروب) قرر سنة 1904م أن يتبع لمديرية كردفان وليس بحر الغزال، إلا أن هذا التاريخ لا يدل بشكل قطعي على أن الدينكا قبل ذلك لم يكن لهم وجود، فهو انضمام إداري[6]".

     إنه بالنظر في الأدلة الموجودة والفترات الزمنية لتعاقب زعماء نقوك على زعامة القبيلة، والتحليل النقدي التاريخي لها تتأكد حقيقة استقرار المسيرية في المناطق المذكورة في جنوب كردفان منذ مطلع القرن الثامن عشر، بينما وفد إليها دينكا نقوك في عشرينيات القرن التاسع عشر بسبب الفيضانات التي تعرض لها موطنهم الأصلي في وادي الزراف في جنوب السودان، وهجمات  قبائل " النوير" عليهم.

    لماذا تؤجج الصراعات في أبيي؟ 

    تكمن وراء مشكلة أبيي حسابات تجعل المعادلات صعبة، فالحرب فيها تقضي على أحلام العودة للوحدة،  وتعني فشل الجهود الرامية لتحقيق سلم بين الشمال والجنوب بعد أن وقع الانفصال أي فشل "سيناريو الانفصال مع السلم"، بتأجيج العداء، واستدامة الحرب "سيناريو "الانفصال مع الحرب"، ووراء ذلك من اضطرابات وصراعات داخل كل دولة (الشمال والجنوب)، وتهديد للأمن وتعطيل لجهود الإعمار والتنمية وتعطيل للمصالح المترتبة على انفصال جنوب السودان على الساحة السودانية وعلى العالم العربي , هي تلاعب أطراف جنوبية ذات أصول إفريقية، وأخرى أجنبية غربية، بقضية العلاقة بين القبائل العربية والإفريقية، وزرع الشقاق بينهما على الرغم من التاريخ العريض من التعايش السلمي،... لإثارة الاقتتال والفتنة ليس فقط بين الأفارقة من أصل "عربي" والأفارقة من أصل "إفريقي" في القارة الإفريقية عموما، وإنما الولوج من هذا الصراع القبلي الخطير لإشعال القتال حتى بين المسلمين وبعضهم البعض داخل القارة الإفريقية من القبائل العربية والقبائل الإفريقية كما فعلوا في دارفور التي تبلغ نسبة المسلمين بها 100%، ومع هذا أشعلوا نيران فتنة اقتتال "العربي" و"الإفريقي" فيها

    الحلول المطروحة:

    تتمسك الحركة الشعبية بما تم الاتفاق عليه في بروتوكول أبيي  الذي يهضم  المسيرية القبيلة الرئيسية في المنطقة حقهم؛ في الاستفتاء على تقرير مصيرها وتبعيتها للشمال أم الجنوب،  الجدير بالذكر أن البرتوكول الموقع عليه حول أبيي هو اقتراح أميركي محض تقدم به المندوب الأميركي بصفته حلاً وسطاً عندما احتدم الخلاف حول أبيي.

كذلك  تتمسك الحركة بضرورة تحكيم قرار المحكمة الدولية وهو قرار وإن كان  يلزم بمراعاة حق القبائل الرعوية، إلا أنه يضع كل المياه لدى دينكا نقوك.

    إن الحلول المطروحة  لمشكلة أبيي وغيرها إنما هي تعميق للمشكلات القائمة؛ " فقد اتسمت معالجة قضية أبيي بسلبيات دامغة بالتناقض، والتعسف، والتجاوز وعدم التوازن" [7]؛ لأن من يطرحون هذه الحلول هم الذين أوجدوا المشاكل في السودان، كما هو واضح من خلال  مشكلة جنوب السودان.

   وهنا يتأكد على المعنيين بالشأن الإسلامي من ساسة وقادة رأي وأهل علم؛ المبادرة بدعم الطرف الإسلامي في القضية بالرأي والمؤازرة المعنوية؛ ليتحقق شيء من التوازن، يقود إلى القبول منصفة أو مقاربة، تحفظ النفوس والأموال، وتلملم جراح الطرفين، وتقطع الطريق على الماكرين أو تعرقله وتؤخره.

   ولعل عواقب مشكلة الجنوب قد ظهرت لكل عاقل، وها هي أبيي أحد إفرازات الإهمال، فهل يستمر الإهمال؟!

   نرجو ألا يلدغ مؤمن من جحر مرتين.

 (*) كاتب وباحث سوداني.

1- الدينكا نقوك: فرع من قبيلة الدينكا النيلية أكبر القبائل في جنوب السودان، وقد هاجر "دينكا نقوك"  من أعالي النيل إلى أبيي في منطقة المسيرية بجنوب غرب كردفان . وكان أول سلاطينهم اروب بيونق وخلفه ابنه كوال اروب وخلفه ابنه الناظر دينكا ماجوك صديق الناظر بابو نمر زعيم المسيرية  حالياُ.

    ( انظر: موسوعة السودان الرقمية http://www.sudanway.sd/geography_tribes_dinka.htm )

[2]- من القبائل النيلية في جنوب السودان، وهي تأتي بعد قبيلة الدينكا من حيث التعداد والقوة.

    ( انظر: موسوعة السودان الرقمية).

[3]- يرجع أصل المسيرية إلى قبائل جهينة العربية الذين جاءوا من شمال إفريقيا إلى حوض نهر شاري في تشاد في عام

    1650م، ( انظر: لمحات من تاريخ منطقة أبيي 1755- 1955  د. أمين حامد زين العابدين ).

[4]- عوض خليل (أبو الفاتح): الجذور التاريخية لمشكلة أبيي في السودان وتطورها مجلة الوعي العدد 286 (عدد خاص بجنوب السودان)، السنة الخامسة والعشرون، ذو القعدة 1431هـ، أكتوبر- تشرين أول 2010م.

[5] - المصدر السابق.

[6] - المصدر السابق.

[7]  مشكلة أبيي                           http://sudanian.jeeran.com/archive/2008/5/575413.html