آراء الشيخ إبراهيم إنياس السنغالي في الميزان

  • 6 -6 - 2010
  • محمد عمر الثاني

  

بقلم: د. محمد الثاني عمر موسى   

يدرك الناظر في تاريخ البلاد الإفريقية الشمالية والغربية بوضوح مدى تأثير الطرق الصوفية فيها، وكيف ضربت بجذروها في حياة المسلمين هناك، مما حدا ببعض المؤرخين إلى تصوير الإسلام الذي دخل هذه البلاد بوصفه الطرق الصوفية نفسها، والتي قدّمها أصحابها إلى أهل البلاد بوصفها الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان المسلمون في تلك البلاد في حقبة من تاريخهم لا يكادون يميزون بين الإسلام الصحيح وبين تلك الطرق الصوفية، كما أن كثيراً من المنتمين إلى هذه الطرق لا يفقهون كثيراً مما تنطوي عليه من فكر هجين دفين، وعقائد خبيثة ضالة، بل كل ما يدركه أحدُهم عنها أنّها وسيلة للتقرب إلى الله تعالى بالذكر والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة الأولياء(1).

وأكثر الطرق الصوفية انتشاراً الطريقة التجانية التي أسسها أحمد التجاني الجزائري (ت 1230هـ)، والمتحدثون عن هذه الطريقة في العصر الحديث، وعن رموزها الذين ساعدوا على ازدياد انتشارها في إفريقيا، لا بد لهم مِن وضع الشيخ إبراهيم إنياس السنغالي على رأس القائمة، فالرجل سعى سعياً حثيثاً في إرساء دعائم هذه الطريقة ونشر أفكارها بين المسلمين في هذه القارة.

وتعد نيجيريا الشمالية من أكثر المناطق قبولاً لآرائه، واجتهاداً في نشرها، كما أن ولاية كانو تعد مركزاً رئيساً لنشر دعوته إلى سائر الولايات النيجيرية، بل إلى بعض الدول المجاورة، مثل دولة النيجر وغانا.

واستطاع إنياس أن يكسب ثقة مشايخ الطريقة الصوفية في نيجيريا، حتى سلّموا له زمام قيادتهم، وعدوه قطباً كبيراً من أقطاب الصوفية، بحيث أصبحوا يرون القرب منه مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة، كما قبلوا منه ادعاءه بأنه صاحب «الفيضة التجانيّة» التي بشّر بها أحمد التجاني أصحابه.

والزائر لمدن الولايات الشمالية يشاهد مدى تأثير هذا الرجل في سكانها، حيث يعلقون صوره على أبواب بيوتهم ومحال تجاراتهم ومراكبهم وغرف نومهم، معتقدِين أنها سبب جالب للحظ ودافع للمكروه، وربما يصل تقديس بعضهم له أحياناً إلى درجة التأليه!

ما تقدم ذكره وغيره مما لم يذكر يؤكّد أن إبراز حقيقة هذا الرجل للمسلمين، وإظهار ما في كتبه من الأكاذيب والأباطيل بات أمراً ضرورياً وواجباً دينياً على العلماء والدعاة والباحثين، ومن المحاولات الناجحة للوفاء ببعض هذا الدين ما قام به الدّكتور محمد الطاهر ميغري في دراسته (الشّيخ إبراهيم إنياس السّنغالي.. حياته وآراؤه وتعاليمه).

ترجمة الشيخ إبراهيم إنياس(2):  

ولادتـه:

ولد الشيخ إبراهيم إنياس في قرية طيبة أنيسين بإقليم سين سالوم في جمهورية السنغال في 17 أكتوبر 1900م، من أب وأم سنغالِيين(3).

والده: هو الشيخ عبد الله إنياس بن محمد بن مدمب بن بكر بن محمد الأمين, وهو أحد مشايخ التّجانية المشهورين(4).

صلته الأولى بالطريقة التّجانية:

كانت نشأة الشيخ إنياس الأولى في حِجر والده الشيخ عبد الله، قرأ عليه القرآن ودرس عليه، وأخذ عنه الطريقة التّجانية(5).

وكان والده يقوم بالتدريس بالإضافة إلى كونه أحد علماء الصوفية الكبار ببلده، فصار بيت الشيخ إبراهيم إنياس محطّاً لرجال الشناقطة الذين كانُوا يَقومون بنشاطهم الدائم في نشر الطريقة التّجانية وبث تعاليمها بجانب العلوم الصوفيّة الأخرى، فوجد الشيخ إبراهيم إنياس نفسه بين هذا الوسط الصوفي الذي كان له أثر أيما أثر في تكوين ثقافته العلمية والعقدية(6).

وقد أجازه علماء الصوفية من المورتانيين وغيرهم بعد وفاة أبيه، منهم محمّد محمود الشنقيطي الذي أجاز له إجازة مطلقة، ومنحه شمول التصرف في أوراد الطريقة التّجانية، وذلك بوصية من والده(7). ثم قدم له شيخه عبد الله بن الحاج العلوي الموريتاني إجازة مطلقة أخرى حولته من مجرد كونه مقدماً لتلقين أوراد الطريقة التّجانية إلى شيخ مرشد كامل الإذن، مما جعله يرى نفسه كامل العصر، وأنه خليفة الشيخ التّجاني الوارث لأسراره(8)، ثم ادّعى رؤية الشيخ أحمد التّجاني مؤسس الطريقة التّجانية مراراً في المنام كاليقظة، وتكررت له أيضاً رؤية والده وهو يقول له: «كلّ ما تركتُ فهو لك، فخذْه من غيرك»(9).

الفيضة التّجانية والشيخ إبراهيم إنياس:

ذكر مؤسس الطريقةِ التّجانية أنه: «ستأتي الفيضةَ في آخر الزمان على يد أصحابنا والناس حينئذ في غاية الضيق، ويدخلون الطريقة أفواجاً»(10).

وبين الشيخ إبراهيم إنياس معنى الفيضة نقلاً عن صاحب (الإفادة الأحمديّة) فقال: «وكان يعني بالفيضة أن يكثر الفتح على أصحابه»(11)، ويقول عن نفسه: «قال لي الشيخ الهمام، والعارف الإمام، السيد عبد الله بن بالحاج العلوي: تأتي الفيضة على يدك حقيقة لا مجازاً، وترى من الحسد ما لم ير أحد قبلك. وقال لي: أنت كبير الطريقة التّجانية في زمنك. وأشياء كلّ قلمي عن كتبها حياء»(12).

وكان تتابع إجازات مشايخ الصوفيّة بسلاسلهم الصوفية وأسرار الطريقة التّجانية للشيخ إبراهيم إنياس سبباً مهماً في ازدياد ظهوره يوماً بعد يوم، وانتشار ذكره في الآفاق، وقصد المتصوفة له من أقطار الأرض، حتى جاء عام 1348هـ فأعلن فيه أنه صاحب الفيضة التّجانية التي بشّر بها الشيخ التّجاني مؤسس التّجانية، وهذه السنة هي السنة المنعوتة عندهم بـ «عام الفيضة».

وما كادت سنة 1350هـ تنسلخ حتى استقر أمره استقراراً يكاد يكون تاماً، وامتد نفوذه إلى خارج السنغال، فأصبحت له مراكز في إفريقيا الغربية وموريتانيا، حتى في المغرب الأقصى المهد الأول للطريقة التّجانية، وصار الانتساب إليه يعد فخراً عظيماً، والمريدون في كل قُطر صاروا يتزاحمون على باب منزله، يتبركون برؤيته وسماع كلامه(13).

ووجد بعض هؤلاء الأتباع الذين انضموا إليه في الانتساب إليه والتمسك بتعاليمه ما يعفيهم عن القيام بواجبات الدين، فبدأت نتائج دعوته تظهر بعوراتها، وقام بعض أولئك الذين ادعوا المشيخة، وتشدقوا بكلام أهل التصوف الباطني المناقض لشرع الله؛ بالانهماك في الشهوات والملذات اعتماداً على تمسكهم بالفيضة التّجانية التي تضمن لهم الجنة بلا حساب ولا عقاب.

وعلى الرغم مما قام به الشيخ إنياس من العمل لتخفيف بعض غلوائهم والنهي عنها؛ فإن الدعوة والعقيدة نفسها «تحمل في طيّاتها جذوراً وبذوراً لهذا السلوك الفاسد، والتّصرفات الزائفة التي تصدر من بعض الأتباع؛ لأن الذي لم يكن للدين والمروءة وقع في قلبه؛ إذا فهم أنه بمجرد كونه تجانياً ومن أهل الفيضة أفضل من أقطاب أولياء أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلهم أجمعين، وأنه قد وقع في دائرة تُسمى بالدائرة الفضلية التي تقع وراء دائرة الأمر والنهي والجزاء، وهو ناج على كل حال(14)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ضمن للشيخ التّجاني أن حقوق الناس التي كانت على كواهل أهل طريقته سوف يتولى الله تعالى قضاءها عنهم يوم القيامة من فضله لا من حسناتهم، وأن الله قد رفع عنهم الحساب، وأنهم آمنون من عذابه من حين موتهم إلى أن يدخلوا الجنة بغير حساب ولا عقاب في الزمرة الأولى، وفي عليين بجوار النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا؛ لا يتورع عن اقتحام كل ما تملكه قوته من الأعمال التي يُشبع بها رغابته وشهواته وأهواءه, وبالتالي لا يرى أي حاجة في إتعاب نفسه بكثرة العبادة والمجاهدات والتحرج على نفسه بكفها عن المحرمات، وهلم جرّاً»(15).

الشيخ إبراهيم إنياس وداء العظمة:

كل من قرأ في دواوين قصائد الشيخ إبراهيم إنياس وما تركه من نظم يجد فيها دلالة واضحة على إصابته بما يسمى بـداء العظمة، فقد كان الرجل طامعاً في السيادة والعلو في الأرض، لذا فهو في غالب ابتهالاته وتوسلاته البدعية لا يكاد ينهي قصيدة إلا وضمّنها طلباً أن يهبه الله مقاماً يفوق به أقرانه ويسود به الملوك، وأن يظهره على أعدائه، ويمكّنه من الانتقام منهم، والرجل بهذا الطموح السافر، وهذا الحرص الشديد على السيادة والعلو في الأرض، لا يُستغرب منه أن يلج كل باب ويرتكب كل جرم في سبيل تحقيق مآربه، والوصول إلى مطامعه، إذا كان الأمر يتطلب ذلك؛ إذ من يكون بهذه الصفة لا يكون صادقاً مع الله تعالى كما قال إبراهيم بن أدهم:  «ما صَدَقَ اللهَ عبدٌ أحب الشهرة»(16).

الشيخ إبراهيم إنياس في نيجيريا ونشر فكرة «الفيضة» بين مشايخ التّجانية:

حج الشيخ إبراهيم إنياس في عام 1937م، وأتاحت له رحلته هذه اللقاء بجمع من مشايخ الصوفية وغيرهم، ففيها التقى بأمير كانو الحاج عبد الله بايرو، والحاج سليمان بن إسماعيل، وغلاديما، وجدد لهما الطريقة التّجانية، وقدّمهما، وذلك في المدينة النبوية، ومن هناك رافقه أمير كانو إلى مكة، وطافوا معاً بالبيت العتيق.

وفي هذه الأثناءِ قدّم إليه أمير كانو دعوة لزيارة نيجيريا، وبالتحديد إمارة كانو، فكانت زيارته الأولى إلى نيجيريا في عام 1937م، ولم يكن يعرف في كانو يومئذ إلا الأمير ومن كان معه عندما التقيا في الحج(17).

وقد سكن في بيت ضيافة أمير (كسينا) لمدة ستة أيام، ولم يظهر للجماهير، ولكن التقى بطبقة من العلماء والتجار، وقدّم الأمير نفسه – أي إذن له بتلقين الأوراد، فالتقديم منصب له شروط مخصوصة عند التجانية -، وجميع أهلِ بيته، وكثيراً من شيوخ الطريقة التّجانية(18).

وقد اصطحب معه في هذه الرحلة كتابه (كاشف الإلباس عن فيضة الختم أبي العبّاس)، وهو الكتاب الذي بيّن فيه فكرة الفيضة التي ادعاها، ووزع خمس نسخ على بعض مشايخ الصوفية الكنويين، وقرأ بعضهم ما صُدِّر الكتاب به من ترجمة الشيخ إنياس فأخذ بمجامع قلوبهم(19).

ثم عاد إلى كانو في عام 1944م ليقابل أمير كانو مقابلةً وجيزةً وغيرَ مُعلَنة، وناقشا معاً مستَقبلَ العلاقات الروحية بَين كانو وكولخ(20).

وفي عام 1951م نزل الشيخ أيضاً بكانو في طريقه إلى مكّة المكرّمة، وهذه هي أولى المرّات التي ظهر فيها إنياس للجماهير، ولقي قبولاً جماهرياًّ نتيجةَ ما كان قد حصل عليه من القبول سابقاً في أوساط مشايخ التّجانية، ومنذ ذلك الحين ازداد نشاطُه الدّيني في نيجيريا بصفة خاصة وفي غرب إفريقيا بصفة عامة، وعمل في توحيد صفّ زعماء الطّريقة التّجانيّة(21).

وزار كانو في عام 1952م، وفي عام 1953م، ولم تكَدْ سنةُ 1953م تَأتي على نهايتها حَتّى استقرَّت البنية التحتيّة لقيادة الطّريقة التّجانيّة في كانو خصوصاً، وفي شمال نيجيريا عموماً، وبعد تَولِّي الأمير محمّد سنوسي إمارةَ كانو ازدادَ نفوذُ هذه الطريقة في إمارته(22).

وبعد اغتيال أحمد بللو سَرْدَوْنا رئيس وزراء الإقليم الشمالي لنيجيريا وَجَد الشيخ إبراهيمُ إنياس أمامَه فُرصةً سانحةً للعودة إلى نيجيريا مرة أخرى بعد أن كان ممنوعاً من دخولها مِن قِبَل سَرْدَوْنا، ثُمّ تردَّد إليها مرّات بعد ذلك(23).

وقد سارع مشايخُ الصّوفيّة في نيجيريا إلى تقبّل الشيخ إنياس، وعدّوه قائداً روحياً لهم، وقد لَقيت دعوةُ الشيخ إبراهيم إنياس – مع هذا النجاح -  اعتراضاً قوياً وإنكاراً شديداً داخلَ السِّنغال وخارجَه.

وأما في نيجيريا فلم يتصدَّ له بالإنكار إلا مثل الشيخ أبي بكر محمود جومي رئيس قضاة شمال نيجيريا آنذاك؛ فإنه كان يصرّح في أكثر من مجلسٍ من مجالسه بأن الشيخ إنياس لم يأت إلى نيجيريا حاملاً معه النفاق فحسب، بل جاء إليها حاملاً معه الكفر والإلحاد، في إشارة منه إلى (بدعة التربية) التي أشاعها بين الطُرُقِيِّين وبخاصَّة التّجانيِّين، وأنّ من دخل فيها فقد نجح في الوصول إلى المقصود الذي هو اعتقاد وحدة الوجود(24).

ففي زيارةٍ للدّكتور طاهر ميغري رحمه الله تعالى إلى الشيخ أبي بكر محمود جومي في كدونا يوم السبت 27/6/1978م استفسره عن رأيه في الشّيخ إبراهيم إنياس فأجابه بقوله: «رأيي فيه أنه لم يدخل نيجيريا بنفاقٍ أبداً، وإنما دخلها بكفرٍ صريحٍ مكشوفٍ يُنادي به علناً وعلى رؤوس الأشهاد»، وقال له: «ومِن عادتي أن أتّصل بكلّ من بلغني أنّه عالم لأستفيد منه، وهذا هو سبب اتصالي بالشيخ إبراهيم، وعندما تبيّن لي أنّه كافر تبرأتُ منه، وابتعدت عنه»(25).

ثم قال الشّيخ د. ميغري(26): ما هو رأيك في قول الشّيخ إبراهيم: «إن الله تعالى قد ساق الوجود بأسره مسَاقَ الهلاك في هذا الزّمان، فلا ينجو منه أحدٌ إلاّ من رَزقه الله محبّة الشّيخ التّجاني»(27)؟

فقال: «إنه يريد بذلك أن يقول: ومن يَبتغ غير التّجانيّة ديناً فلن يُقبَل منه وهو الآخرة من الخاسرين».

مؤلّفات الشّيخ إبراهيم إنياس:

وللشّيخ إنياس كُتَيّبات ورسائل كثيرةٌ، فمن مؤلفاته المطبوعة:

1 -  كاشف الإلباس عن فيضة الختم أبي العبّاس.

2 -  البيان والتّبيين عن التّجانية والتّجانيّين.

3 -  نجوم الهدى في كون نبيّنا أفضلَ من دعا إلى الله وهدى.

4 -  تنبيه الأذكياء في كون الشيخ التّجاني خاتم الأولياء.

5 -  الحجة البالغة في كون إذاعة القرآن سائغة.

6 -  السّر الأكبر والنّور الأبهر.

7 -  الدّواوين الست (نزهة الأسماع والأفكار في مديح الأمين ومعاني المختار)، و (إكسير السّعادات في مدح سيد السّادات)، و (سلوة الشّجون في مدح النّبي المأمون صلى الله عليه وسلم)، و (أوثقُ العرى في مدح سيّد الورى)، و (شفاء الأسقام في مدح خير الأنام)، و (مناسك أهل الوداد في مدح خير العباد صلى الله عليه وسلم).

 8 -  ديوانه المسمَّى (الكبريت الأحمر في التّوسل بأوائل السّور وبحروف الآيات الغرر).

 9 -  الفَيض الأحمدي في المولد المحمَّدي.

10 -  تبصرة الأنام في أنَّ العلمَ هو الإمام.

 وللشيخ إبراهيم إنياس رسائل كثيرةٌ تبلغ قرابة خمسٍ وسبعين رسالةً، إلا أن هذه الكثرة لا تعني شيئاً ذا قيمةٍ إذا عرفتَ أن غالب تلك المؤلفات إنما هي «عبارة عن كراريس وكتبيات لا تتناول في الغالب إلا موضوعاتٍ تمسّ الطّريقة التّجانية، والدّعوة إليها، أو منشوراتٍ عامّة موجَّهة إلى الأتباع لغرضٍ أو آخر، أو لشرح وجهةِ النّظر التّجانيّة في بعض المسائل، وقلَّما تجده يتناول موضوعاً علمياً صِرفاً في مؤلفاته كما فعل غيره من المشايخ»(28).

والمطالِع في كُتُب الرّجل يجده مُلمًّا بالطّريقة التّجانية وأدبياتها، وفقيراً في العلوم الشرعية وأدواتها، من حديثٍ وفقهٍ وتفسيرٍ، وأصولها؛ فكتبه مليئةٌ بأحاديثَ واهيةٍ موضوعةٍ يعرفها أهل العلم بالحديث وطلاّبه، وقليلٌ من الرّسائل التي ألّفها في موضوعاتٍ فقهيةٍ تجدها جدَّ هزيلةٍ لا تحمل من العلم كبيرَ شيء.

وفـاتُه:

تُوفي الشيخ إبراهيم إنياس يوم الأحد 27 يوليو 1975م في لُندن بالمملكة المتّحدة، وقبل أن يُنقل إلى هناك قَضى ثلاثة أَشهر أو يزيد في باريس للعلاج أيضاً، ودُفِن وراءَ مسجده بمدينة (مدينة) قرب كولخ جنوب شرق السنغال، حسب ما أمر به في وصيّته(29).

آراءُ الشـيخ إنياس في مِيـزانِ الشَّـريعـة:

أولاً: الشّيخ إنياس وعقيدة وحدة الوجود:

عقيدة وحدة الوجود عقيدة ترجع إلى الفلسفات القديمة اليونانية والهنديّة، وعقائدِ الفِرق الباطنيّة، وتزعَّمها بين المسلمين حفنة من الملاحدة كالحلاّج، وابن عربي، والجلال الرّومي، وابن الفارض، وابن سَبعين، والقُونَوي، إلى عبد الكريم الجيلي.

وهي عَقيدة تَقوم على أساس أن وجود المخلوق هو عين وُجود الخالق، وأنّ كلّ المخلوقات إنما هي تجليّات إلهيّة، وبمعنى أكثر وضـوحاً: أن كلَّ شيءٍ موجـودٍ هو الله -  تعالى عمّا يقول الظّالمون عُلواً كبيراً -.

ظهرت هذه العقيدة فى أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، وشاع أمرُها فى بلاد الأندلس والمشرق بعد أن اختلطت فيها أفكار التّصوّف بالفلسفة اختلاطاً كبيراً.

فالطّريقة التّجانية فرقةٌ صوفية باطنية، تؤمن بتعاليم الفرق الباطنيّة، ومؤسِّسُها الشيخ أحمد التّجاني، كان مؤمناً بنظرية وحدة الوجود، ورسخّها في أتباعه، كما هو مبثوثٌ في أعظم معَلَمةٍ لتعاليمه وهو كتابُ (جواهر المعاني)، بَل كان هو نفسُه - حسب ما يقول إنياس مادحاً -: «والشيخ التّجاني... مجذوبٌ فانٍ فناءً لا يَرى أثناءَه شيئاً، حتى إنه هو أول من عَبّر بنفي الغَيريّة، وكانت الأولياء تعبِّر بالغير»(30).

ولهذا كان الشيخ إبراهيم إنياس - الذي يرى نفسَه مجدِّداً في الطّريقة - واحداً من الدّاعين بحماسٍ إلى هذه العقيدة الباطلة، وقد سَعى بكلِّ قوَّةٍ إلى تقريرها في رسائله وقصائده، ونشْرِها بين أتباعه وتربيتهم عليها، ففي رسائله من النّصوص المقرِّرة لهذه العقـيدة شيءٌ كثير جداً.

ويكفي أن ننقل لك منها ما يكفي لإثبات دعوته إليها:

1 -  قال في كتابه (السر الأكبر والنور الأبهر)(31): «والجذْبُ هو الوصول والفناء والفتح، تحقيقُه: أن الحقَّ جلَّ وعلا ما حَجبه عن المريد وجودُ موجودٍ معه - تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً - بل ما حَجبه إلا تَوهّم وجودِ موجودٍ معه، فإذا أراد الله اصطفاء عَبده - جعلنا الله من المصطفين الأخيار بمنّه وكرمه آمين - رَفع عنه ذلك التّوهُّمَ، فلا يرى شيئاً يحجبه عن الحق، بل لا يرى شيئاً، وذلك فناءٌ في محوٍ، قال تعالى: ?يَمْحُو الله ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أمّ الكِتَاب?، فحينئذٍ يأتيه صريحُ الحق، فلا يرى وجوداً إلا الله، ولا يرى نفسَه، ولا سواه، ولا يرى فناءَه ، بل لا يرى إلا هو الله أحد، ويرى أن لا كون، ولا أَثَر، ولا فعل، ولا اسم، ولا صفة، فهو أكمل حجاب عن وجود موجودٍ سوى وجود الحق، وفي هذا المقام يقول: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، بل لا إله إلا الله، وهو من غير حُلول ولا اتّحاد، ولا شيءَ من صفات الحوادث»!

2 -  ويقول في كتابه (كاشف الإلباس)(32) وهو يتكلّم على رؤية الباري: «وهذه الرّؤية التي تَنازع العلماءُ فيها، في إمكانها وعدم إمكانها، ليست هي الرّؤية التي يدّعيها أهلُ الفناء في ذات الحق جل وعلا، فإن رؤيتهم ليست بالبصر ولا بالقلب، بل بِعَين الحقِّ جل وعلا، وهذه العين تَرى من حَيث لا رؤيةَ ولا راء»، يعني بهذا: أن رؤيةَ أهل الفناء ليست رؤيةً بعين بشريَّة، بل هي رؤية بعين إلهيّة، إذ الرّائي هو عين الله، وأما الرّائي البشري فلا وجود له، ولا وجود لرؤيته! - سبحانك هذا بهتان عظيم -.

واختتم حديثَه بوصف هذه العقيدة بأنها (التوحيد الخاص) وأن منكرها في ضلال بعيد، فقال: «وغير ذلك من عبارات القوم التي مَدَدُها تيّار بحر التّوحيد الخاص، قال بعضهم:

عِباراتُنا شتّى ومعناك واحدٌ   وكلٌّ إلى ذاك الكـمال يُشير

فمن كان فيه شيء من قابلية العلم يَعلم بالوقوف على ما سطّرنا أن كلام المجاذيب مبني على أساس مَتين، وكلٌّ عند ذي العرش مكين، ومعبِّرٌ عن نور قلب مبين، فالمنكر عليهم في ضلالٍ بعيدٍ، وهو محروم».

3 -  وقال أيضاً : «بل رُبَّما يكون ربُ العالمين في صِفة رَجُل»(33).

4 -  ويمدح شيخه أحمد التّجاني ويَصفه بأنه مظهر ربه، وأنه عينه، فَله مِن مَقامٍ ما لم تصل إليه رُسل الله(34):

فإن الشـيخَ مظـهرُ ذات ربِّي   وعينُ العَين عينُ أبي العبّاس

يَغـوصُ ودون ذاكَ الْبحر رُسلٌ   وقـوفاً إرثَ إرسٍ مثلِ آس

ومن العجيب أن الشيخ إنياس يَعترف بكفر معتنِق هذا المعتقد شرعاً، لكنه يقول - إيغالاً في الباطِل - إنه هو المؤمِن حقيقةً، على مبدأ الباطنية في تقسيم الإسلام إلى شريعةٍ وحقيقةٍ، فيقول: «وصاحب هذا المقام كافر شرعاً لنفيه الأسماءَ والصفاتِ وقتلِه الأنبياء، وهو المؤمِن حقيقةً؛ لأنه أثبتها حقيقةً، وقتلُه الأنبياءَ قتلٌ بالحق لا بغير الحق»(35).

ويقول الشيخ إنياس أيضاً: «إن الحقّ جلّ وعلا ما حجبه عن المريد وجودُ موجودٍ معه تعالى عن ذلك كبيراً، بل ما حجبه إلاّ توهم وجود معه»، «معنى ذلك أن الله ما حجبه عنّا وجود شيءٍ يحجبه، وإنما حجبه توهّمنا أنّ هناك شيئاً غيرَه تَعالى».

ولا شكّ أن هذا التقرير هو عين الوهم، بل عين الزّندقة، فمَن مِن الناس لا يشعر بوجود فرقٍ بينه وبين غيره من المخلوقات، فشعورُ كلِّ إنسان نحو أبَويْه وأولاده وزوجته يختلف عن شعوره نحو الآخرين حوله، ولا يُساوي بين الشّعوريْن بدعوى أن كلَّ موجود واحد، وأن الكلَّ هو الله.

وقد بلغ إيمانُ الشيخ إنياس بهذه العقيدة إلى حَدِّ اعتبار جبريل عليه السلام مجازاً لا حقيقة له، وهذه هي النّتيجة الحتميّة لهذا الفكر المنحرف؛ إذ لا يُتصوّر مع الإيمان به، أن يكون هناك وحيٌ، وهو القرآن، وموحًى إليه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواسطةُ الإبلاغ، وهو جبريل عليه السّلام؛ إذ الجميع وجودٌ واحدٌ وهو الله، فكيف صارت الأمور ثلاثةً بعد كونها واحدةً, فهذا إشكال واجهَ أحدَ تلاميذه المؤمنين بهذه العقيدة، وهو الحاج محمّد الثّاني بن محمّد الأوّل، استشكل الأمر غايةَ الاستشكال فكتب إلى شيخه إنْياس يطلب منه حَلَّ هذا الإشكال، فبدلاً من إنقاذه دفعه إلى مستنقَعٍ آخر أشدَّ تعقيداً على الفهم؛ فصرّح له بأن الأمر مجاز لا حقيقة.

ويبدو أن الشيخ إنياس شَعر هو نفسُه بخطورة هذه الفكرة على العقيدة الصّحيحة، فصرّح بأن خطرَ هذا المقام عظيم جداًّ، لأنه يمسّ العقيدةَ مسّاً مباشراً وسلبياً، وفيه يتحوّل المريد إلى يهوديٍّ أو نصرانِيٍّ أو مجوسيٍّ، ما لم يوفِّقه الله بوجود شيخٍ واصلٍ عارفٍ ينتشله من هذه المهاوي(36)، فقال: «وهذا المقام عظيمُ الغرر؛ لأنّ غَرره على العقائد أعظمُ، ما لَمْ يلقَ عينَ الرّحمة، ففيه ما يهَوِّد ويُنصِّر ويمجِّس، فلذلك صاحبُه لا يفارق الشَّيخَ العارفَ الكامل»(37).

ومن قبائح فِعال الشيخ إبراهيم إنياس أنه رَبّى أصحابَه وتلاميذَه على هذا المعتقد الخبيث الذي يُسميه (التّوحيد الخاص)، وإن كان ينهاهم عن البَوح به أمامَ من يُسمّيهم بـ (المحجوبين), ويعني بهم من لا يقولون بعقيدة وحدة الوجود, ومن وصاياه لأتباعه بذلك قولُه: (وأوصي كلَّ من شمَّ رائحة التّوحيد الخاص بإدامة الصّمت، والاعتزال من مجالس الجماعة العوام التي لم تجتمع لطاعة الله تعالى، لا سيّما التكلّم في التّوحيد والأسرار أمامَهم، واعلموا أن كشف الأسرار الرّبوبية بين المحجوبين أشدّ عند الله من الحرام، ?لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنة لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ? [الأحزاب : 31].

فانظر - رعاك الله -  كيف يحث أتباعَه على كتم التوحيد الخاص، ويعد نشرَه بين النّاس أشدَّ من الحرام، وهذا يدلّك على أنه معتقدٌ خطيرٌ تأباه النّفوس الذّكيّة، وتَرفضه الفِطَرُ السّليمة، ويُعرِّض حاملَه إلى انتقادٍ لاذعٍ من قِبَل المؤمنين بالله ورسولِه صلى الله عليه وسلم، وإلا فإن التوحيد الذي جاءت به الرّسل، وأُنزلت من أجله الكتبُ والشرائع إنما حقه أن يُذاع ويُنشر كما فعلت جميع رسل الله، وظل خاتمُ المرسلين صلى الله عليه وسلم ثلاثةَ عشر عاماً يَدعو إليه، ولم يَدَعْ جانباً منه دون بَوْحٍ وبيانٍ، حَتَّى أكمل الله هذا الدِّين، وتَمَّت نعمةُ الإسلام، وعلى هذا رَبَّى أصحابَه.

ومن جانبٍ آخر؛ نرَى أنَّه على الرغم من إنذاره المتكرر وتحذيره الشديد لأتباعه أن يكتموا هذا «التوحيد الخاص» ويتجنبوا إذاعته للناس؛ فإن بعضهم لم يُذعنوا لهذا التحذير، فصاروا يكتبون في قصائدهم ما يُوقف القارئَ على هذا السّر الخطير، فأصبحوا يصرّحون بمعتقدهم في الشيخ إنياس بمثل ما صرَّح هو في الشيخ أحمد التّجاني، فهذا تلميذه الشيخ محمّد ثاني الكافنغي الكنويّ يقول في أبياتٍ يمدح بها شيخَه إنياس(38):

خـليفةُ ربّ العالمين بخلْقِــه    فَـرَائِيـهِ رَائِيـهِ بِـدُونِ اتِّحَادَةِ

وَلا بِحُلولٍ، بَل بإمدادِ وَصْفِـهِ    لَه فافْهَمُـوا مِنِّي عُلُـومَ الحقِيقَةِ

بأيديك تَصْريفُ العوالِمِ رَقِّنِـي    إلى مُرتَقًى أسْمًى، وَنَوِّرْ بَصِيرتي

    ثانياً: الشيخ إنياس وهرطقة (الحقيقة المحمدية):

يرى الشيخ إنياس أن المريد بعد أن يَشهد الفناءَ عن وُجود السِّوَى، ويُشاهدَ حضـرة (وحدة الوجـود) - وهي عدم التمييز بين الخالق والمخلوق، بل يرى الله سبحانه وتعالى في كلّ شيء بذاتِه، وأن الوجود شيءٌ واحد على السّواء، وهو: وجود الله فقط - عندما ينتهي من هذا يَأتي إلى مرتبةٍ أخرى وهي التي يُسمّونها (الحقيقة المحمدية) التي تمحق تلك المرتبة السّابقة، فيقول إنياس: «وإذا صحا المريدُ من الفناء يُشاهد حضرةَ وحدة الوجود، يرى فيها الوجودَ قطعةً بارزةً من الذَّات، بعدما كان لا يُشاهد إلا إيَّاها، فيرى الأشياءَ على تعدُّدِها وتَبايُن مراتبِها على حدٍّ سواء، وبَعد ذلك تتجلَّى الحقيقة المحمديّة فتمحقها؛ لأنّه السيّد الكامل، الفاتح الخاتم، العبد المتّصف بصفاتِ سيِّده، المتخلِّق بأخلاقه، المتردِّي بكمالاته، من أمد بوسع الرّبوبية، صاحب الرّياسة لولاك، ففي هذه الحضرة لا يَرى المشاهد إلا محمَّداً رسول الله، قد استحال عنده وجود سوى الله ورسوله، ولا مَطمع له في الله بغير رَسوله يُشاهد أن لا إله إلا الله محمّد رسول الله»(39).

ففي هذا النص يشرح إنياس هذه نظرية (الحقيقة المحمديّة)، فالنبي عنده متصفٌ بصفات الله تعالى متخلِّق بأخلاقه، لابِس رداءَ كمال ربّ العالمين، يعني بذلك: أنه هو الله سبحانه وتعالى، وقد صرّح بذلك في قولِه: «والمشاهِد في هذا المقام إذا طلب الله لا يجد إلاَّ رسولَ الله، ولا يجد سبيلاً إلى وجودِ سواه»(40)، ويعني بذلك: الفناءَ عن وجود سوى رسول الله!

ثم يُردف قائلاً: «وفي هذا المقام يقول: إنّ الله ما أوجد إلا محمَّداً، وما أرسلَ إلاَّ محمَّداً، ولم يُرسَل من قُريش، ومحمَّد ما صلَّى قطّ، ولا صام ولا حجَّ ولا جاهد، ولا نَكح، ولا وَلد ولا وُلد».

هذه هي الحقيقة المحمدية عنده وعند غيره من المتصوِّفة، ويعبِّرون عنها بالنّور المحمَّدي، وتعني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءٌ من النّور الإلهي، فالفناءُ فيه معناه: عدم رؤية الوجود غير وجوده؛ لأن وجوده هو وجود الله، وما دام أنه هو الله ربّ العالمين؛ فجميع الرسل إنما هم تجسيدات لشخصه صلى الله عليه وسلم وتجليَّات لذاته في صورٍ متعدِّدة، كما أن اتّصافه بصفات الله وتجلِّي الله في صفته تنفي عنه القيامَ بالتّكاليف الشرعية والأعمال البشريّة حقيقةً؛ لمنافاة كلِّ ذلك لكمال الله جل وعلا، فعنده أنّ النبي صلى الله عليه وسلم هو «عين الحق الذي تتجلّى فيه عروش الحقائق» كما في الصّلاة المسمّاة عندهم بـ (جوهرة الكمال)، فلذلك رأى الشيخ إنياس مناسبةً لذكرها بعد تقريره تلك العقيدة فقال: «ونُورد هنا الصَّلاة المسمَّاة بجوهرة الكمال في مدح سيد الرِّجال التي تلقاها سيدُنا الختم التّجاني من الحضرة المحمديَّة، لما تضمَّنت من أسرار (الحقيقة المحمديّة)» ثُمّ ذكرها.

والنتيجة التي يريد القائلون بهذه النّظرية أن يصلوا إليها هي الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فاتّخذوا في سبيل تحقيق ذلك الغلوّ في رسول صلى الله عليه وسلم بدرجةِ مساواته بالله عز وجل، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً.

وقد يتوّهم بعضُ الناس حين يظنّ أن معنى هذا الكلام أنّنا ننفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم نورٌ كما وصفه القرآن بذلك، والحق أنه ليس معنى وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نورُ أنه مخلوقٌ من نور - كما يزعم غُلاة الصّوفية -، وإنما معناه: أنه صلى الله عليه وسلم هادٍ لمن اتبعه، منيرٌ له طريقَ الهدَى وسبيلَ الرّشاد بإذن ربّه، كما قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا? [الأحزاب: 45 - 46]، وقوله تعالى: ?قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ? [المائدة : 15].

يقول ابن جرير الطّبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: «يقول جلّ شأنه لهؤلاء الّذين خاطبهم من أهل الكتاب: قد جاءكم يا أهل التّوراة والإنجيل من الله نورٌ، يعني بالنّور: محمداً صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومَحَقَ به الشِّرك، فهو نورٌ لمن استنار به، يُبين الحق»(41).

ولو كان المرادُ من ذلك أن الرّسول صلى الله عليه وسلم مخلوقٌ من نور لصرّح القرآن بذلك أتمّ تصريحٍ، وأوضحه أوضح بيان، ولما كان هناك داعٍ لوصفه بالبشريّة، ولكنّنا نجد نصوص الشرع تؤكد بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ?قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ? [الكهف : 110 ، وفصلت : 6].

وأخرج الشيخان عن أمِّ سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحنَ بحجَّته من بعضٍ فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قَضيتُ له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعةً من النّار»(42).

فالنّبي صلى الله عليه وسلم نور بالمعنى القرآني لا كما تزعم الصّوفية, وهو بشر كغيره من الأنبياء السّابقين، وصلته بربّه صلة العبد المخلوق بمولاه كما قال تعالى: ?سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ? [الإسراء : 1]، وقوله تعالى: ?فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى? [النجم : 10]، فوصفه الله بالعبودية في أشرف مقاماته صلى الله عليه وسلم وهو مقام القرب من ربه.

ثالثاً: غلوه في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:

ثبت عند الإمام البخاري(43) عن عمر رضي الله عنه أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تُطْرُونِي كما أَطْرَت النَّصارى ابْنَ مريم، فإنّما أنا عبده، فقولوا عبد اللَّهِ ورسولُه»، هذا الحديث الشّريف لم يَلْقَ من الصوفيّة أُذناً صاغيةً، ولم يرووا في نهيه صلى الله عليه وسلم عن إطرائه ما يمنعهم من الغلوّ في مدحه، ومن جملة هؤلاء الشيخ إنياس، فقصائدُه في مدحه صلى الله عليه وسلم مليئةٌ بما لا يُرضي الله ورسوله من الغلو والإطراء والمبالغة إلى حد إضافة أشياء من خصائص الربوبية والألوهية إليه، والمطالِع في دواوينه المخصَّصة لمدائح رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد من ذلك شيئاً كثيراً.

ويكفينا في هذه العُجالة أن نذكر أمثلةً تدل على ما ورَاءَها، وعلى الله قصد السّبيل:

1 -  قوله(44):

لولا النّبي الّذي أتيتَ ما خُلقت شمسٌ   ولا قَمـرٌ أو أصـلُ ذي النّـاس

2 -  دعواه - زوراً - أن كلَّ ما ناله الأنبياء إنما هو من النبي صلى الله عليه وسلم:

من ذلك: غفرانُ ذنب آدم لما أكل الشّجرة التي نهاه الله عنها، وما تعلّم من الأسماء إنما تعلّمه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي نجّى نوحاً عليه السلام من الطّوفان، ومنه صارت النيران برداً وسلاماً للخليل إبراهيم عليه السّلام، وكذلك نجاة موسى وقومه من فرعون، وغرق فرعون بعد ذلك، وكذلك تكليم الله إيّاه، ثم رفع عيسى عليه السّلام وتخليصه من محاولة اليهود لاغتياله، ثم أيّوب في محنته ويوسف في ابتلائه، وإسماعيل في اختباره كلّهم نالوا ما نالوه من النبي صلى الله عليه وسلم، ادّعاؤه أن جميع علوم الرّسل إنما هي منه صلى الله عليه وسلم، فيقول(45):

هو الكلّ منه الكلّ بطناً وظاهراً   وبحر سواه ما لَنا منه مَشـرَبُ

فَمِن نوره الكونان منه تفجَّرتْ   علومُ جميع الرسل والكلّ يشرب

وهذا الزعم أيضاً مردّه - كما هو ظاهر عباراته - إلى عقيدته في «الحقيقة المحمدية»، أي: أنّ جميع الأنبياء السّابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبياء والرّسل صلى الله عليه وسلم؛ ادّعاؤه - زوراً وباطلاً -  أنّ الدّنيا والآخرة من جوده صلى الله عليه وسلم، وأن ما حواه اللّوح المحفوظ بعضٌ من علمه صلى الله عليه وسلم، وأن حُسنَ الحور العِين إنما أُخذ من حُسنه، وضوء البدر تفرّع من ضوئه، يقول(46):

ومن جُوده الدّنيا وأخرى وعِلمُه   أمَدّ قِلامَ اللّوح بعض الّذي وعا

3 -  استغاثته بالنّبي صلى الله عليه وسلم:

من غُلوّ الشيخ إنياس في مدائحه للنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يُوجد في كثير من قصائده من استغاثته بالرّسول صلى الله عليه وسلم، ودعائه أن يَكشف ما به من ضرٍّ، ويَرفع ما يحل عليه من نوائب الدّهر.

رابعاً: عقيدة ختم الأولياء عند الشيخ إنياس:

أوّل من تكلّم بهذه العقيدة، هو محمّد بن عليّ بن الحسن المعروف بالحكيم التّرمذي، من شيوخ القرن الثّالث، ألّف كتاباً سَمَّاه (ختم الولاية)، وادّعى فيه أن للأولياء خاتماً كما كان للأنبياء خاتم، وفضَّل الولاية على النّبوّة، فأخرجه العلماء من ترمذ، وشهدوا عليه بالكفر والزّندقة(47).

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عقيدة (ختم الأولياء) من جملة ما عند الحكيم التّرمذي من الضّلالات، فقال: «ومنها ما ادّعاه من خاتم الأولياء الذي يكون في آخر الزّمان، وتفضيلِه وتقديمه على من تقّدم من الأولياء، وأنه يكون معهم كخاتم الأنبياء مع الأنبياء، وهذا ضلالٌ واضحٌ، فإنَّ أفضلَ أولياء الله من هذه الأمّة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وأمثالهم من السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، كما ثبت ذلك بالنّصوص المشهورة ...»(48).

وقد ادُّعي هذا المقام للشيخ أحمد التّجاني(49)، وجاء الشيخ إنياس وبذلَ جهداً جَهيداً في سبيل إثبات هذا المنصب له، ونفيِه عمّن عداه، حتى إنه أفرد لذلك تأليفاً مستقلاًّ سمّاه: (تنبيه الأذكياء في كون الشّيخ التّجاني خاتم الأولياء)، نفى فيه أن يكون ابن عربي الحاتمي هو صاحب هذا المقام، مستدلاً بدعاوي التّجاني نفسه، وكراماته، وبأنّه شريف من أهل البيت، أخبره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكدّ له ذلك ثلاثَ مرار(50).

ومؤدى هذا التقرير تفضيل «خاتم الأولياء» على الأنبياء، لأن الأنبياء إنما هم أصحاب الولاية العامّة، من لدن آدم إلى عيسى عليه السّلام، والتّجاني هو صاحب الولاية الخاصة، وينتزعون من هذا تفضيل الولاية على النّبوة، كما هو موجود من نصوص شيخهم الأكبر ابن عربي الحاتمي(51).

والقائلون بهذا لا شكّ في كفرهم، بل كُفرهم أقبح من كفر اليهود والنّصارى، يقول ابن تيمية رحمه الله: «وحالُ الجهمية الاتحاديّة الذين يفضِّلون الولِيّ أو خاتم الأولياء على الرّسل، ومعلومٌ أن هذا باطل وكفر عند المسلمين»(52)، «فهذه الأقوال ونحوها هي من الكفر المخالف لدين الإسلام باتفاق أهل الإسلام، ومن قال منها شيئاً فإنه يستتاب منه، كما يستتاب نظراؤُه ممن يتكلم بالكفر، كاستتابة المرتدّ إن كان مظهِراً لذلك، وإلا كان داخلاً في مقالات أهل الزّندقة والنفاق»(53).

وخلاصةُ القول: أنّ هذه العقيدة تخالِف عقيدةَ أهل السنّة من جميع حيثياتها، ولو لم يكن فيها إلا تفضيل رجلٍ متأخِّرٍ في زمانه وفضله على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعهم بما فيهم الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشَّرين بالجنة، وسائرِ السّابقين إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار، والذين قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموالهم وأنفسهم، وغير هؤلاء ممن ثبتت فضائلُهم في النصوص المتواترة وإجماع الأمة؛ لكان ذلك غايةَ الافتراء والبهتان العظيم(54).

خامساً: الدّائرة الفضلية والشيخ إنياس:

من الأباطيل التي روّجها الشيخ إنياس في كُتبه، وغرَّر أتباعَه بها لينسلخوا عن دينهم الحق، ويتحلّلوا من أخلاقهم الإسلاميّة الشريفة، ويتابعوه في باطله الذي استقاه من طريقته الإلحادية، فريةٌ سَمّاها: (الدّائرة الفضلية) التي رسمها الشيخ أحمد التّجاني، وزعم أنّ أتباعه واقعون فيها بفضل تمسّكهم بطريقته ودينه، يقول أحمد التّجاني:

«فإن لله سبحانه وتعالى دائرةً من فضله، جعلَها مكنوزةً وراءَ خطوط الدّوائر، التي هي دوائرُ الأمر والنّهي والجزاء خيراً وشراًّ، والاعتبارات واللّوازم والمقتضيات، فإنّ هذه المراتب هي مراتب عموم الخلق، وتلك الدوائر الفضلية هي دائرة اختصاصه واصطفائه سبحانه وتعالى لمن شاء من خلقه، وهذه الدّوائر جعلها سبحانه وتعالى عنده فيضاً فائضاً من بحر الجود والكرم، لا يتوقّف فيضُها على وجودِ سببٍ ولا شرطٍ ولا زوالِ مانعٍ، بل الأمر فيها واقعٌ على اختصاص مشيئته فقط، ولا يُبالي بمن كان فيها أَوْفى بالعهود أم انتهج الصراط المستقيم، أم سقط من المعاصي في الطّريق الوخيم، لا يبالي لمن أعطى ولا على ماذا، ومن وقع في هذه الدّائرة من خلق الله كَمُلت له السّعادة في الآخرة، بلا شَوب أَلَم ولا ترويع»(55).

هذا النص المنقول عن الشيخ التّجاني والمقرر من الشيخ إنياس يدلّ بوضوحٍ على أن ما تدعو إليه عقائدُ هذه الفئة إنما هي إباحية محضة، وانحلالٌ كامل، وانسلاخٌ حقيقيٌّ من الشريعة التي أنزل الله بها الكتُب وأرسل من أجلها الرّسل، «ومعنى كل هذا أن الطّريقة التّجانيّة خارجةٌ عن جميع دوائر دين الإسلام، وتقع بعيدةً عن جميع أحكامه، ولا تتقيّد بشيءٍ من قيوده، وهذا هو السّعادة الأبدية عندهم»(56).

سادساً: زعمه أن كل من لم يرزق محبة الشيخ التّجاني فهو هالك:

من أباطيل هذا الرجّل وأكاذيبه على الله ورسوله؛ زعمُه أن الله ساق هذا الوجودَ مساقَ الهلاك، ولا يَنجو من ذلك إلا مَن رُزق محبَّةَ الشيخ التّجاني، فقال في بعض رسائله مخاطباً أتباعَه: «واعلموا أن الله ساق الوجود في هذا الزّمان مسَاقَ الهلاك، ولا ينجو منه أحدٌ إلاّ من رزقه الله محبّة سيدنا الختم التّجّاني»(57).

وهذا الادعاء من إنياس هو كما قال الشّيخ أبو بكر محمود جومي رحمه الله: «إنه يُريد بذلك أن يقول: ومن يَبتغ غير التّجانيّة ديناً فلن يُقبَل منه وهو الآخرة من الخاسرين!»(58).

سابعاً: زعمُ إنياس أن محبته سعادةٌ و بغضَه شَقاءٌ:

لم يكتفِ الشيخ إنياس بالإيمان بأن محبّة الشيخ التِّجاني هي السّبيل الوحيد لخلاص العالَم ونجاته، حتى زعم أن هذه الخصِّيصةَ له هو أيضاً، وأن من أحبَّه فهو سعيدٌ، ومن أبغضه فهو شَقِيٌّ، وأن كلّ من يريد أن يصل إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا بُد له أن يتمسّك بحبله هو، فقال في قصيدةٍ له(59):

حَلَفـتُ يمـينًا إنَّـنِـي لاَ يُحِبُّـني     سِوَى أسعَد والْعَكْسُ فِي حَالِ بُغْضِيَا

      وقـدْ عَلِـم الأَقْـوَامُ أَنِّي خَـدِيمـه        فَوَصْلُ حَبِـيبِ الله يُلـفَى بِوَصـْلِيَا   

    ومَـا قُلتُ قَــوْلي شاطحاً مُتبَجِّحاً          وَمـــا مَسَّنى سُـكْرٌ يُغَيِّبُ عَقْلِيَا

 

 

ويقول في قصيدة أخرى(60) زاعماً أنَّه رحمةٌ لمن يحبّه، ونارٌ لِمن يُبغضه، فمحبّته رَوْحٌ لِمُحِبِّه، وبُغْضُه سُـمٌّ قاتِل:

وإنّي رَحمانِيّةُ الله عِنْدَ مَـن   يُحـبّ وَنارٌ للطَّريدِ المجادِلِ

وإنِّيَ رَوْحُ الْحِبِّ سُمُّ سِوَائِه   فطوْراً يُحَيِّي تارةً عَيْنُ قَاتِل

والملاحَظُ في هذه الدّعوى العريضة: أن الشيخ إنياس قد نَصَب نفسَه نظيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله رحمةً للعالمين، حيث قال ربُّ العزّة: ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ? [الأنبياء : 107]، ويقول عليه الصّلاة والسّلام عن نفسه: «يا أيّها النّاس إنّما أنا رحمةٌ مُهدَاة»(61).

بل لم يكتف الرجل بهذا الهرَاء ولم يقنع بتلك الأكاذيب حتى جَعل مجرَّدَ رُؤيته سبباً لدخول الجنّة، بل يَكفي لدخول الجنة رؤيةُ خطِّه فقط! فقال(62):

وإنّ خُطوطي للأنـام سعادةً   فَلم يَشْقَ يوماً مَن رآني وخَطِيَّا

وما قُلتُ هذا دُون إذنٍ وإنَّنِي   لأكتمُ ســراًّ لا يُباحُ لِغـيريَا

وكذب أيضاً على أتباعه بأن كلّ من خَدمه ينال مُراده، ويحصل على أموالٍ وسعادةٍ في الدنيا، إن كُتب له الحياة، وإن مات قبل أن يتحقّق له هذا الوعد فإن له فوزاً في الآخرة؛ فيقول في بعض أبياته(63):

إنّ الّذيـن خدمـوني نَـالوا

مرادَهـم ســعادةٌ ومــالُ

ومن يُحبّـني ومـن يَراني

فـي جنّة الخـلْد بلا بُهـتان

إذ إنـني خليفـة التجـاني

موهبـة من أحمـد العدناني

من شَكّ في ذا فَأرَى وأسمعُ

                        مِن حيثُ لا يرى الفتى ويَسمَع

وقد شكّلت تلك الدعاوي العريضة عاملاً قوياً للخوف والفزع لدى كثيرٍ من أتباعه.

ثامناً: ادّعاؤه أنّ له تصريفاً في الكون:

مِن أباطيل هذا الرجل وكُفره بالله تعالى ادّعاؤه أن الله قد خصّه بالتصريف في الكون، وأنه إذا قال للشّيء: كن، يكن بلا تسويفٍ، فيقول(64):

حَملتُ سِـرَّ خــاتَم الوِلايَه                       جَمَـعْتُ بَيْن الذَّوْقِ والدِّرَايَه

قَد خصَّني بِالعِلْمِ والتَّصْرِيف                 إن قُلْتُ: كُـنْ يَكُنُ بِلا تَسْوِيفِ

لَكِنَّـنِي اتّخَذْتُــه وَكِيــلاَ                           تَأَدُّبـاً فَاخْـتَارَنِي خَـلِيــلاَ

وهذا لا شكّ اعتداء على خصوصيّات الرّب سبحانه وتعالى وصفاته، فقد قال تَعالى: ?إنّما أَمْرُه إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ? [مريم : 82]، فكون الشيخ إنياس بهذه المثابة معناه أنّه رب غير الله، وقائل هذا من أمثال فرعون وجنده، فهو القائل: ?أَنَا رَبّكُم الأَعْلَى? [النازعات : 24].

تاسعاً: ادّعاؤه المكث في أيام الله ثلاثةَ ملايين وثلاثمائة ألف عام:

من أساطير هذا الرجل، أو بالأحرى من فُنون جُنونه، ادّعاؤه أنه مكث في أيّام الله ثلاثةَ ملايين وثلاثمائة ألف عام، وهي من أيّام الدنيا الفترةُ الواقعةُ بين صلاة الشّفع والوتر، وهو في كلّ هذه الأعوام كان في الحديث مع الله وجهاً لوَجْهٍ، وفي مصاحبة رسول الله والمشي معه، ثُمّ لقاء الشيخ أحمد التّجاني، والظّهور في شخصه، وغير ذلك من الأباطيل والأكاذيب الكبيرة، والتي هي أشبَه ما تكون بما يُسمّى بأفلام الخيال العلمي الّتي تنتجها شركات الهوليود الأمريكيّة، إن مثل هذه الكذبات الكبيرة حتى لو لم تنطو على أمورٍ كفريّة كهذه؛ فإنها لن تحظى بقبول لدى أي إنسان عاقل، فضلاً أن يصدفها إنسانٌ مؤمن بربه، استنار بنور الوحيين، نسأل الله السّلامة من الكفر والهذيان.

عاشراً: ادعاؤه محاورة سرّه عن ربه:

من الأكاذيب الكبيرة التي بَرع فيها غلاةُ الصوفية دعواهم أنهم يأخذون العلم عن الله بلا واسطة الرسل، بل عن طريقِ واردٍ يَرد على قُلوبهم، ويحدّثهم عن ربّهم، فلا يُقيمون للعلم والعلماء وزناً، بل يرونهم علماء الرسوم، لا يفقهون من العلم شيئاً، وكون الشيخ إنياس من غلاة المتصوّفة الباطنيّة، فإنه أيضاً يؤمن بهذه العقيدة، فهو عندما كتب كتابَه الباطني (السّر الأكبر) كان يدّعي أنه يكتبه عن واردٍٍ يُوحي إليه به، قال في موضعٍ منه: (وبَقي من الوارِد شيءٌ زجرني عن إثباته في هذا الوقت)(65)، ولما فسّر أوائلَ سورة البقرة تفسيراً باطنياًّ، قال في آخره: (انتهى ما أملاه عليّ الوارِد)(66).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: «حدّثني قلبي عن ربي»، فصحيحٌ أن قلبه حدَّثه، ولكن عمّن؛ عن شيطانه، أو عن ربّه؟ فإذا قال: «حدّثني قلبي عن ربّي» كان مُسنِداً الحديثَ إلى مَن لم يُعلَمْ أنّه حدّثه به، وذلك كذبٌ... ومحدَّثُ الأمَّة لم يكن يقول ذلك، ولا تفوَّه به يوماً من الدَّهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك، بل كتب كاتبُه يوماً: هذا ما أرى الله أميرَ المؤمنين عمرَ بن الخطاب، فقال: لا، امحه، واكتب هذا ما رأى عمر بن الخطّاب، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمن عُمَر، والله ورسولُه منه بريء)(67).

حادي عشر: ادعاؤه رؤية النّبي صلى الله عليه وسلم يقظةً:

إن من أكاذيب الصّوفيّة دائماً دعواهم رؤيَة النّبي صلى الله عليه وسلم يقظةً لا مناماً والتحدّث إليه، وسماع حديثِه، وتلقِّي أوامر ونواهي منه.

وقد صرّح الشيخ إنياس بتحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وجهاً لوجه؛ فقال: «فاعلموا أني ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سمعت من لسان من لا يَنطق عن الهوى ألا يضرني مخلوقٌ أصلاً كائناً من كان»(68).

بل صرَّح بذلك عندما كان في المستشفى بباريس في مرض موته، ذاكراً أنّه رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم هناك بفرنسا، واستغرب رؤيتَه بها حيثُ لا يدري إن كانت باريس أيضاً محلاًّ لإقامته، موهِماً بذلك أنَّه رآه قبل ذلك في أماكنَ شتّى، فقال:

رأيتُ رسولَ الله جهراً ويقظةً   بباريس هلْ ذاك المحل محلُّه(69).

وهذه العقيدة مناقضةٌ لإجماع أهل السنّة والجماعة، فقد قال الحافظ ابن حزم: «واتّفقوا أنّ محمداً عليه السلام وجميعَ أصحابه لا يَرجعون إلى الدّنيا إلاّ حين يُبعثون مع جميع النّاس»(70).

ثاني عشر:  تسميتُه اللهَ تعالى بأسماء لم ترد في الكتاب والسنة:

من سوءِ أدب الرَّجل مع الله، وعدم احترامه لنصوص الكتاب والسنّة والوقوف عندها، تسميتُه الله تعالى بأسماء لم تَرد في كلام الله ولا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، بل ليس فيها ما يقتضي الكمالَ والمدح والثناء، وهذا كثيرٌ فيما أحدثه من الأدعية والأذكار التي لم تَرد عن الله تعالى ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تفوّه بها أحدٌ من سلف هذه الأمّة، من ذلك:

1 -  قوله: «اللّهم يا ألف، صلّ وسلِّم على الباء، ونقطته وشكله صلاة تؤلّف لنا بها - يا واحدُ يا أحد - القلوبَ، وتفتح لنا الأبواب المغلقة بسرِّ الألف والباء والنّقطة والشّكلة...»(71).

2 -  وقوله: «ويا يَقينُ صلِّ وسلِّم على النّبي الحقّ اليقين ...»(72).

3 -  وقوله: «وأسالك يا ألف، يا هاءُ، يا ميم، يا سينُ قاف، يا كاف، يا حاء، يا لام، يا عين، يا ياء، يا صاد أن تفعل لي كذا وكذا بسرّ الحروف الرّقميّة والفكريّة والخياليّة والنّطقية....»(73).

4 -  وقوله: «وأسألك يا هُو مَن هُو هُو، وهُو هُو أن تهبَنَا بمقدار يديك....»(74).

5 -  وقوله : «يا سريع، يا كهيعص، يا حمعسق....»(75).

وله من هذا النّوع أشياء كثيرة، وهذا لا شكّ في أنّه من العبث والإلحاد في أسمائه المنهيّ عنه في قوله تعالى: ?وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? [الأعراف : 180].

ثالث عشر: إشاعتُه فكرةَ الفرق بين الظّاهر والباطن:

وتكفي الإشارةُ إلى بعض النّماذج من التّحريفات الباطنيّة الواردة في كتب الرجل، والتي تنطوي على إفراغ المصطلحات الشرعيّة من مدلولاتها الخاصة ومضامينها المعروفة لدى علماء المسلمين كافّة، ولَيِّ أَعناقها للاستدلال بها على عقيدة وحدة الوجود، من ذلك:

1 -  يقول في تفسير أوائل سورة البقرة: « ?أولَئِكَ عَلى هُدًى مِنْ رَبّهم وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون? [البقرة : 5]، ذَكر (هدًى) أي: على كَشْفٍ من كُشوفي، ونورٍ من أنواري، وسرٍّ من أسراري، ولُطفٍ من ألطافي، لأنّ ما أنعم الله على جميع الأنبياء والأولياء بالنّسبة لما عندهم كقَطرة من بحرٍ محيط، وبذلك الهدى تخلّصوا من الحُجب، وحطّوا رحالهم بفنائه، وفازوا بالسّعادة العظمى، والمملكة الكبرى، وحقَّقوا قوله تعالى: ?إنّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعَى? [العلق : 7].

ومختصرُ الجواب: أول الآية تَحقّق، وآخرُها تشرُّع، وأوّلها بداية، وآخرها نهاية، وإن كانت النّهاية في البداية، والبداية في النهاية، ولذلك دخل العاطف في الآخرةِ دون الأولى، والمعنى أن النِّهاية في البقاء بعد سبق الفناء، وثَمّ رمز دقيق إلى أنّ جنّة العارف غير جنة العابد، حيث قال: ?أولَئِكَ عَلى هُدًى مِنْ رَبّهِمْ?، ثم قال: ?وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ?، فافهم جيِّداً.

والتحقيق في اجتماع الكتب في?ألم?: أنّ الحقائق ثلاثةٌ: الحقيقة الأزليّة، والحقيقة المحمديّة، والحقيقة الأحمديّة، تجلَّت الأزليّة في المحمدية، والمحمدية في الأحمديّة، فظهرت الحقائقُ الموجودات، فحصلت الكَثْرَةُ التي هي حقيقةُ عَين الوِحدة، فوقع التَنَزّل، فصدّق الأحمديّة بتنَزّل الأزليّة في المحمديّة، أي: آمنت بما نزل على محمّد وهو الحق، وذلك: ?ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ? فالتقَتْ بالمحمديّة عن الأزليّة، وذلك ?هُدًى لِلْمُتَّقِين? فآمَنَتْ تصديقاً بالغيب حيثُ هو المرآة، وذلك قوله تعالى: ?الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالْغَيْبِ? فاشتقّت إلى كشف الغيب، فأقَامت الصلاة بدوام مراقبة المحبوب، لتعرُج بها إلى البداية، وذلك معنى ?يُقِيمُون الصَّلاَة?.

وتلك الصّلاة دائمةٌ؛ سجدةٌ واحدة من الأزل إلى الأبد، حيثُ لا مطمع في المطلوب بها ولا يأس، فأنفقتْ كليَّةَ وجودها في الأزل إلى الأبد، وهو معنى: ?مِمّا زَرَقْنَاهُم يُنْفِقُونَ?، ولم تَجد من مطلبها إلا ما أنزل على محمّد فآمنت بما أنزل على محمّد طوعاً وكَرْها، وهو معنى: ?والَّذِينَ يُؤمِنُون بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ?، وتحقّقت بتجلّيَيْن قبل ذلك التجلِّي المعبَّر عنه بالتَّنَزّل لم يبرز أحدهما لا نسبةَ فيها أصلاً، والأخرى لا نسبةَ فيه إلاّ الأحدية، فآمنتْ بها، وهو ?مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ?، فتحقّقت بوجودها أدباً، وهو معنى ?وبالآخِرَةِ هُم يُوقِنُون أُولَئِكَ عَلَى هُدًى? حيث تحقّقوا بالحقيقة وتمسكوا بالحق، وأولئك هم المفلحون بالملك الكبير، حيث الملْك لله الواحد القهار، وبهذه التّقوى والإيمان والإقامة والإنفاق ظهرت الحكمةُ والإحكامُ، وتظاهرت شؤونُ الأحديّة، ?كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ? [الرحمن : 29]. انتهى ما أملاه عليّ الوارد»(76).

2 -  فسَّر قوله تعالى: ?ألَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ? الآية [الفرقان : 45]، وقوله تعالى: ?قل إنْ كَانَ لِلرَّحمْنِ وَلداً فَأنَا أَوَّل الْعَابِدِين? [الزخرف : 81]، فسّر هذه الآيات بأنّها إشارةٌ إلى حضرة اللاهوت والأحدية، وهو وجود النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان الله ولا شيء معه، وإشارةٌ إلى حضرة اللاّهوت والواحديّة، حيث تعلّق الإرادة بوجوده قبل التجلي، ثم إلى حضرة الجبروت، وهو التجلي بالأحمدية في المحمديّة، يعني بذلك تجلِّي الله في نبيِّه محمّد صلى الله عليه وسلم - تعالى الله عن ذلك -، ثم هي إشارةٌ إلى حضرة الملكوت، وهو تجلِّيه لحقائق الأنبياء وأسرار الكائنات، وقلوب الحيوانات الإنسانية، ثم إلى عالم الملك والنّاسوت، وهو نزوله في الصّورة الأدميّة...»(77).

3 -  وفسّر قولَه تعالى: ?وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِم بَرَكاتٍ مِن السَّمَاءِ والأَرْضِ? [الأعراف : 96]، بقوله: «يعني: أهلُ القرى لو آمنوا الإيمانَ التامّ الحقيقيّ لفُتح عليهم بركات من السّماء، وهي الفُتوح والمعارف والأسرار والواردات والإلهامات، التي هي بركاتُ السّماء؛ أي العالَم العلوي، وبركاتُ الأرض التي هي علوم الدّرايات والرِّوايات والمعاملات، كما أنّ قوله تعالى: ?لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ? إشارةٌ إلى المعارف الإلهية، ?وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ? إلى علوم الرِّوايات والدِّرايات التي في أرض النّفوس(78).

وله من هذه النّوع من التّأويلات الفاسدة الباطنيّة شيء كثير في كتبه، لا سيّما عندما يسعى للدّلالة على عقائده الباطنيّة الخبيثة.

رابع عشر: تشريعه صلوات وأذكاراً لم يشرعها الإسلام:

إن من مساوئ الرجل أنه أعطى نفسه حق التشريع - كما فعل ساداتُه من قبل - فاخترع صلوات وأذكاراً ما أنزل الله بها من سلطان، بل جاءته - كما صرّح بذلك - على حَسب خواطره وأحواله، وأذن لأتباعه أن يتقرّبوا إلى الله بها، يقول: «ودُعائي على حَسَب الوارد والأحوال، وهذا لا بأس أن يكون عادةَ الأحباب بعد الوظيفة، وقد أذنتُ فيه لكلِّ من يحفظه أن يقرأه بعد الوظيفة، سواءٌ في جماعةٍ أو في غيرها»(79).

ومن نماذج هذه الأدعيّة والأذكار المخترعة ما يأتي:

1 -   قوله: «اللّهم يا ألف، صلِّ وسلِّم على الباء، ونقطته وشكله صلاةً تؤلِّف لنا بها - يا واحد يا أحد - القلوب، وتفتح لنا الأبواب المغلقة بسرِّ الألف والباء والنّقطة والشّكلة يا ذا الجلال والإكرام...»، في دعاءٍ طويلٍ على هذا النّمط استغرق أكثرَ من أربع صفحات، يقول في فاتحته: « دُعاءٌ ورَدَ مِن حضرة اللَّطيف على العبد الضَّعيف»(80)، في إشارة منه إلى أنه جاءه من الله تعالى عَبْرَ واردِه، فكأنه وحيٌ جديدٌ إليه.

2 -   ويقول في دعاء له آخر: «اللّهم يا الله، يا هو، صل وسلم على عين الرحمة الربانية، عين الحقّ، طلعة الحقّ، من هو هو، وعلى آله، صلاةً تعرّفنا إيّاه، وأسألك يا هو بهو أن تَبسط عليّ العلوم والأرزاق الحسيّة...»(81).

ولاحظ كيف تضمّنت هذه الصلاة - علاوةً على كونها مبتدعةً - تسميةَ الله بما لم يسمّ به نفسَه ولا سَمّاه به رسولُه صلى الله عليه وسلم، كما تضمَّنت تسميةَ الرسول صلى الله عليه وسلم بأسماءٍ لم ترد في الكتاب ولا في السنّة، ولا نَطَق بها أحدٌ من علماء الإسلام، مثل: (عَين الحق)، و (طلعة الحق) ونحوها.

ويقول في هذا الدعاء: «والصّلاة والسّلام على غرق في بحر جمع الجمع، عينِ العيْن، وعلى آله عينه حقّ قدره ومقداره العظيم»(82)، في إشارةٍ إلى عقيدة وحدة الوُجود.

وبعد أن انتهى من هذا الدّعاء، الذي استغرق صفحاتٍ كثيرةً، يقول الرّجل في جرأة متناهيةٍ: «وإنّي ضامنٌ لمن دعا بدعائي هذا غِنَى الدَّاريْن، وضمنتُ لمكروبٍ قرأه نيلَ الفرَج، ومن قرأه فله ما لَنا، وعليه ما علينا، والإذنُ معتبرٌ فيه، والاعتقاد، وفراغ القلب من أمور الكون...».

(*)  مدير مركز الإمام البخاري للأبحاث والترجمة، كانو -  نيجيريا.

(1)  انظر: جذب الأحباب، لإنياس، ص 18 – 20.

(2)  الدّكتور محمد الطاهر ميغري في دراسة مسهبة بعنوان: (الشّيخ إبراهيم إنياس السّنغالي.. حياته وآراؤه وتعاليمه)، والدّكتور محمد الطاهر ميغري البرناوي (ت 1995م) - رحمه الله -  كان محاضِراً في قسم الدراسات الإسلامية، بجامعة بايرو، كانو، قدم رسالته العلمية تلك لنيل درجة الماجستير في عام 1979م / 1399هـ، أي بعد وفاة الشيخ إنياس بأربع سنين، وطبعت في عام 1981م / 1401هـ. وقد بذل الدكتور محمد ميغري فيها جهداً مضنِياً لإظهار الشيخ إبراهيم إنياس على حقيقته، وسافر إلى العديد من الدول الإفريقية لمقابلة من لهم صلة بالرجل، والوقوف على كثير من كتاباته وكتابات تلاميذه، فجاءت دراسته من المحاولات الناجحة ومرجعاً أصيلاً لدراسة الرجل وأفكاره.

(3)  انظر: أصل الفيضة, لسيّد حمل الزكزكي، ص 9، و الشيخ إبراهيم إنياس، للدكتور طاهر مغيري، ص 78، و TakaitaccenTarihin Sheikh ، ص 6.

(4)  انظر: تصدير كتاب (كاشف الإلباس)، للشيخ علي سيس،  ص 18.

(5)  انظر: تصدير (كاشف الإلباس), ص 10، و (أصل الفيضة التجانية)، ص 42 - 43، و (الشيخ إبراهيم إنياس)، ص 79.

(6)  انظر: الشيخ إبراهيم إنياس، للدكتور ميغري, ص 79.

(7)  كاشف الإلباس، ص 158 - 159، و الشيخ إبراهيم إنياس، ص 81.

(8)  انظر: كاشف الإلباس، ص 159 - 160، و الشيخ إبراهيم إنياس, ص 82.

(9)  انظر: كاشف الإلباس, ص 159.

(10)  كاشف الإلباس, ص 86.

(11)  المصدر نفسه في الموضع السابق.

(12)  كاشف الإلباس, ص 92 - 93.

(13)  الشيخ إبراهيم إنياس, ص 87.

(14)  انظر: السر الأكبر, ص 414 -  415.

(15)  الشيخ إبراهيم إنياس السنغالي, ص 93.

(16)  التاريخ الكبير, 4 / 363.

(17)  انظر: الرحلة الحجازية الأولى, ص 35، و Religion and Political Culture in Kano، ص 69، 98 - 99، و الشيخ إبراهيم إنياس, ص 111 -  112.

(18)  انظر: Religion and Political Culture in Kano ، ص 98 - 99.

(19)  انظر: نيل الأماني, للشيخ محمد ثاني الكافنغي, ص 32.

(20)  انظر: Religion and Political Culture in Kano ,  ص 106.

(21)  انظر: المصدر السابق، ص 109.

(22)  انظر: االمصدر السابق, ص 111.

(23)  انظر: المصدر السابق, ص 205.

(24)  سوف يأتي الحديث عنها بالتفصيل.

(25)  الشيخ إبراهيم إنياس, ص 238.

(26)  الشيخ إبراهيم إنياس, ص 239.

(27)  جواهر الرسائل, 1 / 16.

(28)  الشيخ إبراهيم إنياس, ص 316 - 317.

(29)  الشيخ إبراهيم إنياس, ص 344.

(30)  مجموعة ثلاث مجالس سنية - مجلس مدينة كولخ لإبراهيم إنياس, ص 46.

(31)  تحقيق د. ميغري مع دراسته عن إنياس, ص 425 – 426.

(32)  ص 153 - 154.

(33)  جواهر الرسائل, 2 / 10.

(34)  ديوان تحفة أطايب الأنفاس, ص 86.

(35)  المصدر نفسه, في الموضع السابق.

(36)  انظر: دارسة د.  ميغري عن كتاب (السر الأكبر), ص 392.

(37)  السر الأكبر, ص 426 - 427.

(38)  ديوان نيل الأماني, ص 39 - 40.

(39)  السر الأكبر, ص 430 - 431.

(40)  السر الأكبر, ص 431.

(41)  تفسير الطبري, 4 / 104.

(42)  صحيح البخاري, رقم 6967، وصحيح مسلم , رقم 1713.

(43)  صحيح البخاري, رقم 6830.

(44)  ديوانه: جبر الكسر, ص 18.

(45)  ديوانه: إكسير السعادات, ص 39.

(46)  ديوان: تيسير الوصول, ص 19.

(47)  انظر: سير أعلام النبلاء, (13 / 441).

(48)  مجموع الفتاوى, لابن تيمية, (2 / 223).

(49)  من الإنصاف أن نُشير إلى أن الشيخ أحمد التجّاني لم يدّع في حياته هذا المقام لنفسه، وإنما ألحقه به بعضُ متأخّري أتباعِه من بعد موته. انظر: مناقشة ذلك بالتّفصيل في كتاب «الرّدود المفيدة» للدّكتور ميغري (الورقة / 152 - 157).

(50)  انظر: تنبيه الأذكياء, ص 15.

(51)  انظر: فصوص الحكم, (1 / 62)، وانظر أيضاً: (تقديس الأشخاص) للدكتور أحمد لوح (1 /80 - 83).

(52)  بغية المرتاد, ص 228.

(53)  منهاج السنة، (59 - 60).

(54)  انظر: مجموع الفتاوى, (11/ 367 - 368).

(55)  جواهر المعاني, (ج 2 / 199).

(56)  التحفة السنية, للدكتور طاهر ميغري, ص 99.

(57)  جواهر الرسائل, (1 / 16)، وأعاده في موضع آخر (1 / 39) ناسباً إيَّاه إلى الشيخ التماسيني.

(58)  الشيخ إبراهيم إنياس, ص 239.

(59)  ديوان أوثق العرى, ص 108 - ضمن مجموعة دواوين.

(60)  ديوانه جبر الكسر, ص 9.

(61)  صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه, انظر: السلسلة الصحيحة, رقم 490.

(62)  ديوان أوثق العرى, ص 108 - ضمن مجموعة دواوين.

(63)  الرحلة الكناكرية, ص 114 - 115.

(64)  الرحلة الكناكرية, ص 110 - ضمن مجموع رحلاته.

(65)  السر الأكبر, ص 442.

(66)  جواهر الرسائل, (2 / 107).

(67)  مدارج السالكين, لابن القيم, (1 / 40).

(68)  جواهر الرسائل, (2 / 87).

(69)  نقله د. محمد طاهر ميغري رحمه الله من قصيدة لإنياس وجدها عند السيد محمد الهبية بن الطفيل بموريتانيا. انظر: الشيخ إبراهيم إنياس, ص 341.

(70)  مراتب الإجماع, ص 176.

(71)  جواهر الرسائل, (2 / 71).

(72)  المصدر نفسه, (2 / 73).

(73)  المصدر السابق, (2 / 74).

(74)  المصدر السابق, (2 / 78).

(75)  المصدر السابق, (2 / 79).

(76)  جواهر الرسائل, (1 / 106 - 107)، وانظر أيضاً: (1 / 119).

(77)  انظر: جواهر الرسائل, (1 / 91).

(78)  المصدر السابق, (1 / 94 - 95).

(79)  جواهر الرسائل, (2 / 85).

(80)  المصدر نفسه, في الموضع السابق.

(81)  المصدر السابق, (2 / 87).

(82)  جواهر الرسائل, (2 / 94).