«أفرقة التنمية».. ثغرات في مؤشرات «الإرادة القومية» بالقارة السمراء

  • 1 -10 - 2012
  • مصطفى شفيق علام

مصطفى شفيق علام 

ثمة جدل أكاديمي محتدم بشأن التنظير الاقتصادي لجدوى اعتماد الدّول الإفريقية في تحقيق التنمية المستدامة Sustainable development اعتماداً على الدّعم الخارجي متمثلاً في المساعدات الأجنبية الإنمائية، سواء على مستوى الدّول أو على مستوى المنظّمات والهيئات والكيانات الاقتصادية المختلفة، وسواء أخذت هذه المساعدات شكل المنح والهبات النقدية أو العينية أو الفنية، أو أخذت شكل القروض الميسّرة لآجال ممتدة ما بين المَدَيين المتوسط والطويل.

ولا يخفّف حدّة ذلك الجدل ما إذا كانت تلك المعونات مشروطة أو غير مشروطة، في إطار ثنائي أو في إطار جماعي، إقليمي أو دولي.

وفي هذا الإطار؛ توجد مدرستان متضادتان في رؤيتيهما لجدوى الاعتماد على الدّعم الخارجي في استراتيجيات التنمية:

أولاهما: ترى أن دور الداعم الخارجي، المانح أو المساعد أو المقرض أو حتى المدرّب والمشرف، في إطار إيجابي محض، قد ينحو إلى المثالية السياسية، وتستند هذه المدرسة إلى  ما يُعرف بـ «نظرية المكمّل».

الثانية: تنظر إلى الدور الخارجي في إطار سلبي، استناداً لمقتضيات الواقع المنظور وممارساته، وتبني هذه المدرسة رؤيتها السلبية تلك على ما يُعرف بـ «نظرية البديل».

وتنهض «نظرية المُكمّل» بالأساس على اعتبار أن الدور الخارجي في التنمية المستدامة ذو أثر إيجابي في اقتصاديات الدول المتلقّية والممنوحة؛ حيث يؤدي الخارج دوراً مهماً ورئيساً في سدِّ عجز الموارد المحليّة للدول النامية، والتي دائماً ما تعجز عن تحقيق معدلات النّمو المرغوبة أو المبتغاة، ومن ثم.. فالاعتماد على الخارج لا غضاضة فيه كبداية للنهضة، والوصول إلى الاعتمادية الذاتية للتنمية المستدامة في الأجل الطويل[1].

في حين تقوم «نظرية البديل» على فرضية مضادة لـ «نظرية المكمّل»، حيث تتركز المقولة الرئيسة لهذه النظرية على فرضية أن الاعتماد على الدور الخارجي يُعد بمثابة البديل المريح للموارد المحليّة في الدول المتلقّية؛ حيث يؤثر ذلك البديل الجاهز والمتوافر سلباً في تكوين المدّخرات المحليّة، كما يؤدي إلى زيادة النفقات الاستهلاكية للحكومات المتلقّية فيما لا طائل من ورائه، كما ينتهي في الأخير إلى عدم الكفاءة الاقتصادية، بما يُحدثه من تطبيق لبرامج تقنية وإدارية غير مناسبة للدول المتلقّية، ما يعني في نهاية الأمر عدم القدرة على تحقيق التنمية الحقيقية المنشودة التي تقوم على الاستدامة وتوطين التنمية[2].

وَهْم «نظرية المُكمّل» وصفرية «الإرادة القومية»:

ولعل واقع العلاقات الدولية إبّان حقبة الحرب الباردة، قد مثّل المناخ المناسب لسيادة «نظرية المكمّل» في إفريقيا خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حيث كانت هذه النظرية هي الإطار الرئيس لفلسفة علاقات ما يُعرف بالتعاون بين الدول الإفريقية من جهة والدول الغربية المستعمرة السابقة للقارة من جهة أخرى، بيد أن العيوب الجوهرية في تلك النظرية وعدم اضطلاعها بالإجابة عن كثير من التساؤلات بشأن تحقيق التنمية المستدامة، وعدم جدواها التنموية في الأجلين المتوسط والبعيد، على الرغم من مرور عقود طويلة خلت، قد ساهمت بشكل كبير في بروز وتطوّر «نظرية البديل» بوصفها مناقضاً لجوهر ما قامت عليه «نظرية المكمّل»، ومن ثم جاءت في سياق التحذير من استمرار اعتمادية الدول الإفريقية على مساعدات الدول الكبرى الإقليمية والدولية، وأذرعها الاقتصادية الدولية من منظمات وهيئات مانحة ومقرضة[3]، هذا من الناحية الاقتصادية.

واهم مَن يعتقد أن القوى الغربية من المستعمرين السابقين، وغيرها من الدول الكبرى، يعملون لمصلحة الدول والشعوب الإفريقية

أما من الناحية السياسية؛ فثمة إطار آخر للتحليل ينبغي الالتفات إليه ووضعه في الحسبان عند الحديث عن «نظرية المكمّل»، ألا وهو «سببية المساعدة»، أو لماذا تتبارى القوى الكبرى وأذرعها الاقتصادية والمالية الدولية في تقديم المساعدات والدّعم المالي والفني لدول القارة السمراء؟

وهنا تبرز «نظرية المباريات» Game Theory بوصفها إطاراً تفسيرياً للإجابة عن تساؤلات الدوافع والأهداف المتعلقة بحرص الخارج - غير الإفريقي - على تقديم المساعدات الإنمائية للقارة، فقد اعتبر بعض الباحثين الاقتصاديين، ومنهم الأمريكي «توماس شيلينج» Thomas Cr. Schelling، في تحليلهم لنوعية العلاقات التي تنشأ بين (المانح والمتلقّي) من الدول، إلى صيغة المباريات غير الصفرية non zero-sum games، والتي تعني أن علاقة الدول المانحة بالدول المتلقّية ليست علاقة صفرية، طرف يمنح لاعتبارات إنسانية مزعومة، وطرف يتلقَّى لإحداث الفارق في بنيته التنموية فحسب، وإنما هي علاقة تبادل منافع، أو مقايضة شيء بشيء آخر، أي علاقة تحكمها المصالح بشكل رئيس، كلا الطرفين يمنح ويتلقّى، ولكن الاختلاف بينهما يكون في الكيف والنوع[4].

وقد خلص ديفيد بيم David Beim في تحليله للعلاقات الدولية القائمة على ثنائية «المانح - المتلقّي» إلى أن المساعدات الخارجية تحقّق للدول المانحة عدداً من الأهداف والمكاسب، تفوق ما تحقّقه الدول المتلقّية، والتي لا تحقّق من الأهداف إلا ما يصبّ - في الأخير - في مصلحة الدول المانحة.

ويمكن تلخيص أبرز ما تحصل عليه الدول المانحة عبر بوابة المساعدات الإنمائية في أربع نقاط رئيسة، تتضح بجلاء في ضوء خبرة التنافس (الأمريكي – السوفييتي) إبّان حقبة الحرب الباردة[5]:

1 - المساعدات الخارجية تؤدي إلى نشأة علاقة صداقة، وتوطّد علاقة المانح بالمتلقّي، ويُعد هذا الدافع هو الأوضح والأكثر مباشرة، على الرغم من أنه لا يُعد هو الأهم على الإطلاق لبسط النفوذ؛ ولهذا يُشار إلى هذا الدافع على أنه دافع تكتيكي وليس دافعاً استراتيجياً، حيث إنه لا يضمن بالضرورة استمرار علاقة الصداقة على المدى البعيد.

2 - وبتطوّر الأمر تصبح المساعدات الأجنبية لا غنى عنها للدول المتلقّية، باعتبارها جهاز التنفس الاصطناعي الذي يضخ الأموال والهبات لاقتصادها الهش العليل، ومن ثم تغدو خاضعة لسيطرة الدول المانحة، ومعتمدة عليها بشكل كبير، على نحو تصبح معه تلك الدول أسيرة الوعد باستمرار المساعدات، والتهديد بقطعها، في إطار سياسة «العصا والجزرة»، والأكثر من ذلك أنها تجعلها طيّعة للدول المانحة، وسهلة الانقياد لأي اتفاقيات ثنائية مع الدولة المانحة مهما كانت ماسّة بسيادتها واستقلالها الوطني.

وهذا الهدف يمكن أن يُصنّف ضمن الأهداف التكتيكة أو الاستراتيجية، فلو أن الدولة المانحة قامت بتقديم مساعدة أو منحة تحتاج إليها الدولة المتلقّية بشكل ملحّ، مقابل تنازل معيّن، أشبه ما يكون بالرشوة، فإن الهدف في هذه الحالة يكون تكتيكياً، أما حين يتم استخدام أداة المعونات والمساعدات لخدمة هدف استراتيجي؛ فإن الدولة المانحة هنا، على الأرجح، تحاول جذب الدولة المتلقّية لاختراق نظامها الاقتصادي، وإقامة علاقات قوية تربط اقتصاد الدولة المتلقّية باقتصاد الدولة المانحة، وفي مثل هذه الحالة لا بد أن تكون المساعدات مغرية وكبيرة الحجم، حتى تنجح في ربط الدولة المتلقّية بالدولة المانحة، وغالباً ما تركّز الدولة المانحة، لتحقّيق هذا الهدف، في قطاع الصناعات الثقيلة، وتنطلق منه إلى إبرام اتفاقات تجارية، وإطلاق مبادرات تبادل ثقافي، من أجل ارتباط أكبر من قِبل الدولة المتلقّية بالدولة المانحة على كلّ المستويات.

3 - كذلك فإن المساعدات الأجنبية قد توجِد حليفاً «أيديولوجياً» على المدى البعيد، أو ما يمكن وصفه بالحليف «الاستراتيجي» في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، إذا ما افترضنا تراجع التحليل الأيديولوجي للعلاقات الدولية الراهنة في ظل تنامي استحقاقات العولمة، والأحادية القطبية أو شبه الأحادية، في النظام الدولي ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

4 – وأخيراً؛ قد تنعكس المساعدات الخارجية على الدول المانحة بفوائد عسكرية، مع ملاحظة أن تلك الفوائد العسكرية قد لا تكون نتاجاً لمعونات عسكرية قُدّمت للدول المتلقّية للمعونة، بمعنى إنه قد تقدِّم دولة ما من الدول المانحة معونة أو مساعدة غير عسكرية لدولة متلقّية من أجل بلوغ أهداف عسكرية، بينما قد تقدِّم تلك الدولة معونات عسكرية من أجل بلوغ أحد الأهداف الثلاثة الأولى سالفة البيان.

إذن وباختصار؛ فإن «نظرية المكمّل» التي تسوّغ لاعتمادية الدول الإفريقية على الخارج «غير الإفريقي»، بوصفه عاملاً مساعداً أو محفّزاً لتدشين استراتيجيات التنمية المستدامة في القارة، ما هي في الأخير إلا وَهْم كبير!

الدول الكبرى والمؤسّسات المانحة لا تتفضل على الدول الإفريقية، ولا تصبّ عليها الأموال صباً، هكذا لاعتبارت إنسانية كما يزعمون، بل إن ما تعطيه لها يعود إليها أضعافاً مضاعفة

ومن ثم؛ فإن اعتماد دول القارة على الخارج، المانح والمليء، يمسّ - أول ما يمسّ - بأحد أهم مرتكزات بناء قوة الدولة بمفهومها الاستراتيجي الشامل، متمثلاً في الإرادة القومية، بما يجعل دول القارة مجرد تابع للآخر (المانح والمساعد)، تتلقَّى هباته ومساعداته بدعوى التنمية، التي أبداً لم تتحقّق، والمقابل تبعية القرار السياسي والاقتصادي؛ وصولاً إلى الثقافي والاجتماعي، وحتى العسكري واللوجيستي.

ويُقصد بـ «الإرادة القومية» Will to Pursue National Purpose، بوصفها محدّداً رئيساً لقوة الدولة: «مجموعة العوامل التي تشكّل في مجموعها إرادة الدولة وقدرتها على اتخاذ قرارها السياسي والاستراتيجي بدافع من الذاتية والاستقلالية»[6].

ومن ثم فهي تتجسّد في ثلاثة عناصر رئيسة، هي:

1 - القيادة السياسية.

2 - والأهداف الاستراتيجية.

3 - وحجم القاعدة العلمية؛ بوصفها خياراً استراتيجياً للدولة لإقامة بنيتها التنموية.

وينبثق عن كلِّ عنصر من هذه العناصر الثلاثة مؤشرات عدة، تشكّل في مجملها صورة تقريبية عن مدى استقلالية «الإرادة القومية» للدولة، وهذه المؤشرات هي[7]:

قدرة الدولة على تعبئة الموارد الذاتية، ودرجة استجابة الدولة لحاجات الشعب الأساسية، ونسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي، وصافي الميزان التجاري، ونسبة المعونات الخارجية إلى إجمالي الناتج المحلي، وترتيب الدولة في تقارير التنمية البشرية، وترتيبها في مؤشر مدركات الفساد، ونسبة الاستثمارات الأجنبية إلى الناتج المحلي، ونسبة الصادرات من إجمالي الناتج المحلي، ونسبة الاكتفاء الذاتي من القمح، ونسبة الإنفاق على البحث العلمي، ونسبة الصادرات مرتفعة التقانة من إجمالي الصادرات، وإجمالي الأعمال المنشورة في مجالات البحث العلمي المختلفة، ونسبة العلميين إلى مجموع السكان في الدولة.

قراءة في بعض مؤشرات «الإرادة القومية» بإفريقيا:

وتكشف لنا القراءة التحليلية المتأنية لبعض مؤشرات «الإرادة القومية» في دول القارة الإفريقية، ما تعانيه بنية القوة في تلك الدول من ثغرات ونقاط ضعف بالغة، ما يعني عدم القدرة على تحقيق التنمية المرجوّة في ربوع القارة، حتى في ظل العامل الخارجي المساعد، إلى جانب عدم توطين التنمية في إفريقيا، على المدى المتوسط والبعيد، في إطار ما يمكن تسميته بـ «أفرقة التنمية»، بمعنى جعل التنمية المستدامة في القارة إفريقية خالصة، تقوم على الإرادة القومية في إدارة الموارد الوطنية للاضطلاع بهذه المهمة الاستراتيجية الملحّة.

وفي هذا الإطار؛ نستعرض خمسة مؤشرات، من أصل ستة عشر مؤشراً، تكوّن محدّد «الإرادة القومية»، وفقاً لمنهج قياس قوة الدولة، الذي يُعنى بقياس القوة الشاملة للدولة كمياً، كأمثلة للتدليل على حالة الضعف الذي تعانيه الدول الإفريقية فيما يتعلق بالإرادة القومية، التي هي أساس توطين وأفرقة التنمية في القارة.

وهذه المؤشرات الخمسة هي:

1 - القدرة على تعبئة الموارد الذاتية، ويُستدل عليها بنسبة الضرائب من إجمالي الناتج المحلي.

2 - ونسبة الاستثمارات المحليّة إلى إجمالي الناتج المحلي، أو ما بات يُعرف في مؤشرات التنمية حالياً بالتكوين الرأسمالي Capital Formation.

3 - ونسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي.

4 - ونسبة المعونات إلى إجمالي الناتج المحلي.

5 - وأخيراً نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح.

ويلاحظ أن المؤشرات الخمسة السالفة التي سيتم التركيز فيها هنا تتعلق بشكل مباشر بذاتية أو أفرقة التنمية، والنأي بها عن أي عوامل خارجية.

تعبئة الموارد الذاتية.. قصور عام مع استثناءات قليلة:

يمكن القول إنه كلما كانت الدولة أكثر قدرة على تعبئة مواردها الذاتية للاعتماد عليها في وقت الأزمات؛ كان ذلك مؤشراً على قوة الإرادة القومية للدولة، وعاملاً حاسماً في بناء النهضة والتنمية على أُسس وطنية راسخة، ويُستدل على تلك القدرة بنسبة الإيرادات الضريبية من إجمالي الناتج المحلي.

وفي الجدول الآتي نستعرض هذه النسبة في الدول الإفريقية، وفقاً لتقديرات البنك الدولي عام 2011م، مع ملاحظة أن الدول غير المذكورة في هذا الجدول لم ترد عنها بيانات تتعلق بهذا الشأن:

جدول (1)

نسبة الضرائب من إجمالي الناتج المحلي في بعض الدول الإفريقية (2007م – 2010م)[8]

الدولة

الإيرادات الضريبية من إجمالي الناتج المحلي %

2007م

2008م

2009م

2010م

الرأس الأخضر

23,8

24,6

19,9

 

أوغندا

12,4

12,9

12,2

 

بوركينا فاسو

12,7

12,3

12,9

13,0

توجو

16,2

14,9

15,4

15,8

الكونغو الديمقراطية

11,7

15,2

13,1

13,7

جنوب إفريقيا

28,9

27,9

25,5

 

زامبيا

16,9

17,4

15,0

16,6

سيراليون

10,2

10,5

11,0

 

غانا

13,9

13,9

12,6

 

كينيا

17,8

18,8

18,8

19,5

ليبيريا

0,3

0,3

 

 

مالي

14,9

13,3

14,7

 

مدغشقر

11,4

13,0

 

 

موريشيوس

 

 

18,7

18,5

ناميبيا

27,3

 

 

 

نيجيريا

0,2

0,3

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ووفقاً للجدول السابق؛ تعاني جلّ الدول الإفريقية ضعف إيرادات الضرائب، وتدّني نسبتها من إجمالي الناتج المحلي، فباستثناء جنوب إفريقيا والرأس الأخضر، ونامبيا التي لا تتوفر عنها بيانات إلا في عام واحد فقط، فإن نسبة الضرائب لا تتخطّى حاجز العشرين بالمائة في جميع الدول الإفريقية، بناءً على تقديرات البنك الدولي عام 2010م، أعلاها في كينيا وموريشيوس (19,5%، 18,5% على الترتيب)، في حين إنها لا تتخطّى حاجز 15% في معظم الدول الإفريقية (بوركينا فاسو 13%، أوغندا 12,2%، الكونغو الديمقراطية 13,7%، سيراليون 11%)، بل إنها تتدنى إلى معدلات غير مسبوقة في العالم في دول مثل نيجيريا (0,2 عام 2007م) وليبيريا (0,3% عام 2008م).

وبشكل عام؛ لا تشهد تراكمات الأوعية الضريبية في دول القارة الإفريقية قفزات نوعية تُذكر من عام لآخر، ما يجعل معدلات الضرائب بين دول القارة تتّسم بثبات شبه نسبي في بنية إجمالي النواتج المحليّة في تلك الدول، الأمر الذي يقلّل من أهمية التعويل على الموارد الضريبية في تعبئة الموارد الذاتية للدول الإفريقية لتحقيق التنمية المستدامة المبنية على مرتكزات إفريقية وطنية خالصة، إذ إن الدولة التي لا تستطيع تعبئة مواردها الذاتية بشكل جيد؛ تكون أكثر اعتماداً على موارد خارجية لتعويض الفجوة الحاصلة بين النفقات والإيرادات، ما يعني عدم قدرتها على توطين التنمية فيها، وهو أمر مؤدّاه مزيد من التبعية والانكشاف الاستراتيجي.

 التكوين الرأسمالي.. ما بين التدنّي وعدم مواكبة الطموح:

يتكوّن إجمالي تكوين رأس المال، وفقاً للبنك الدولي، من مجمل النفقات على زيادة الأصول الثابتة للاقتصاد؛ مضافاً إليه صافي التغيّرات في مستوى المخزونات[9].

وهو أحد المؤشرات الكاشفة عن مدى قدرة الدولة على تعبئة مواردها الذاتية للاعتماد عليها وقت الأزمات، كما يُدلّل على مدى اعتماد الاقتصاد الوطني للدولة على تكوين رأس المال المحلي، وليس الأجنبي، بما يجعله أكثر ثباتاً، وأقلّ عرضة للتقلبات الاقتصادية العالمية والضغوط الخارجية، ومن ثم فكلما زادت هذه النسبة كان مؤشر قوة للدولة المعنية، والعكس صحيح.

ويبيّن الجدول الآتي نسبة التكوين الرأسمالي في الدول الإفريقية وفقاً لتقديرات البنك الدولي لعام 2011م:

جدول (2)

التكوين الرأسمالي في الدول الإفريقية (2007م – 2011م)[10]  

الدولة

نسبة التكوين الرأسمالي من إجمالي الناتج المحلي %

2007م

2008م

2009م

2010م

2011م

إثيوبيا

23

20

22

22

19

إريتريا

11

 

 

 

 

الرأس الأخضر

47

49

39

47

 

السنغال

31

30

28

29

31

الكاميرون

18

 

 

 

 

أنجولا

13

16

15

13

11

أوغندا

22

23

24

23

25

بوتسوانا

27

28

32

29

31

بوروندي

18

19

19

18

18

تشاد

18

25

33

33

 

تنزانيا

30

30

29

29

29

توجو

15

17

18

19

19

جزر القمر

11

14

12

 

 

إفريقيا الوسطى

9

12

11

 

 

الكونغو

22

18

23

21

24

الكونغو الديمقراطية

19

24

29

 

 

جنوب إفريقيا

21

22

20

19

 

رواندا

18

23

22

21

 

زامبيا

24

22

22

22

21

زيمبابوي

7

5

2

3

7

سيشل

30

24

22

 

 

جابون

26

24

27

27

25

جامبيا

18

14

18

19

18

غانا

20

21

23

27

22

غينيا

14

16

21

20

 

غينيا الاستوائية

35

26

47

28

 

كوت ديفوار

9

10

11

14

16

كينيا

19

19

19

19

25

ليبيريا

27

34

25

35

33

ليسوتو

24

28

28

28

35

مالي

22

 

 

 

 

مدغشقر

32

40

33

 

 

ملاوي

27

26

25

25

24

موريتانيا

37

35

31

27

25

موريشيوس

27

27

21

24

24

موزمبيق

16

16

21

24

24

نامبيا

24

29

28

26

27

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ويتضح من الجدول السابق، استناداً إلى تقديرات عام 2011م، باعتبارها التقديرات الأحدث في هذا الإطار، أن جميع الدول الإفريقية، ما عدا الرأس الأخضر، تعاني بشكل أو بآخر ضعف التكوين الرأسمالي، وإن بدرجات متفاوتة، فمنها دول متوسطة التكوين الرأسمالي، وهي التي تتراوح معدلاتها ما بين 25 إلى 35%، مثل السنغال، وبوتسوانا، وتشاد، وتنزانيا، وليبيريا، وليسوتو، ومدعشقر.

ومنها دول أقل من المتوسط، وهي تلك التي تتراوح معدلات التكوين الرأسمالي فيها ما بين 20 إلى 25% ، مثل أوغندا، والكونغو، وزامبيا، وغانا.

وهناك دول تنحدر معدلات التكوين الرأسمالي فيها إلى نسب أقلّ من ذلك كثيراً، ربما إلى أقل من 15% ، مثل إريتريا، والكاميرون، وجزر القمر، وإفريقيا الوسطي، وكوت ديفوار.

ثمة ملمح آخر في قراءتنا لبيانات البنك الدولي بشأن التكوين الرأسمالي في دول القارة الإفريقية، خلال الفترة من 2007م إلى 2011م، يتمثّل في أن غالبية الدول الإفريقية تشهد تذبذباً في معدلات التكوين الرأسمالي صعوداً وهبوطاً من عام لآخر، ولكن بنسب صغيرة وغير جذرية، ومن ثم فليس هناك ما يمكن اعتباره قفزات نوعية، سواء بالارتفاع أو بالانخفاض، في المعدلات العامة للتكوين الرأسمالي في إفريقيا، الأمر الذي يجعل الثبات شبه النسبي هو السائد في هذا السياق، الأمر الذي يمثّل نقطة ضعف بارزة في محددات «الإرادة القومية» لدول القارة بشكل عام.

واستناداً إلى ما سبق، وأخذاً في الاعتبار أن الغالبية الساحقة من الدول الإفريقية لا يرقى إجمالي ناتجها المحلي إلى ما تحوزه من موارد وثروات طبيعية وبشرية، فإنه يمكن القول إن التكوين الرأسمالي في إفريقيا يحتاج إلى استراتيجية شاملة لتعظيمه، وتطوير هيكله وما يلزمه من بنية تحتية؛ حيث إن توطين و «أفرقة التنمية» في القارة شرط لازم لتحقيق التنمية المستدامة في دولها، فالاقتصاد الوطني لا يقوم بحق إلا على تراكم رأسمال وطني يلبّي الطموحات ولا يهرب عند الأزمات، وربما هذا ما تحتاج إليه دول القارة بشكل رئيس.

ديون القارة.. معضلة في وجه التنمية:

تُعد الديون الخارجية أحد أبرز معضلات «أفرقة التنمية» في القارة، وكثير من الدول الإفريقية تعاني بشدة تراكم الأصول والفوائد المركّبة للديون التي تغدقها الدول الكبرى والمؤسسات الاقتصادية العاملة في مجالات الإقراض، بهدف علاج الفجوات الاقتصادية التي تعانيها الدول الإفريقية، ولكنها في نهاية الأمر ليست إلا تعميقاً لتلك الفجوات، ومعوِّقاً حقيقياً لأي محاولات جادة لبناء تنمية راسخة في تلك الدول.

ويُنظر إلى الديون الخارجية بوصفها أحد أوجه الانتقاص من «الإرادة القومية» للدول الإفريقية، فالمَدِين غالباً ما يسعى إلى استرضاء الدائن لضخّ المزيد من القروض من جهة، وإعادة جدولة الديون القديمة التي يعجز عن الوفاء باستحقاقاتها من جهة أخرى.

والقاعدة أنه كلما قلت ديون الدولة كانت أكثر استقلالاً في قرارها السياسي، وكانت أكثر قدرة على توطين التنمية داخلها دونما ضغوط أو إملاءات، والعكس بالعكس.

ويوضح الجدول الآتي حالة الديون في دول القارة الإفريقية بوصفها نسبة من إجمالي دخولها القومية، وفقاً لتقديرات البنك الدولي:

جدول (3)

أرصدة الدين الخارجي نسبة إلى إجمالي الدخل القومي في الدول الإفريقية (2007م – 2010م)[11]

الدولة

الدين الخارجي إلى الدخل القومي %

2007م

2008م

2009م

2010م

إثيوبيا

13.4

10.8

15.8

24.1

إريتريا

65.6

70.3

55.4

48.2

الرأس الأخضر

44.6

41.6

45.8

54.3

السنغال

22.7

21.4

27.4

28.5

الكاميرون

14.6

11.8

13.4

13.5

النيجر

26.8

18.7

21.2

20.5

أنجولا

22.2

21.4

24.2

24.6

أوغندا

13.5

15.7

15.9

17.9

بوتسوانا

3.5

3.4

14.0

11.6

بوركينا فاسو

21.5

21.1

22.7

23.3

بوروندي

149.5

123.5

38.5

33.8

تشاد

30.9

26.2

28.5

25.7

تنزانيا

29.7

28.8

34.2

27.7

توجو

89.0

58.0

58.1

61.1

جزر القمر

61.4

52.7

51.9

90.1

إفريقيا الوسطى

56.9

48.7

20.0

19.2

الكونغو

98.3

68.0

71.3

42.9

الكونغو الديمقراطية

128.5

118.1

117.8

47.1

جنوب إفريقيا

15.8

16.0

15.4

12.7

رواندا

15.7

14.2

14.3

14.2

زامبيا

27.3

22.5

26.6

25.8

زيمبابوي

111.7

128.9

89.0

71.8

سيراليون

32.1

31.7

37.8

40.8

سيشل

147.7

179.5

245.5

176.7

جابون

28.2

17.1

21.6

20.3

جامبيا

116.0

47.0

66.6

63.3

غانا

19.8

19.0

24.5

27.2

غينيا

82.3

93.2

79.0

69.1

غينيا بيساو

158.8

130.0

135.6

124.8

كوت ديفوار

73.3

56.0

53.0

52.0

كينيا

27.4

25.1

27.9

26.9

ليبيريا

664.7

464.9

225.4

28.2

ليسوتو

33.7

32.3

31.1

28.4

مالي

25.5

24.1

24.1

26.1

مدغشقر

23.4

22.2

26.2

26.6

ملاوي

23.0

22.1

22.2

18.0

موريشيوس

8.3

6.4

9.3

11.0

موزمبيق

39.1

36.6

41.7

43.8

نيجيريا

5.5

5.8

4.9

4.5

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القراءة الأولية لبيانات هذا المؤشر توضّح بجلاء أن جميع الدول الإفريقية هي دول مدينة، بل إن من بين هذه الدول ما يُنظر إليها دولياً باعتبارها من الدول المدينة الرئيسة في العالم، وتوضّح القراءة الأولية للبيانات السابقة كذلك أن أرصدة الدين الخارجي في كثير من الدول الإفريقية تلتهم جزءاً كبيراً، يتفاوت من دولة لأخرى، من الدخل القومي، الهشّ في معظم الأحوال، لهذه الدول.

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي عام 2010م، بوصفها البيانات الأحدث في هذا الإطار، تبدو الصورة أكثر قتامة في دول مثل غينيا بيساو وسيشل، والتي تزيد أرصدة الدين الخارجي فيهما عن إجمالي الدّخل القومي، حيث تبلغ نسبة الدين الخارجي نحو 124,8% ، و 176,7% من إجمالي الدخل القومي في كلٍّ من غينيا بيساو وسيشل على الترتيب، في حين تبدو الصورة شديدة الخطورة في دول أخرى؛ تستغرق قيمة الديون الخارجية فيها ما يزيد عن نصف إجمالي الدخل القومي فيها، بما فيها دول تقترب تلك النسبة من 100% (مائة بالمائة)، مثل جزر القمر (90,1%)، وزيمبابوري (71,1%)، وغينيا (69,1%)، وجامبيا (63,3%)، وتوجو (61,1%)، والرأس الأخضر (54,4%)، وكوت ديفوار (52%).

وتؤكد بيانات البنك الدولي المتعقلة بمؤشر الدين الخارجي أن غالبية الدول الإفريقية تستغرق أرصدة الدين الخارجي فيها ما يتراوح بين 25%  إلى 50% من إجمالي الدخول القومية في تلك الدول، مثل موزمبيق (43,8%)، والكونغو الديمقراطية (47,1%)، والكونغو (42,9%)، وسيراليون (40,8%)، بوروندي (33,8%).

وأخيراً؛ تقع نحو إحدى عشر دولة إفريقية في القائمة التي تقلّ نسبة الديون الخارجية فيها من إجمالي الدخل القومي عن 25%، أقلّها نيجيريا (4,5%)، وموريشيوس (11%)، وأعلاها أنجولا (24,6%)، وبوركينا فاسو (23,3%).

الغالبية العظمى من المساعدات الأجنبية التي تتلقاها القارة الإفريقية تأتي في صورة قروض، ومن ثم فهي ديون مستحقة وليست هبات أو عطايا أو منح لا ترد كما هو الحال في المعونات

ثمة ملاحظة مهمة في هذا الإطار تتعلق بتطور أرصدة الدين الخارجي نسبة إلى إجمالي الدخل القومي للدول الإفريقية، حيث يتضح من البيانات الواردة في الجدول أعلاه أن بعض الدول شهدت زيادة في نسبة أرصدة ديونها الخارجية من إجمالي دخلها القومي، مثل جزر القمر التي قفزت فيها هذه النسبة من 51,9% عام 2009م إلى 90,1% عام 2010م، في حين شهدت دول أخرى انخفاضاً لافتاً في تلك النسبة، مثل ليبيريا التي انخفضت نسبة ديونها من إجمالي الدخل القومي فيها من 664,7% عام 2007م، إلى 28,2% عام 2010م، وكذلك الكونغو (98,3% عام 2007م، انخفضت إلى 42,9% عام 2010م)، والكونغو الديمقراطية (128,5% عام 2007م، تراجعت إلى 47,1% عام 2010م).

ولا يمكن القول في هذا السياق أن ثمة فارقاً تنموياً بين كلٍّ من الدول التي شهدت ديونها معدلات ارتفاع، وتلك التي شهدت ديونها معدلات انخفاض، بمعنى أن انخفاض معدلات الديون في بعض الدول سالفة البيان لا يعني بالضرورة مؤشراً إيجابياً يدلّل على حدوث طفرة تنموية؛ بقدر ما يتعلق بأسباب أخرى غير تنموية وخارجية بالأساس، تتلخص في مجملها بإسقاط الدول والمؤسسات الدولية الدائنة بعضاً من الديون عن تلك الدول لاعتبارات سياسية أو إنسانية «مزعومة»، وسيتضح هذا الأمر عند الحديث عن مؤشر المعونات التنموية في القارة الإفريقية.  

وإجمالاً، وأيّاً كانت الاختلافات في النسب والمعدلات، ارتفاعاً وانخفاضاً، فيما يتعلق بمؤشر الديون الخارجية، فإن جميع الدول الإفريقية هي دول مدينة بالأساس، وهذا ما يمثّل ثغرة واضحة في مؤشرات «الإرادة القومية» التي هي أساس استقلالية القرار السياسي للدولة، ومن ثم فإن أي استراتيجية للتنمية في القارة لن يُكتب لها النجاح المطلوب والفاعلية اللازمة ما بقي طوق الديون الخارجية يحيط برقاب الشعوب والدول الإفريقية.

المعونات.. جدوى قليلة والثمن إرادة مكبّلة:

تندرج المعونات التنموية في إطار المساعدات الخارجية التي تضطلع الدول الكبرى بتقديمها للدول النامية، ويُعد هذا المؤشر أيضاً كاشفاً لمدى اعتمادية الدولة على قدراتها الذاتية وتحقيق تنميتها الوطنية في إطار من الإرادة القومية المبنية على الاستقلالية وعدم الاعتماد على الخارج، وكلما كانت الدولة أقل اعتماداً على المعونات الخارجية كان ذلك مؤشر قوة لتلك الدولة؛ لأنه يقوي الإرادة القومية للدولة في مواجهة الضغوط والإملاءات الماسة بسيادتها.

وإذا كان من المفترض – نظرياً - أن المنح والمعونات لا تُحمّل الدولة المتلقّية أية أعباء مادية، بخلاف ما هو حاصل في الاستدانة من الخارج، والتي تمثّل عبئاً مباشراً على الدولة المدينة، إلا أن تلك المعونات لها من التبعات السياسية والاستراتيجية ما تفوق في تكلفتها الأبعاد المادية والعينية للقروض المباشرة، سواء كانت مشروطة أو غير مشروطة.

ويوضح الجدول الآتي نسبة المعونات التي تتدفق على دول القارة الإفريقية من إجمالي الدخول القومية في تلك الدول:

جدول (4)

المعونات الإنمائية نسبة إلى إجمالي الدخل القومي للدول الإفريقية[12]

الدولة

المعونات من إجمالي الدخل القومي %

بوتسوانا

5.6

ناميبيا

2.4

جنوب إفريقيا

0.4

غينيا الاستوائية

0.3

الرأس الأخضر

12.8

سوازيلاند

2.5

الكونغو

6.0

ساوتومي وبرنسيب

26.3

كينيا

0.4

غانا

8.1

الكاميرون

2.3

بنين

9.6

مدغشقر

9.5

توجو

11.7

جزر القمر

7.0

ليسوتو

7.0

نيجيريا

0.7

أوغندا

11.7

السنغال

8.1

أنجولا

0.5

تنزانيا

11.7

كوت ديفوار

2.7

زامبيا

8.4

جامبيا

12.8

رواندا

21.1

ملاوي

21.5

غينيا

7.6

إثيوبيا

12.5

سيراليون

19.2

إفريقيا الوسطى

13.2

مالي

11.4

بوركينا فاسو

12.6

ليبيريا

185.0

تشاد

6.2

غينيا بيساو

31.2

موزمبيق

22.9

بوروندي

43.9

النيجر

11.3

الكونغو الديمقراطية

15.6

إريتريا

8.7

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بخلاف المعدلات والنسب المرتفعة للديون المستحقة على دول القارة، وفقاً لما سلف بيانه عند الحديث عن معضلة الديون في إفريقيا، وكما كشفت عنه البيانات الواردة في الجدول (3)، فإن غالبية الدول الإفريقية لا تمثّل المعونات التي تتلقاها كنسبة من إجمالي الدخل القومي فيها الشيء الكثير، وهذا يؤكّد حقيقة مفادها: أن الغالبية العظمى من المساعدات الأجنبية التي تتلقاها القارة الإفريقية تأتي في صورة قروض، ومن ثم فهي ديون مستحقة وليست هبات أو عطايا أو منح لا ترد كما هو الحال في المعونات.

مَن لا ينتج قوته لا يتحكم في قراره السياسي بشكل مستقل، ومن ثم فكلما كانت الدولة أكثر إنتاجاً للقمح كانت أكثر قوة

إذن؛ الدول الكبرى والمؤسّسات المانحة لا تتفضل على الدول الإفريقية، ولا تصبّ عليها الأموال صباً، هكذا لاعتبارت إنسانية كما يزعمون، بل إن ما تعطيه لها يعود إليها أضعافاً مضاعفة، خصوصاً مع تعثّر كثير من الدول الإفريقية في السداد، ولجوئها إلى استجداء الدول المقرضة لجدولة الديون المستحقة، ومنحها فترات سماح للوفاء بالسداد، وهذا كلّه يستوجب اتفاقات وصفقات يبرمها الطرفان، الدائن والمدين، يدفع فيها الطرف الأضعف (المدين) المقابل من سيادته واستقلال قراره السياسي وأمنه القومي.

وفيما يتعلق بقراءة بيانات الجدول (4)، يتضح أن غالبية الدول الإفريقية الواردة فيه، وفقاً لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير التنمية البشرية 2010م، لا تزيد نسبة المعونات التي تتلقّاها من إجمالي الدخل القومي فيها حاجز 10%، بعضها لا يتجاوز 1%، جنوب إفريقيا (0,4%)، وغينيا الاستوائية (0,3%)، وكينيا (0,4%) ، وأنجولا (0,5%).

ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ليس من الدول الإفريقية ما يستغرق إجمالي ما تتلقاه من معونات حجم الدخل القومي للدولة ككل إلا ليبيريا (185%)، وربما يفسّر هذا التحوّل الحاصل في إجمالي الديون المستحقة عليها كنسبة من الدخل القومي من (225,4%) عام 2009م، إلى نحو (28,2%) فقط عام 2010م، فليس من المعقول أن تكون ليبيريا قد استطاعت تقليص ديونها بهذا المقدار في عام واحد، ولكن الذي حدث هو أن معظم الدول والمؤسّسات الدائنة اتجّهت عام 2010م لإعفاء ليبيريا من سداد معظم الديون، لمساعدتها على تجاوز حقبة الحرب الأهلية، وإعادة بناء الدولة بعد الانتخابات الرئاسية التي فازت فيها «إلين جونسون» برئاسة البلاد[13].

وتمثّل المعونات نسبة كبيرة من إجمالي الدخل القومي في عدد محدود من الدول الإفريقية، مثل بوروندي (43,9%)، وغينيا بيساو (31,2%)، وموزمبيق (22,9%)، وملاوي (21,5%)، في حين تقل تلك المعدلات في باقي الدول الإفريقية الأخرى، فلا تتخطّى نسبة المعونات فيها حاجز العشرين بالمائة من الدخل القومي، وبعضها لا تتخطّى تلك النسبة عشرة بالمائة، مثل إريتيريا (8,7%)، وغينيا (7,6%)، وزامبيا (8,4%). 

فجوة القمح.. ومعضلة الأمن الغذائي:

يُعد مؤشر نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح أحد أهم مؤشرات درجة الانكشاف والتبعية التي تؤثر بشدة في استقلالية الإرادة القومية للدولة، باعتبار أن مَن لا ينتج قوته لا يتحكم في قراره السياسي بشكل مستقل، ومن ثم فكلما كانت الدولة أكثر إنتاجاً للقمح كانت أكثر قوة؛ باعتبار أن القمح من المحاصيل الاستراتيجية المهمّة في مجال الأمن الغذائي للسكان.

ووفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO للعام 2010م، فإن هناك تسعاً وعشرين دولة في العالم تواجه معضلات غذائية حادة تستوجب تدخّلاً إغاثياً دولياً لتوفير القمح والخبز لشعوب تلك الدول.

والمؤسف في هذا الإطار أن غالبية تلك الدول التسع والعشرين هي دول إفريقية، إذ توجد عشرون دولة إفريقية على قائمة تلك الدول، وهي: زيمبابوي، وإريتريا، وليبيريا، والنيجر، وسيراليون، والصومال، وبنين، وإفريقيا الوسطى، وتشاد، والكونغو، وكوت ديفوار، والكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، وغينيا، وكينيا، ومدغشقر، ومالي، وموزمبيق، والسودان، وأوغندا[14].

الدول التي تعاني معضلات غذائية تستوجب إغاثة دولية، ومنها 20 دولة إفريقية[15]

 

وحينما تكون نحو نصف دول القارة الإفريقية مدرجة على قائمة الدول الأشد جوعاً على مستوى العالم؛ فإنه من الترف أن نتحدث عن التنمية، فكيف تنمو دول لا تستطيع أن تسدّ رمق شعوبها التي تتضوّر جوعاً، وكيف نؤسّس لتنمية مستدامة في دول تعتمد على الخارج في توفير رغيف الخبز لمواطنيها وكوب الحليب لأطفالها؟!

ولعلّ معضلة الغذاء هي المنفذ الرئيس الذي تلج منه القوى الكبرى في العالم، وأذرعها من المؤسّسات الدولية، للتغلغل في القارة الإفريقية، معرقلة لتنميتها الحقيقية، وموهنة من استقلالية إرادتها القومية والوطنية، ومستغلة لثرواتها ومواردها الطبيعية، تحت وطأة الحاجة إلى القمح ورغيف الخبز، ومن ثم تذعن سياسات الدول الإفريقية لجزرة المعونات الإغاثية والغذائية من الدول والهيئات المانحة، ولو على حساب الاعتبارات والمصالح الوطنية لدول القارة السمراء، خصوصاً أن نحو 85% من احتياجات دول جنوب القارة وغربها وشرقها من محصول القمح، ذي الأهمية الاستراتيجية، تأتي من الخارج، كما أن نحو 45% من احتياجات الدول الإفريقية العشرين الأشد جوعاً - سالفة البيان -، من محصول الأرز الذي يُعد ثاني محصول يعتمد عليه السكان بعد القمح، تأتي كذلك من خارج القارة.

وخلاصة ما سبق:

أن الثغرات المتجسّدة في بنية مؤشرات «الإرادة القومية» في دول القارة الإفريقية، تؤكّد بحقٍّ أن استراتيجيات التنمية المعتمدة على الخارج، المانح أو المقرض، وفقاً لـ «نظرية المكمّل» لم تؤت ثمارها، على الرغم من استمراريتها على مدار عقود خلت، منذ استقلال دول القارة الإفريقية عن مستعمريها السابقين وحتى الآن، بل إن الدور الخارجي في نموذج التنمية الإفريقية الراهن يتسق، بحقٍّ، مع ما طرحته «نظرية البديل» من سلبيات، إذا أضحى هذا الدور معرقلاً ومعوقاً حقيقياً لاستدامة التنمية وتراكم رأس المال الوطني في إفريقيا على المدى البعيد.

وواهم مَن يعتقد أن القوى الغربية من المستعمرين السابقين، وغيرهم من الدول الكبرى، يعملون لمصلحة الدول والشعوب الإفريقية، فالكل يتحرك من أجل تحقيق مصالحه وأهدافه الاستراتيجية، الآنية والآجلة، ومن ثم فلا مجال لتنمية مستدامة، بالمفهوم الحقيقي، في القارة الإفريقية إلا من خلال انتهاج مدخل «أفرقة التنمية»، ولن تستطيع الدول الإفريقية أن توطّن تنميتها وتؤسّسها بجهود إفريقية خالصة إلا عبر بوابة استقلالية «الإرادة القومية».

وقد اتضح من عرضنا السابق لبعض مؤشرات محدّد «الإرادة القومية»، في منهج قياس قوة الدولة بمفهومها الاستراتيجي الشامل، مدى الثغرات المتجذّرة في بنية «الإرادة القومية» لغالبية دول القارة الإفريقية، ومن ثم فإن الاقتراب المناسب للتعاطي مع تلك المعضلة هو ذات الاقتراب الذي انتهجته الخبرة الأوروبية في بناء كيان الاتحاد الأوروبي، وهو الانطلاق من «التحتي - التكتيكي» المتفق عليه (الاقتصادي، والزراعي، والصناعي، والتجاري)، إلى «الفوقي - الاستراتيجي» الذي قد يختلف عليه (السياسي، والدفاعي، والاستراتيجي)، بجهود «وطنية - قارية»، تعتمد على شراكات «إفريقية - إفريقية» خالصة، مع جعل الشراكات «الإفريقية - غير الإفريقية» في حدودها الدنيا، مع حصرها في المجالات المعرفية، والعلمية، والتكنولوجية، بهدف توطين المعرفة النهضوية في إفريقيا على المديين المتوسط والبعيد.

* كبير الباحثين بمركز المصري للدراسات والمعلومات - القاهرة.

[1] Paul Bowles, “Foreign Aid and Domestic Savings in Less Developed Countries: Some Tests for Causality”, World Development, Vol. 15, No. 6, June, 1987, p. 789.

[2] Pradumna B. Rana, J. Malcolm Dowling, “THE IMPACT OF FOREIGN CAPITAL ON GROWTH: EVIDENCES FROM ASIAN DEVELOPING COUNTRIES”, The Developing Economies, Volume 26, Issue 1, March 1988, pp 3 – 11.

[3] لمزيد من التفصيل بشأن الجدل الأكاديمي حول نظريات المساعدات الاقتصادية الأجنبية، انظر:

- أنور محمود عبد العال: الآثار الاقتصادية الكلية للمعونات الأمريكية على الاقتصاد المصري ودورها في الإصلاح الاقتصادي 1975م - 1996م، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1999م، ص ص 8 - 18.

- علي محمد علي محمود: المساعدات الاقتصادية المدنية الخارجية لمصر وآثارها على الاقتصاد المصري خلال الفترة 1991م – 2004م، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2008م.

- Fredrik Erixon, Why Aid Doesn't Work, B.B.C World, 11/9/2005.

[4] Raymond F. Hopkins, Poltical Economy of Foreign Aid,

http://www.swarthmore.edu/SocSci/rhopkin1/research/PolEconFA.pdf

[5] David Beim, The Communist Block and the Foreign Aid Game, University of Utah on behalf of the western Political Quarterly, Vol. 17, No. 4, 1964, Pp. 785  -788.

[6] للمزيد بشأن الإرادة القومية كأحد عناصر القوة الشاملة للدولة، انظر:

Ray S. Cline, World Power Trends and U.S. Foreign Policy for the 1980's, Boulder CO: West View Press, 1980.

[7] لمزيد من التفصيل بشأن تلك المؤشرات، انظر: جمال زهران: منهج قياس قوة الدولة واحتمالات تطوّر الصراع العربي الإسرائيلي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006م.

[8] المصدر: البنك الدولي، مؤشرات التنمية 2011م، على الرابط الآتي:

 http://data.worldbank.org/indicator/GC.TAX.TOTL.GD.ZS

[9] البنك الدولي، مؤشرات التنمية، مؤشر التراكم الرأسمالي، على الرابط الآتي:

 http://data.worldbank.org/indicator/NE.GDI.TOTL.ZS

[10] المصدر: البنك الدولي، مؤشرات التنمية 2011م، على الرابط الآتي:

http://data.worldbank.org/indicator/NE.GDI.TOTL.ZS

[11] المصدر: البنك الدولي، مؤشرات التنمية 2011م، على الرابط الآتي:

http://data.worldbank.org/indicator/DT.DOD.DECT.GN.ZS

[12] المصدر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية 2010م، الثروة الحقيقية للأمم: مسارات إلى التنمية البشرية، نيويورك، 2010م، ص ص 206 - 209.

[13] أميرة محمد عبد الحليم: ليبيريا.. تحديات ما بعد الانتخابات الرئاسية، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، عدد يناير 2012م، نسخة إلكترونية.

[14] FAO, Crop Prospects and Food Situation, No.4, December 2010, pp 2 - 3.

[15] Source: FAO, Crop Prospects and Food Situation, No.4, December 2010, P 2.